كَمْ ذَا أُكَابِدُ يا عَيْنَيَّ مِنْ سَهَرِ

مِنْ فَيْضِ مَا قَدْ غَدَا بِالنَّفْسِ مِنْ ضَجَرِ

مِنْ جَذْوَةِ الْعِشْقِ مِنْ آلامِ طَارِقَةٍ

مِنَ الْهُمُومِ الَّتِي ظَلَّتْ وَلِمْ تَطِرِ

قَدْ أوْقَدَتْ فِي سُوَيْدَا الْقَلْبِ لاَفِحَهَا

فَانْهَلَّ فِيهِ حَنِينٌ فَاضَ كَالمَطَرِ

دَمْعُ الْمَحَبَّةِ قَانٍ سَالَ مِنْ وَلَهٍ

مِنْ فَرْطِ مَا عَنَّ مِنْ ذِكْرَى الصِّبَا النَّضِرِ

أشْتَاقُهُ كَاشْتِيَاقِ الرُّوضِ مَا طِرَهُ

أوْ شَوْقِ أمٍّ لإبْنٍ ضَاعَ فِي الصِّغَرِ

أُنَاظِرُ الأَمْسَ شُطْآنَاً يَلُوذُ بِهَا

سرْبُ الطُّيُورِ الَّتِي تَدْنُو عَلَى حَذَرِ

تَحُومُ فِي الأفْقِ فَوْقَ السِّيفِ (1) نَاظِرَةً

إلىَ الصِّغَارِ الأُلىَ أبْهَى مِنَ الصُّوَرِ

يُسَابِقُونَ الْمَدَى يَجْرُونَ فِي لَهَفٍ

وَيَنْثُرُونَ الصَّدَى أحْلَى مِنَ الوَترِ

أرْنُو لَهُمْ وَالْمُنَى شَوْقٌ أكَابِدُهُ

أضْحَى يُغَالِبُنِي فِي زَحْمَةِ الْفِكَرِ

وَالرِّيحُ تَهْتِفُ فِي الأرْجَاءِ عَاصِفَةً

تَنْفِي عَنِ النَّفْسِ أوْضَاعَاً مِنَ الْكَدَرِ

وَمَدْخَلُ الْخَوْرِ (2) فِيهِ السُّفْنُ سَارِحَةٌ

فِي مَشْهَدٍ آسِرٍ مِنْ فِتْنَةِ النَّظَرِ

وَالْبَحْرُ يَسْحَرُ مِنْ وَشْيِ الأصِيلِ بِهِ

وفي الْمَدَى الشَّمْسُ تَكْسُو الأفْقَ بِالدُّرَرِ

وَنَوْرَسُ الْبَحْرِ فَوْقَ الْمَوْجِ مَرْتَعُهُ

يَرْتَادُهُ سَاحَةً مِنْ طَلْعَةِ السَّحَرِ

وَالنَّفْسُ تَرْفُلُ فِي ثَوْبِ الْجَمَالِ بِهَا

مِنْ حُسْنِهِ وَطَرٌ يَعْلُو عَلَى الْوَطَرِ

يَا دَيرَةَ الْحُبِّ يَا أفْيَا مُعَطَّرَةً

تَهْمِيكَ شَهْدَ الْمُنَى مِنْ نَافِحٍ عَطِرِ

يَا دَيرَةَ (3) الأهْلِ وَالأحْبَابِ مَا فَتِئَتْ

كَالطَّيْرِ يَعْزِفُ ألْحَانَاً عَلَى الشَّجَرِ

يَا دَيرَةَ الْعِشْقِ يَا ظَبْيَاً يُشَاغِلُنِي

مُنْذُ اليَفَاعَةِ حَتَّى الْيَوْمَ فِي الكِبَرِ

أنْتِ الَّتِي فِي حَنَايَا الْقَلْبِ مَسْكَنُهَا

