يمتلك أكثر من 85٪ من الناس في بريطانيا هواتف نقالة، بحسب الإحصائيات الحكومية، والأمر لا يختلف عن دول كثيراً، على امتداد باقي دول العالم، حتى الفقيرة منها، إذ أصبح الهاتف النقال من ضروريات الحياة، لكن أجراس الخطر تقرع حياله، منذ أمد، بدعوى أنه تصدر عنه إشعاعات، من الممكن أن تسبب أمراضاً خطيرة، وربما قاتلة، منها السرطان.
في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة يؤمن العديد من المسؤولين بهذا، حتى إنها أصبحت أول مدينة أميركية تجبر محال بيع الهواتف النقالة على أن يبرزوا المعلومات المتعلقة بالأشعة، التي تصدر عن الهواتف النقالة المختلفة، أمام الزبائن، وترك الخيار لهم فيما يتعلق بالشراء من عدمه، كما يحدث في الإعلانات التحذيرية، التي تضاف لعلب السجائر، غير أن قرار المدينة هذا صدر دون وجود أية تأكيدات طبية على أن تلك الهواتف تؤثر بالفعل على الصحة.
ويرى الباحثون الفيزيائيون أن استخدام الهواتف النقالة لا يمكن أن يضر الدماغ، لأن الإشعاعات الصادرة عنها لا تسبب التأين، صحيح أنها ترفع درجة حرارة الأغشية المحيطة بالدماغ، لكن الموجات القصيرة لأشعة الهاتف النقال لا تستطيع أن تُكسّر الحمض النووي، وهو الأمر الذي يبدأ به الورم السرطاني.
وقد رصدت منظمة الصحة العالمية مبلغ 30 مليون دولار خصيصاً لصالح دراسة تهدف إلى الوصول إلى نتيجة حاسمة في هذا الشأن، لكن ذلك لم يتحقق، فنتائج الدراسة، التي صدرت في مايو الماضي، أثارت إحباط الكثيرين، لأنها لم تستطع الجزم بخطر الهاتف النقال، من عدمه، على الصحة العامة، وأتت بنتيجة لخصتها إليزابيث غارديس، المسؤولة عن الدراسة بالقول إنه: «لم يثبت خطر الهاتف النقال على الدماغ، كما لم تثبت، في الوقت نفسه، عدم خطورته».
من الصعوبات التي واجهها الخبراء والباحثون في مجال البحث في خطورة الهواتف النقالة على الصحة، هو أن انتشارها حديث نسبياً، وخاصة أن التأثيرات التي قد يتعرض لها الدماغ تحتاج إلى فترة طويلة من الزمن حتى تظهر، لهذا لا توجد العديد من الحالات للربط بينها، كما يتم في مسائل أخرى كثيرة، تماماً كما هي الحال لدى المدخنين، فلو قام الباحثون بإجراء دراسة على مضار التدخين على مجموعة من المدخنين يدخنون لعشر سنوات فقط، فلا يعقل أن يجزموا حينها أن التدخين لا يؤدي بالضرورة إلى سرطان الرئة.
وتعتزم دراسة أخرى انطلقت، أخيراً، النظر في أضرار الهواتف النقالة على المدى البعيد، حيث ستقوم الدراسة، والتي تدعى « كوهورت»، بمتابعة الحالة الصحية لـ 250 ألف إنسان، في بريطانيا وفنلندا والدنمرك والسويد وهولندا. وفي بريطانيا، دعت جامعة «إمبيريال كوليج» مزودي الخدمة هناك لاختيار مستخدمين بشكل عشوائي وإرسال رسائل دعوة لهم ليكونوا جزءاً من الدراسة، وتأمل الجامعة أن يشارك 90 إلى 100 ألف من أولئك المتطوعين، وستركز الدراسة جهودها على النظر في أمراض السرطان والأمراض الدماغية، مثل الزهايمر والجلطات، والأهم من كل هذا أنها ستتابع أولئك المتطوعين على امتداد فترة طويلة من الزمن.
الخبر السيئ هو أن العالم سيضطر للانتظار 20 إلى 30 عاماً حتى يحصل على نتائج حاسمة بهذا الخصوص، ولن يكون بمقدورنا، خلال تلك الفترة، أن نجزم بأن الهاتف النقال يتسبب بالأمراض السرطانية لمستخدمه.
إذاً هل يمكننا القول إن سان فرانسيسكو أخطأت عندما أجبرت المحال على وضع كافة المعلومات المتعلقة بالإشعاع الصادر عن الهاتف النقال، أمام نظر الزبائن؟ في الحقيقة فإن من غير المتوقع أن تؤثر كتابة المستوى الإشعاعي للجهاز على أولئك المستهلكين، في ظل عدم وجود دراسة حاسمة تؤكد خطر تلك الأجهزة على صحة مستخدميها.
