بعد أكثر من خمسين عاماً من العطاء والعمل الدؤوب، أمضى جلها في العمل الثقافي، متنقلاً من التأسيس للمسرح الإماراتي في سبعينات القرن الماضي، وتكوين المراكز الثقافية، إلى العمل في جمع التراث والتوثيق له، يعكف الباحث عبيد صندل هذه الأيام على توثيق ألعاب تراثية ذهنية قديمة، يعيد إحياءها ضمن نطاق عمله في إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.

ومن خلال اشتغاله على الموروث يرى صندل أن القصيدة الشعبية خزان التراث الشفوي، فبعد أن قدم لمكتبة التراث الشعبي ستة مؤلفات، أمضى فيها سنوات طويلة من عمره، وهو يوثق الأمثال الشعبية، والحكايات، والأهازيج، والألعاب، يحضر هذه الأيام إلى إعادة طباعة بعض مؤلفاته، وتقديم مؤلف جديد حول الألعاب الشعبية الذهنية، التي اندثرت ولم تعد موجودة في الثقافة الإماراتية.

في الحوار التالي يكشف عن كنوز التراث المحلي فإلى التفاصيل: 

ما الذي يعكف عليه عبيد صندل هذه الأيام؟

بحثت طويلاً في التراث الإماراتي عبر مراجع وشخصيات كبيرة في السن، للكشف عن بعض الألعاب الذهنية القديمة، التي كان المجتمع الإماراتي يلعبها قديماً، لشحذ مواهب الطاقات الشابة، وتدريبه ذهنياً على حل الألغاز، والتفكير بمنطقية عالية، وهذا الجهد سيتم عرضه ضمن مهرجان الشارقة للتراث الإماراتي، وكذلك سأعمل على توثيقه في مؤلف كي لا يغيب عن ذاكرة الإماراتيين.

ومن الألعاب التي سيعاد تقديمها، لعبة «الدامة» التي تحتاج في لعبها إلى عدد من الأشخاص، وتحتاج إلى جهد في ممارستها، وهي واحدة من الألعاب التي أعادت بعض الدول الخليجية إحياءها، وأسست لها نواد خاصة، مثل قطر، والبحرين.

جهود الباحثين

كيف تقيّم جهود الباحثين والمراكز التراثية هذه الأيام في سعيها لخدمة التراث؟

أن غالبها يظهر بشكل فردي، من دون دعم مؤسسي، يجعل من الجهد ذات قيمة أكبر، ويقدمها ضمن سلسة جهود ومبادرات تكثف العمل، وتجعله أكثر جدوى، إذ إن الكثير من الباحثين اليوم يقدمون بحوثهم على نفقاتهم الخاصة، ولا توجد مؤسسات أو مراكز ترعى جهودهم أو تسوق مؤلفاتهم، أو حتى تقدم لهم فرقاً بحثية ميدانية لإعانتهم على مشاريعهم المهمة.

والمراكز التي تقدم الدعم للمهتمين بالتراث تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، فعلى سبيل المثال، آخذ نفسي مثالاً لشريحة ليست قليلة من الباحثين التراثيين، قمت بطباعة مؤلفاتي على نفقتي الخاصة باستثناء مؤلف واحد طبع بدعم من أحد المراكز التراثية، وقمت بتسويقها كذلك بجهدي الفردي، الذي مهما بلغ من حجم لن يوازي جهد مؤسسة كاملة.

إلى أي مدى يمكن للمؤسسات التراثية اليوم أن تسهم في إعادة التراث إلى أذهان الأجيال الجديدة؟

أعتقد أنه كلما تقدم الزمن، وكلما مرت السنوات، يصبح الجهد أصعب، إذ الحياة العصرية تأخذ المجتمع، وتبعده أكثر عن ثقافته، وهذا بالتالي يجعل جهود المؤسسات، والأفراد أكبر، وربما يتطلب المضاعفة، ليستطيع مواجهة أنماط الحياة المعاصرة التي يعيشها المجتمع الإماراتي ضمن منظومة كاملة توحد الثقافات ولا تخلق بينها أي امتداد أصيل.

وأجزم أن أكثر الخطوات المهمة والمجدية التي يجب أن يتم اتخاذها في ظل هذه المتغيرات، أن يوضع التراث الإماراتي ضمن مناهج التربية والتعليم، ليكونوا الطلاب على اتصال مباشر بالتراث، من خلال تواصل تقديمه في مراحلهم التعليمية.

وبرأيي التأصيل للتراث لا يتنافى مع مواكبة متغيرات العصر، بل يتوازى معها، ويسير معها خطوة تلو أخرى، وإلا تشكلت هوة حضارية لا يمكن ردمها.

دور الإعلام

كيف تقيّم جهد وسائل الإعلام المحلية، ودورها في الحفاظ على التراث؟

لوسائل الإعلام اليوم دور غاية في الأهمية والخطورة في آن، إذ يجب أن تعي أن حملاً كبيراً من حماية التراث ينصب على عاتقها بوصفها الوسيط المباشر بين التراث والثقافة الشعبية بأشكالها كافة، وبين الجمهور المتمثل بالشرائح الشابة، فإن كانت وسائل الإعلام على وعي بهذا الدور برزت متغيرات جوهرية في حركة حفظ التراث.

لكن مع الأسف، إعلامنا المحلي لليوم يحتاج إلى توعية أكبر، وإلى اشتغال بحرفية أكبر في تقديم التراث، فمن خلال القنوات التلفزيونية مررت وتمرر الكثير من المغالطات حول التراث الإماراتي، ومن خلالها أيضاً يتم حصر التراث بمفردات ضيقة لأشكال الثقافة الشعبية الإماراتية.

رغم ذلك لا يمكن إنكار جهود العديد من الفضائيات التي تسعى بكل الوسائل إلى تعزيز الهوية، وتقديم التراث بصورته الأصيلة والمتوازية مع متغيرات العصر.

 

دور القصيدة

برأيك ما هو دور القصيدة الشعبية في نقل التراث إلى الأجيال، والحفاظ على حضوره؟

القصيدة الشعبية خزان تراثي شفوي سمعي كامل، ينبغي التنبه لدوره وقدرته على نقل التراث، وحمايته، فمن خلال القصائد الشعبية، تنكشف أنماط العيش السابقة، والكثير من الحكايات الشعبية، والقيم، والألفاظ، التي تكشف اللهجة وغيرها، وهذا بحد ذاته جزء أصيل من مهمات حماية التراث.

كما أن القصيدة الشعبية تلقى قبولاً لدى الأجيال الجديدة، وذلك من خلال تناقلها مغناة من قبل أصوات مهمة في المشهد الغنائي العربي، والخليجي، وهذا الأمر يجعل فاعليتها أكبر، ويزيد من قدرتها على حمل التراث، وتقديم الشفوي منه، والذي هو الأكثر عرضة للضياع، والفقد.

تراث شفوي

أشرت إلى أن التراث الشفوي هو الأكثر عرضة للضياع والفقد، برأيك كيف يمكن حفظ هذا الشكل من التراث، وإلى أي حد تنبه الباحثون والمراكز لهذه القضية؟

التراث الشفوي المنقول سمعياً، هو الأكثر عرضة للفقد لأنه يعيش طالما هناك من يحفظه ويردده، وبالتالي حالما يُفقد حافظ هذا الموروث، يُفقد الموروث نفسه، لذلك الجهود في حفظه تتمثل في البحث عن كبار السن الذي يحفظون الحكايات والأمثال والأهازيج، والعمل على تسجيل ما يحفظونه سمعياً وأرشفته وبالتالي حفظه من الاندثار.