تَرْعَى رِيَاضَ الْهَوَى مِنْ مَيْعَةِ الْعُمُرِ

أفْدِيكِ فَاتِنَةً ذَوْبُ الْحَلاَةِ بِهَا

تَبْدُو لِنَاظِرِهَا مِنْ هَالَةِ الْقَمَرِ

يَا نَبْضَ قَلْبِي وَيَا وَجْدَاً أهِيمُ بِهَا

وَسْنَى الْعُيُونِ الَّتِي تَمْتَازُ بِالْحَوَرِ

يَا دَيرَةَ الْخِيْرِ يَا هَمِّي وَيَا وَجَعِي

طُولَ اللَّيَالِي وَمِلءَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ

هَلْ تَذْكُرِينَ صِغَارَاً يَرْكُضُونَ عَلَى

رِمَالكِ الْبِيضِ فِي لَيْلٍ مِنَ السَّمَرِ

وَالْبَدْرُ يَرْسِلُ فَيْضَاً مِنْ أشِعَّتِهِ

وَالنَّاسُ مِنْ نَشْوَةٍ مِنْهُ لَفِي سُكُرِ

هَلْ تّذْكُرِينَ صِغَارَاً صَاحَ قَائِدُهُمْ

يَحْدُو بــ (يُورِيدَ)(4) فَانْسَابُوا عَلَى الأثَرِ

بَيْنَ السِّكِيكِ(5) سَوَادُ اللَّيْلِ يَحْضُنُهُمْ

وَالرِّجْلُ حَافِيَةٌ تُدْمَى مِنَ الْحَجَرِ

هَلْ تَذْكُرِينَ الْمَرَاكِيبَ(6) الَّتِي انْطَلَقَتْ

مِنْ غَالَّةِ الرَّاسِ(7) بَيْنَ اللَّعْبِ وَالْخَطَرِ

أمْ تَذْكُرِينَ مَعَاضِي(8) الصَّيْدِ نَنْصُبُهَا

لِلطَّيْرِ نَصْطَادُهُ فِي مَشْهَدٍ غَدِرِ

حَتَّى إذَا مَا دَنَى يَنْوِي لِمَأْكَلةٍ

صِدْنَاهُ فِي خِدْعَةٍ مِنْ مَاكِرٍ حَذِرِ

طِرْنَا بِهِ لَهْفَةً نَشْدُو بِخِطَّتِنا

فِي مَوْكِبٍ نَشِطٍ يَنْدَى بِذَا الظَّفَرِ

إنْ زَمْجَرَ الْبَحْرُ فِي لَيْلٍ تَرَاهُ بِهِ

نَذيرَ شُؤْمٍ أتَى بَالْهَمِّ وَالضَّرَرِ

يَطْمِي السِّكِيكَ وَيَطْمِي الدُّورَ كَامِلةً

حَتَّى تَرَى الْمَاءَ في الأحْيَاءِ كَالْغُدُرِ

وَشَمْأَلُ(9) الرِّيح طَوْفَانٌ وَقَاصِفَةٌ

تَنُوحُ كَالنَّايِ يَسْرِي فِي الفَضَا القََفَرِ

وَالْبَحْرُ هَائِجُ والأَمْوَاجُ طَاغِيَةٌ

وَالنَّاسُ مِنْ ذُهُلٌ مِنْهُ لَفِي خَطَرِ

أيْنَ اللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تُسَامِرُنَا

فِي هَدْأةِ الصَّيْفِ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْخَفَرِ

