يكاد يشكل جهد الباحث والشاعر عمّار السنجري، جهد مؤسسة بحثية كاملة تولي اهتمامها بالتراث الشعبي الإمارتي وتوثقه بالبحوث والدراسات الميدانية الحية والأفلام الوثائقية، إذ يعمل السنجري منذ سنوات طويلة على جمع الروايات الشفوية من كبار السن الذين كانوا شهود عيان على حقبة مفصلية في التاريخ الإماراتي.

حيث يرى أنهم يسردون وقائع بعيدة عما قدمته الوثائق البريطانية. حول آخر منجزاته، ووجهات نظره اتجاه الجهود الرامية لحفظ التراث الإماراتي، وأهمية المكان في بناء ركيزة لحفظ التراث بكل أشكاله، كان لنا معه الحوار التالي..

مساهمات بحثية

حدثنا عن مشاريعك الجديدة، ماهي الأعمال التي تشتغل عليها في الوقت الراهن؟

أشتغل في الآونة الأخيرة على عدد من القضايا التي لطالما شغلتني منها: الأفلام الوثائقية، وقد بدأت في هذا العمل منذ عام 2005 م، حيث عملت حينها كمعد ومنتج منفذ لعدد من الأفلام الوثائقية، ضمن برنامج بعنوان «عرب ما وراء الحدود»، عرضه تلفزيون الشارقة على مدى عشر حلقات، تقصيت فيه آثار العرب والمسلمين في منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.

وتم التصوير في أرمينيا، أذربيجان، أوزبكستان، وقرغيزستان. ومنذ تلك السنوات تجذّر لدي اهتمام خاص بمنطقة القوقاز وآسيا الوسطى وبدأت ابحث في كل ما يتعلق بمناطق تواجد القبائل العربية في تلك البلدان.

فتتبعت كتابات المستشرقين الروس الذين اهتموا بهجرات القبائل العربية إلى القوقاز وآسيا الوسطى، وقمت بعدة رحلات بشكل شخصي لمناطق ذكرها المؤرخون، فزرت العديد من البلدان وجمعت كماً هائل من المعلومات، ولكن هذا المشروع يحتاج إلى تمويل كبير وإلى مؤسسة معنية لتتبناه.

أما على صعيد المؤلفات البحثية فانتهيت أخيراً من كتابين هما، «روايات القبائل»، و«أخلاق وعادات الإماراتيين في كتابات الرحالة الغربيين»، إضافة لكتاب عن رحلاتي إلى أرمينيا بعنوان «أرمينيا فردوس آسيا المنسي».

وما زال العمل جارياً على كتاب «القبائل العربية في آسيا الوسطى وخراسان والقوقاز»، وكتاب آخر عن تاريخ إمارة الشارقة من وجهة نظر أنثروبولوجية، وسأبدأ قريبا في العمل على الجزء الثاني من كتابي «زبدة النسب لقبائل جنوب شرق شبه جزيرة العرب» الذي صدر جزءه الأول عام 2011 م.

مشتركات إبداعية

تشكل تجربتك حالة فريدة من خلال دراستك للصحافة واللغة الإنجليزية، وفي الوقت نفسه أنت شاعر، وباحث في التراث، وعملت صحافياً، كيف أسهمت كل تلك المجالات في نتاجك الإبداعي؟

هناك شيء مشترك يجمع بين كل ذلك، وهو محاولة الوصول إلى الحالة الإبداعية، فليس في الشعر فقط يتركز الإبداع، فالبحث شكل آخر من الإبداع، فيه عمق كما فيه متعة التقصي وإثارة الأسئلة، أما الصحافة فمنحتني مساحة للنشر، لكن عملي البحثي كان همي الأول، وهو يمشي في خطين متوازيين، خط القراءة، وخط جمع وتدوين الروايات الشفهية من كبار السن من شعراء خاصة ورواة.

واهتمامي كان وما زال بالروايات الشفهية غير المدونة للشعر النبطي، في الإمارات، أما اللغة الانجليزية فقد فتحت لي نافذة أطل منها على نتاج الاستشراق وكتابات المستشرقين.

وهو جانب آخر من اهتماماتي، حيث صدر لي كتابان في هذا المجال، الأول، «البدو بعيون غربية»، والثاني بعنوان «ذاكرة الصحراء». وكتابي الذي سيصدر قريباً بعنوان «أخلاق وعادات الإماراتيين في كتابات الرحالة الغربيين» يدخل أيضاً في هذا النطاق أي قراءة نقدية لكتابات الرحالة والمصورين المستشرقين.

