يظلُّ المكان شاهداً على قصة أو حادثة معينة، ويظلُّ مصدراً يؤرِّخ لأمم وحضارات طالما تَغنَّى به الشعراء وألَّف الكُتَّاب مدحاً في زوياه وخفاياه إذ يبقى حاضنا لتلك الأحداث وموئلاً للباحثين عن تحقيق مآربهم المجتمعية بما تحمل من ألوانٍ ثقافية وسياسية تزدان بالشعارات وتعلو سماءَها أعلامٌ ترفرف على وقع الصيحات المنادية بالتغيير أو الإصلاح، أو حرية تعبيرٍ بعيدة عن لغة الخشب ومنطق يوحي بخدش الحياء والأدب.
فلا تزال الساحات مهدَ الثورات وشاهدةً عليها تحمل كلُّ بقعة منها حكاية إنسان تسمَّر فيها ابتغاء حرية أو رد اعتبار. وميدانُ التحرير ليس ببعيد عن تلك المآثر التي شهدتها ثورة مصر، فقد شهد هذا الميدان والذي قبله في شوارع بورقيبة المؤدي إلى «قصبة» تونس تاريخا ثوريا أصبحت الساحات جزءا منه أبت إلا أن تزحف في ثباتها إلى مواقع أخرى على غرار ميدان التغيير رافعة أسهمها لتعلو بكعبها من البُعد المكاني إلى البُعد السياسي حاضنة أروع المآثر وأشرف الشعارات في حركة دؤوبة لذلك الميدان الذي يجمع بين ثبات المكان وتغيُّر الأحداث، فما أبلغَه من لغز!
أفردت «الحواس الخمس» بعضاً من تلك الميادين والساحات عبر العالم لتكون خير شاهد على تحوُّل جذري انتهى بانتهاء رجل أو منظومة سياسية لتتفوَّق على باقي الأماكن العامة في كونها حاملةً عبق الحرية الملونة بدم الباعثين فيها روحَ الصمود معلنةً انتصارها أمام العابثين فيها بصنوف التقهقر والركود.
ضرورة عمرانية ومقاصد ثقافية
وقبل الخوض في تفاصيل تلك الثورات التي كتبت تاريخا جديدا لابد من التعريج على الوضع الطبيعي للساحة أو الميدان أو الدوار في الهندسة المعمارية، حيث يعتبر حيزا جغرافيا محددا داخل المدينة يكون نقطة التقاء للعديد من الطرق. ولعل وجود المباني الرئيسية حوله كمقر حكومة المدينة كالتي في أندونيسيا مثلا يزيد من خطورة موقعه ويجعله إضافة إلى اتساعه مقصدا للثوار، حيث إن السيطرة عليه تعني إصابة المدينة بالشلل وزيادة الضغط على الحكومات.
في حين تحيط بتلك الساحات المدينة التقليدية المتألفة من منتزهات وأسواق صغيرة وغالبا ما تكون الميادين مساحات مفتوحة يمكن إقامة الاحتفالات الموسيقية أو الأسواق المفتوحة فيها، كما يمكن القيام بالاجتماعات والنشاطات السياسية وإحياء المناسبات بها. كما تحتوي عادة على نافورة أو تمثال أو نصب تذكاري كبير في منتصفها.
ويبدو أن هذه الميادين تحولت إلى خصوصية ثقافية واجتماعية فضلا أنها كانت خصوصية حضارية وضرورة عمرانية للطرق، ولعل ميادين إيطاليا خير شاهد على ذلك فإنها تجتذب سنويا القدْرَ الكبير من السياح باعتبارها متحفا مفتوحا للأشياء المعروضة، يرتادها الناس من كل بقاع العالم ليس للتسوق بقدر مشاهدة تلك التحف التي تزيِّن جنبات تلك الميادين.
بينما تعبِّر الميادين الإسبانية عن أوبرا فنية تستهوي عازفي الموسيقى للالتقاء فيها وعزف أحلى السيمفونيات بعد أن كانت مكاناً يستسقي فيه الناس من بئر تتوسط تلك الميادين أو محل نُصُب تذكاري لبطل أو زعيم أو شهيد.
