يقال في المثل الشعبي «من خلّف ما مات» يعني ذلك أن من ترك خلفاً أي ابناً أو ابنة عقباً له لم يمت، لأن ذكره باقٍ في خلفه وأبنائه. ولكن الأمر قد يختلف عند الشعراء الأفذاذ، بل عند كل من ترك أثراً فكرياً أو وجدانياً أو علمياً يبقى من بعده، وكذلك شاعرنا ابن ظاهر فإن المتتبعين لسيرته يؤكدون أنه لم يترك وراءه خلفاً من أولاده يحفظ ذكره إلا ابنة واحدة لا يعرف لها اسم، ولم يخلدها إلا قصيدة يتيمة لها شهيرة ذائعة الصيت عند أهل الإمارات وبواديها.

وهي قصيدة سائرة على منهج ابن ظاهر في أكثر من سمة من سمات شعر ابن ظاهر فمن عرف شعر ابن ظاهر عرف سماته التي من أبرزها افتتاحه للقصيدة بقوله «يقول الفهيم الماجدي بن ظاهر»، ولقد سارت ابنته على منهجه ذلك بافتتاح قصيدتها بقولها مفتخرة بنفسها؛ تقول فتاة الحي بنت ابن ظاهر..

وهي بذلك تضع نفسها في محل رفيع ليس بفخرها فحسب بنفسها بل تؤكد أنها مفخرة أهلها كذلك لذلك تسمي نفسها «فتاة الحي»، كما يسمي أباها نفسه «الفهيم». أما السمة الثانية التي تأخذها ابنة ابن ظاهر عن أبيها فهي فخرها بالشعر الجيد عامة ووصفها نفسها وشعرها المتميز بقولها:

 إلـى صفـَّـت الشعــرا خـوصٍ مخالف

تنقيــت مــن خــوض القوافي قلوبهـا

تماماً كما يقول أبوها مادحاً شعره المتميز عن شعر سواه:

إلـى خَمِّلــوا بـالـــوزون الخـفـــاف

اخَــمّــل قــمــاشــي بــوزنٍ ثـقـيــل

الحكمة منهجاً

والسمة الثالثة تبنّيها الحكمة الرائع في شعرها كأبيها، وتأكيدها على أنه ليس كل شاعر بقادر على الإتيان بالحكمة والمثل الرائع لذلك قالت «الأمثال ما كل الفهاما هذوبها» وذلك لا شك مسلك أبيها الذي تبعته في الشعر فمن عرف شعر أبيها ابن ظاهر عرف أنه شاعر الأمثال والحكم بلا منافس أليس هو القائل:

قول الفهيم المايدي بن ظاهر

والامثال تسعفني بنايا قصورها

تقول فتاة الْحَيّ بنت بن ظاهــــر

والأمثال ما كِلّ الـفـهـامـا هذوبـهـــا

إلى سفَتْ الشّعراء خوضٍ مضاعف

تنقّيت من خوصْ الخوافي قلــوبــهــا

ناسٍ تجادا والْجدا من عيونــهـــا

وناسٍ تجاد والْجــدا مـن قــلــوبـهـــا

ولي ما يداري في الخطا ما شِيَاتــِهْ

شكا العوق من الاْجـدام والاّكعويهـا

ولي ما يداري وآغف العين صابهـا

غدا بايداويها سِعىَ فـي طـبـوبــهـــا

مُقاربات

وإن ابن ظاهر ظاهرة في الشعر النبطي الإماراتي بل في الجزيرة العربية كلها لو تنبه إليه الدارسون، أعني دارسي الشعر النبطي، فهو من أشهر الشعراء في الإمارات بل يعده الشعراء علم الشعر الإماراتي، ولكنهم برغم ذلك لا يعرفون له اسما غير لقبه «ابن ظاهر»، ولا يعرفون له رسماً غير الذي تخيله الرسامون ولا يعرفون له تاريخ مولد غير ما افترضه أستاذنا حمد بن خليفة بوشهاب من أنه عاصر الدولة اليعربية في أوائل القرن الثاني عشر الهجري.

ولا يعرفون له مكانَ مولد غير ما يستشف من حبه وذكره لبعض مناطق الإمارات كالذيد والخِرّان وسواها، وكل ذلك ترجيحات ومقاربات من المهتمين، وهو أي ابن ظاهر رغم ذلك علم بارز تقرأ له وكأنه يعيش معك فتجد شعره خالداً وأثره واضحاً لا لشيء إلا لأنه شاعر يؤكد شعره أنه ليس بالشاعر الجاهل السطحي، فهو شاعر مثقف يدل على ذلك .

كما يقول حمد بوشهاب أن الدارس لشعر ابن ظاهر يراه قمة لا تُجارى وذروة لا تبارى من حيث خصائص الصياغة اللغوية وحسن السبك وعمق المعاني الغنية المشتملة على ثقافةٍ غزيرة واطلاع واسع.

مكانة متميزة

لذلك كان لزاماً على كل شاعرٍ يرى أن ابن ظاهر قدوة له في الشعر أو أنه على الأقل شاعر جدير بمكانة مرموقة متميزة أن يسعى ليبلغ مبلغه ليس بالتقليد والمحاكاة، ولكن بطلب العلم والمعرفة وسعة الثقافة وكثرة التذوق لأجمل الشعر وأجزلِهِ وأجدرِهِ بالاطلاع والحفظ فيكتب شعراً يقال عنه كما قال ابن ظاهر عن شعره:

 جدادٍ طوريها مع فاهم المــــلا

وهي يوم مبناهـا جـدامٍ عــصــورهــا

مثايل وتتلاها الملا في الرسايل

إلى الحشر ما تفنـا قرايا ســطــورهــــا

لعل بها من عقبنا يذكرونّــــا

نواسي الخلا من بعد ماضي هجورهــا