بَرَاحَةُ(10) الْقَيْظِ حَيْثُ الْحُسْنُ مَنْبَتُهُ

وَالنَّخْلُ بَاسِقَةٌ مِنْ زَاهِرِ الثَّمَرِ

يَا دُرَّةَ الْبَحْرِ تَسْبِي الْعَيْنَ مِنْ ألَقٍ

يَخْتَالُ بِالنَّفْسِ تَيَّاهَاً عَلَى الْعُصُرِ

أنْتِ السَّنَا وَالْهَنَا وَالْحُسْنُ قَاطِبَةً

مِثْلُ الْعَرُوسِ الَّتِي تَزْهُو عَلَى السُّرُرِ

فَيْنَانَةٌ بِالنَّدَى فِي الصُّبْحِ فَاتِنَةٌ

شِبْهُ الْعِيُونِ الَّتِي تَبْدُو عَلَى خَدَرِ

أفْدِيكِ يَا دُرَّةً مَهْوَى الْجَمَالِ بِهَا

غَنَّى بِك الطَّيْرُ يَا أيْقُونَةَ السَّحَرِ

يَا زَهْرةً فِي شِغَافِ الرُّوحِ مَسْكَنُهَاْ

تَنَامُ وَادِعَةً فِي الْقَلْبِ وَالنَّظَرِ

تَغْفُو بِقَلْبِي كَمَا يَغْفُو الصَّغِيرُ عَلَى

أحْضَانِ وَالِدَةٍ في لَيْلَةِ السَّفَرِ

يَا نَفْحَةَ الْبَانِ وَالرَّيْحَانِ عَابِقَةً

تَنْسَابُ هَادِئَةً في أنْصَعِ الصُّوَرِ

رِزْقُ الْأنَامِ بِهَا أَضْحَى بِذِي دِعَةٍ

فَمَنْ يَرَاهَا يَرَ الإنْسَانَ في يُسُرِ

أهْوَاكِ يَا نَخْلَةً في الدَّوْحِ بَاسِقَةً

يُجْنَى جَنَى خَيْرهَا مِنْ يَانِعِ الثَّمَرِ

أوْ أنَّهَا فِي رُبَا الأفْكَارِ صَائِبَةٌ

تَرْمِي سِهَامَ الْمُنَى في زَحْمَةِ الْفِكَرِ

لِلّهِ يَا دَيرَةٌ غَابَ الشَّبِيهُ لَهَا

فَرِيدَةٌ فِي مَعَانِي اللُّطْفِ وَالْخَفَرِ

كَمْ ذَا أرَى الْحُسْنَ فِي أجْفَانِ سَاحِرَةٍ

تَسْبِي الشُّعُورَ وَتَسْبِي اللُّبَّ بِالْحَوَرِ

فإنَّهَا دُرَّةٌ كَالنُّورِ لامِعَةٌ

تُضِيءُ أفْقَ الْمَدَى فِي السَّهْلِ وَالْوَعَرِ

وَيَا مَقَرَّ الْمُنَى في كُلِّ نَاحِيَةٍ

تَهْمِي عَلَيْك غُيُوثُ الْخَيْرِ كَالْمَطَرِ

تَبْدُو لِعَيْنِيَ كَالْبُسْتَانِ وَارفَةً

وَحَرُّهَا كَلَطِيِفِ الْجَوِّ في السَّحَرِ

يَا غَادَةَ الْحُسْنِ يَا عَيْنَ الزَّمَانِ غَدَتْ

كَهَالَةِ الْبَدْرِ يَا بَرَّاقَةَ الصُّوَرِ

أُهْدِيكِ نَبْضَ فُؤادٍ ذَابَ مِنْ وَلَهٍ

آهَاتُهُ مِلْءُ سَمْعِ النَّاسِ وَالْبَصَرِ

قَدْ هَامَ فِيكِ مُحِبَّاً ضَنَّ سَامِرُهُ

فَصَارَ فِي عَقْلِهِ شَيْءٌ مِنَ السُّكُرِ

مَا قُلْتُهُ فِيكِ كَالْفَجْرِ النَّدِيِّ زَهَتْ

أنْوَارُهُ فِي جَبينِ الْوَقْتِ كَالْغُرَرِ

تَاجٌ عَلَى الرَّأسِ فِي الدُّنْيَا أتِيهُ بِهِ

مِثْلُ النُّجُومِ الَّتِي فِي الَّليْلِ كَالدُّرَرِ

أشْدُو بِهَا صَادِقَاً شعْراً يُجَاذِبُنِي

نَبْضَ الشُّعُورِ الَّذِي يَنْهَلُّ كَالْمَطرِ

يَا رَاحَة الْقَلْبِ حِينَ الْقَوْل فَاضَ بِهِ

كَالْعَذْبِ يَهْمِي الْمَدَى فِي وَاسِع القَفَرِ

يَا رَاحَةً فِي ثَنَايَا اللَّيْلِ إذْ عَبَقَتْ

ذِكرَاكِ فِيهِ يَمُوجُ الْقَلْبُ مِنْ وَطَرِ

أيْنَ السِّكِيكُ الَّتِي عَاصَرْتُهَا زَمَنَاً

رَكَضْتُ فِيهَا كَنَحْلٍ جَالَ فِي الزَّهَرِ

أَيْنَ الْبُيُوتُ الَّتِي زَالَتْ مَعَالِمُهَا

لَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى سَطْرٍ مِنَ الأثَرِ

أيْنَ الطُّيُورُ الَّتِي مَا عَادَ يَجْذُبُهَا

صَوْتُ الصِّغَارِ وَهَمْسُ الْمَوْجِ فِي السَّحَرِ

وَأيْنَ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ مُعَلِّمَتِي

ذِكْرَى بَقَتْ حَيَّةً كَالنَّقْشِ فِي الحَجَرِ

أعِيشُهَا سِيَرةً فِي الْقَلْبِ نَابِضَةً

تَتْلُو عَلَى أُذُنِي آيَاً مِنَ السُّوَرِ

كَمْ ذَا أُعَايِنُهَا تَهْوِي بِدُرَّتِهَا

طَيْفٌ سَرَى عَابِقَاً مِنْ بَاقَةِ الصِّغَرِ

وَأيْنَ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تُعَانِقُنِي(11)

يَا نَفْحَ عِطْرٍ أتَى مِنْ غَيْهَبِ السَّفَرِ

فَاتَ الزَّمَانُ وَلَكِنْ قَدْ وَقَفتِ بِهِ

كَأنَّ مَا قَدْ مَضَى بَاقٍ وَلَمْ يَسِرِ

أهْواكِ يَا دَارَةً تَاهَ الزَّمَانُ بِهَا

أهْوَى الشِّرَاعَ الَّذِي قَدْ غَابَ عَنْ بَصَرِي

أهْوَى الشَّوَاطِي الَّتِي كَانَتْ مَلاعِبَنَا

بِجَانِبِ الْبَحْرِ فَوْقَ الرَّمْلِ وَالمَدَرِ

أهْوَى السَّفِينَ الَّتِي فِي البَحْرِ مَاخِرَةً

عُبَابَ عَاصِفَةٍ هَوْجَاءَ لَمْ تَذَرِ

أهْوَى الطُّيُورَ الَّتِي فِي الْجَوِّ طَائِرَةً

تَجُوبُ أفْيَاءَهُ فِي الْحِلِّ وَالسَفَرِ

ألْوَانُهَا كَبَيَاضِ الْحُبِّ صَافِيَةٌ

مَا بَيْنَ مُنْطَلِقٍ مِنْهَا وَمُنْحَدِرِ

أُشَاهِدُ الْبَحْرَ فِي مَرْمَى الْمَدى لُغَةً

تَحْكِي الْجَمَالَ الَّذِي فِي الْمَدِّ والْجَزَرِ

يَا نَبْضَ وَجْدٍ غَدَا فِي الْقَلْبِ مُتَّقِدَاً

كَلاَهِبٍ فِي شِغَافِ الرُّوحِ مُسْتَعِرِ

أهْوَاكِ يَا دَيرَتِي الْغَرَّاءَ يَا نَسَقَاً

مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي فَاقَتْ عَلَى الدُّرَرِ

أهْوَى الظُّرُوفَ الَّتِي كَانَتْ مُعَاصِرَةً

فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رَغْم الْجُهْدِ والسَّهَرِ

مَاذَا أُعَدِّدُ فِيكِ الْيَوْمَ يَا حُلُمِي

عَانَقْتُ فِيكِ الْمُنَى مِنْ يَافِعِ الْعُمُرِ

قَدْ قُلْتُ فِيكِ الَّذِي قَدْ قُلْتُ مِنْ صُدُقٍ

لاَ لَمْ أبَالِغْ بِمَا سَطَّرْتُ مِنْ خَبَرِ

 

هوامش

1- السيف ... شاطئ البحر

2- الخور ... خور دبي

3- ديره ... هي منطقة ديره

4- يوريد ... لعبة ليلية كنا نلعبها صغاراً

5- السكيك ... جمع سكة وهي الدروب الضيقة بين البيوت

6- مراكيب ... جمع مركوبي وهي سفن صغيرة نصنعها من الصفيح لشخص أو شخصين نوعل بها في البحر

7- غالة الراس ... هي جزء محجوز من الخور جانب سوق السمك بديره كان مرسى للسفن الصغيرة والمتوسطة تدخل إليها مياه البحر حالة المد من جانب ملاصق للخور

8- معاضي الصيد ... هي سنارة نصنعها من الأسلاك الرفيعة لصيد الطيور

9- شمأل الريح ... هي ريح الشمال

10- البراحة ... هي مناطق التصييف تقع على مشارف مناطق السكن

11- كانت تعانقني ... أقصد بها والدتي رحمها الله تعالى