ساحة لندن مقصد سياحي
وإذا رجعنا إلى الوراء فإن بريطانيا تتحفنا بكثير من الأبعاد الثقافية والسياحية التي تتجسد في ميدان بيكاديللي الذي بني عام 1819 لربط شارع ريجنت المطل بتاريخه العريق على ويست إند في ويستمنستر، فقد بات هذا الميدان من أهم مقاصد السياح وسكان لندن على حد سواء مع ما يضمه من أماكن للترفيه ومحلات تجارية وأسواق وسينما ومسارح ومطاعم وأسواق ومقاهٍ وكأني به يقول أنا الذي أوقِّع على صكِّ السياح والروَّاد والمتسوِّقين من خلال هذا الموقع الذي احتضن فيه مآربكم.
تاريخ يحكي
وفي خضَّم الحديث عن تلك الميادين لابد من تأريخها على شاكلة الأحداث وسير الرجال، فقد روي عن جوزيف سميث الذي يعتبر الأب الروحي لطائفة المورمون الأميركية، والذي يعود إليه الفضل في تخطيط نشر فكرة الإكثار من إقامة الميادين في الولايات المتحدة إذ قال إن الميدان فكرة تعود إلى النبي موسى الذي أراد أن يجمع قبائل بني إسرائيل في مكان واحد ليتعارفوا، لتتطور بعد ذلك في عهود الإغريق والرومان إلى مكان يجتمع فيه الحكام والشعوب يودِّعون الجيوش عند خروجها للقتال في الميدان الفسيح ..
ويستقبلونها بالاحتفالات وهالات النصر عند عودتهم منتصرين، بينما كانت بعض الثقافات الأخرى على غرار فرنسا وإنجلترا تجعله مكاناً لترهيب الشعوب فأقاموا فيها المشانق والمقاصل أو خصصوا فيها أياما لجلد المواطنين ورجمهم وتعذيبهم.
إذا كان المؤرخون يسترسلون في الحديث عن الواقع الميداني عمرانيا وجغرافيا ذي الأبعاد التجارية والثقافية والسياحية فإن عامل السياسة لم يتوفر عندهم بالقدر الذي شهدته ميادين اليوم في عملية سريعة رسخ فكرة احتضان الثورات التي تجسدت في شيء مادي من خلال الصورة عبر التجمهر في الساحات والاعتصام فيها بعد أن كانت تتميز بالطابع المعنوي لتفجر انتصارات الشعوب التي كانت على استعداد لتضحي بالغالي والنفيس متخذة الساحات والميادين الواجهة الحضارية لها.
ميادين تونس تؤصِّل للثورة العربية الحديثة
تعد تونس أول من أصَّل لكلمة الثورة عربياً بعد الاستقلال وكانت ميادينها شاهدة على هذا التحول الكبير في المسار السياسي والاجتماعي للبلاد فلا يزال شارع بورقيبة وساحة القصبة يمثل الذاكرة الثورية للشعوب العربية من خلال احتضانها للشباب والشابات والرجال والنساء متوحدين تحت لواء واحد اسمه ثورة الكرامة أو ثورة الأحرار انطلقت في 18 ديسمبر 2010 بعد أن أقدم الشاب محمد البوعزيزي إلى إحراق نفسه يوم 17 من الشهر نفسه لتولد الثورات العربية.
وقد أخذت المظاهرات طابع الاحتجاج في البداية ضد الظلم والإقصاء والبطالة والتهميش، ثم انتهت بالدعوة إلى إسقاط الحكومة ورحيل النظام، وسط حالة شديدة من القمع وقتل المتظاهرين من قبل قوات الشرطة والأمن، وحياد من طرف عناصر الجيش. ومع اشتداد القمع لجأ المحتجون الثائرون إلى إضرام النار في عدد من مراكز الشرطة ومقار الحزب الدستوري الحاكم، وباعتصامات في الساحات العامة على غرار القصبة دفعت زين العابدين بن علي إلى الرحيل في 14 يناير 2011 م.