الذاكرة الشفهية

أنت الوحيد الذي أجرى حوراً مع سعيد بن سالم الكتبي، حدثنا عن تلك التجربة، وماذا قدمت لخزانة التراث الإماراتي؟

كانت تلك أول تجربة لي في مجال تدوين الرواية الشفهية، والمرحوم الوالد سعيد بن سالك الكتبي هو خال سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك (أم الإمارات) رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيسة العليا لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، وقد عشت سنوات بين أهالي منطقة «الهير»، حيث عاش الكتبي، ووثقت للعديد من حكايات كبار السن فيها، سواءً بالكتابة أو بالكاميرا.

وكذلك فعلت في منطقة «الفقع»، فهؤلاء الرجال يسردون التاريخ الحقيقي البعيد والمتقاطع مع ما جاءت في الوثائق البريطانية، وهؤلاء الرجال كانوا الأقرب إلى شخصية المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراهما، والعديد من كبار السن هؤلاء هم شهود عيان ينبغي الإسراع بتدوين شهاداتهم.

اهتمام بالمكان

يقول محمود درويش «بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان»، وأنت من الباحثين الذين اهتموا بالمكان الإمارتي وألف فيه كتب مهمة، إلى أي حد يمكن لقراءة المكان والتوثيق له، المساهمة في حفظ ذاكرة التراث الإماراتي؟

حبي لكتب الجغرافيين العرب والمسلمين، قادني لهذا الاهتمام بالمكان، ولو قرأنا قصائد الشاعر بن ظاهر مثلاً، ستجد وصفاً جغرافياً مفصلاً لحدود دولة الإمارات، ولو نظرنا إلى الشعر النبطي في دولة الإمارات سنجده مليئاً بالإشارات إلى المكان، فيرد ذكر: العرقوب، والطوي، وطرق القوافل، إضافة إلى ذكر العيدان والغافات وغيرها. إذن ألا تكفي هذه الإشارات للاهتمام بتوثيق الأمكنة، خصوصاً لو علمنا أن رسم الحدود بين بعض الدول حديثاً استندت إلى بيت شعر قاله شاعر نبطي.

مشروع توثيقي

يقول الكاتب والبيولوجي البريطاني ريتشارد دوكنز، «الكون مكان في غاية الجمال، وكلما زاد فهمنا له بدا أكثر جمالاً»، برأيك هل المجتمع الإماراتي يفهم المكان الذي ينتمي إليه، ويعرفه جيداً؟

منذ سنوات طويلة كنت أحلم بمشروع أجوب من خلاله جميع مناطق دولة الإمارات لتوثيقها، ووضع نتاج تلك الجولات الميدانية في كتب، مثلما فعل عبد الله فلبي في المملكة العربية السعودية، فأي مجتمع ينبغي أن يفهم المكان الذي ينتمي إليه.

عزف منفرد

ألفت كتاباً بعنوان «التاريخ الشفوي في دولة الإمارات- ضرورة جمعه وتدوينه»، وأصدرت «شعراء ورواة من الإمارات»، كيف تقيّم اهتمام مراكز حفظ التراث والمؤسسات بهذا الجانب، وإلى أي حد تأخر الاهتمام بالتراث الشفوي؟

هذه الكتب أطلقتها صرخة من القلب، وأنا أرى أن كل يوم يمضي يتناقص فيه عدد الرواة والشعراء، وشهود العيان على مرحلة «ما قبل النفط»، ولا يوجد عمل مؤسسي يهتم بهم بشكل حقيقي.

كل يوم تظهر مبادرات لجمع الروايات الشفهية، إلا أنه من خلال تعاملي معها وتعرفي على نواياها، وجدت أن حماية التراث مجرد لافتة لذلك قررت العمل منفردا، ولو اعتمدت على وعود بعض المؤسسات فما كان لي أن أنتج شيئاً للأسف.

 مقاربة حية للتراث

 يتتبع الباحث عمار السنجري بجهد متخصص روايات المستشرقين الذين وثقوا لتاريخ المنطقة، مقدماً بذلك مقاربة حية لمعالجاتهم، ونظرتهم للتراث العربي، فتعددت مؤلفاته في هذا المجال حتى بات اليوم يشتغل على ستة مؤلفات ضخمة في الوقت ذاته. وإذ يجمع السنجري في طاقته عين الصحافي الممارس، وجهد الباحث الدؤوب، وحس الشاعر العالي، إضافة لدراية المتابع الحاذق، فإنه استطاع تقديم مؤلفات متينة ومتفردة أغنت المكتبة العربية والإماراتية، فما قدمه السنجري حتى اليوم من مؤلفات وبحوث يتجاوز العشرة مؤلفات تتنوع بين جمع المرويات، والتوثيق للشعر الشعبي، وتتبع كتب الرحلات والتوثيق للمكان.