التحرير ميدان له من اسمه نصيب
ولم تلبث مصر أن عزفت على إيقاع ثورة الأحرار التونسيين ليظهر ميدان التحرير في فسيفساء يعبِّر عن ذلك الثراء الثقافي الذي تزخر به مصر ليدشن أبناؤها الثورة المصرية بعد أن أصَّلها أبناء الخضراء ليكون ميدان التحرير موعدا للتاريخ حيث يعد هذا الميدان (الواقع في قلب القاهرة) واحدا من أقدم ميادينها وشاهدا على ثورانها.
في أواخر القرن 19 كان يطلق عليه اسم منطقة (باريس على طول نهر النيل) لتبنيه روح الهندسة المعمارية في أوروبا وفي العام 1952، شهد التحرير نشاطات لضباط الجيش الأحرار، ما عمل على الإطاحة بالنظام الملكي الحاكم، ومهد الطريق بعد ذلك لتقلد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للحكم في مصر، وفي مارس 2003، احتج ما يقرب من 30 ألف مصري للتنديد بغزو العراق.
وسمي الميدان في بداية إنشائه باسم ميدان الإسماعيلية، نسبة للخديوي إسماعيل، الذي أمر بأن يتم تصميمه بشكل يحاكي ميدان شارل ديجول في العاصمة الفرنسية باريس، وتغير اسم الميدان بعد ذلك إلى ميدان التحرير نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919، ثم أصبح الاسم أكثر رسوخا في أعقاب ثورة 1952 حتى إنه اكتسب شهرة عالمية، كونه أصبح رمزا للثورة المصرية وهو ما جعله يتقلد المركز الأول بين أهم الساحات الاحتجاجية في العالم، حسب تقرير لمجلة (تايم) الأميركية.
وفي القائمة التي أعدتها المجلة لرصد أهم الأماكن التي اعتاد الأفراد في العالم الذهاب إليها للتعبير عن مطالبهم أو للاحتجاج ورفضهم للأوضاع بأساليب عدة، جاء ميدان التحرير في وسط القاهرة في المركز الأول ضمن أكثر الميادين الاحتجاجية أهمية في العالم.
وليس أدل على شهرة الميدان الواسعة هو حرص العديد من سياسيي العالم على زيارته والترجل به خلال زياراتهم للقاهرة بعد الثورة ومنهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وكاترين آشتون وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، ودفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، كما طلب مسؤولو نادي ستارز الكيني من إدارة نادي الزمالك تنظيم رحلة سياحية لبعثة الفريق إلى ميدان التحرير مقر الثورة المصرية قبل مباراة الفريقين في إياب دور الـ 16 لدوري رابطة الأندية الأفريقية.
ساحة التغيير صك موقَّع من الثوار
ولم تكن ميادين اليمن بعيدة عن ذلك الواقع بل رسمت ساحة التغيير معالم جديدة لليمن فقد ارتبط اسم هذه الساحة بالثوار بعد أن كانت تسمى بـ«جولة الجامعة الجديدة» وهي الساحة المقابلة لجامعة صنعاء حيث اتخذها الثوار مركزا للاعتصام وانطلاق المظاهرات وكان المحتجون باليمن قد اتخذوا هذه الساحة مقرا لاعتصاماتهم بعد أن قام أنصار الرئيس صالح بالاعتصام في ميدان التحرير بصنعاء، لمنع المحتجين من اللجوء إليه تيمنا بالثورة المصرية وبرمزية ميدان التحرير في القاهرة الذي احتضنها.
فقد اصطفت خيام صغيرة نصبها المعارضون اليمنيون في ساحة التغيير الممتدة غربا على طول المسافة حتى بوابة الجامعة الجديدة، والمتجهة شرقا باتجاه شارع العدل، وشمالا إلى شارع الخط الدائري الشهير في عاصمة اليمن. وحملت ساحة التغيير قبل أن يطلق عليها هذا الاسم، اسم جولة الجامعة الجديدة.
وتميزت بكثافتها السكانية المرتفعة، ووقوعها أمام الجامعة أهم صرح علمي في صنعاء، ومجاورتها لأهم المحال التجارية في سوق العاصمة اليمنية، ويتوسط الساحة نصب تذكاري مزين بحديث نبوي شريف، ورغم صغر مساحة ساحة التغيير فإن المحتجين المعتصمين فيها وسّعوها، بنقل احتجاجاتهم إلى الشوارع المجاورة والجانبية.
ميدان الباستيل شاهد الثورة الفرنسية
وبالرجوع إلى الوراء نجد فرنسا أول من اتخذت الساحات لتعبير عن مطالب شعبها فقد أرَّخت لثورات عالمية إذ يعدُّ ميدان الباستيل أشهر ميادين العاصمة الفرنسية باريس يتوسطه عمود الباستيل الذي تمت إقامته تخليدا لضحايا ثورة 1830 وتحيط به أحدث أوبرا فرنسية كما تمر بالقرب منه قناة سان مراتان.
ارتبط الميدان ارتباطا وثيقا بسجن الباستيل الذي أُنشئ في فرنسا بين عامي 1370 و1383 كحصن للدفاع عن باريس ومن ثم كسجن للمعارضين السياسيين والمسجونين الدينيين والمحرضين ضد الدولة. وأصبح على مدار السنين رمزاً للطغيان والظلم وانطلقت منه الشرارة الأولى للثورة الفرنسية في 14 يوليو .1789 ولا تزال فرنسا حتى اليوم تحتفل بمناسبة اقتحام السجن باعتباره اليوم الوطني لفرنسا في الرابع عشر من يوليو من كل عام وانتهاء حقبة طويلة من الحكم المطلق. وكان اسمه الأصلي «الباستيد» وليس الباستيل وتعني «الحصن» باللغة الفرنسية.
الصورة التقليدية عن الباستيل حتى قبل سقوطه في يد الثوار أنه لم يكن حصنا للدفاع بقدر ما كان قلعة للطغيان وسجنا للتعذيب، وتلك كانت وجهة النظر الرسمية في فرنسا منذ العام 1880، عام إعلان 14 يوليو عيدا قوميا للحرية في فرنسا.
«السلام السماوي» مجد الثورة الصينية
أما في الصين فحكاية أخرى من الثورات العالمية وبالتحديد الثورة الطلابية التي شهدتها ساحة تيانانمن التي عرفت مجموعة من المظاهرات الوطنية التي وقعت في جمهورية الصين الشعبية، بين 15 ابريل، 1989 و4 يونيو، 1989.
وتمركزت في ساحة تيانانمن في بكين التي كانت محتلة من قبل طلاب جامعيين صينيين طالبوا بالديمقراطية والاصلاح وعلى الرغم من أن المظاهرات بدأت من قبل طلاب ومفكرين اعتقدوا ان اصلاحات دينغ زياوبينغ لم تكن كافية، فقد جذبت المظاهرات بسرعة العمال الذين اعتقدوا ان الاصلاحات قد زادت عن حدها.
حدث هذا لان قادة المظاهرات ركزوا على الفساد مما وحد المجموعتين. بعكس مظاهرات ساحة تيانانمن عام 1987، التي تكونت من طلاب ومفكرين، تضمنت المظاهرات عام 1989 دعماً واسعاً من العمال الذين هبوا بسبب الفساد والتضخم المالي. في بكين، دعم المظاهرات جزء كبير من الشعب، وربما الأغلبية، تضمنت المظاهرات في أوجها المليون من الناس. ليسمى عندئذ بميدان «السلام السماوي».
ساحة البرلمان في جاكرتا تسقط سوهارتو
مثلت ساحة البرلمان في جاكرتا في العام 1998 أفضل مكان في إندونيسيا لكتابة تاريخها الحديث، لايزال العالم يذكر طلبة الجامعات وهم يحملون حقائبهم التعليمية على ظهورهم حول هذه الساحة ويتصدون بصدورهم لرصاص قوات الطاغية سوهارتو. إذ شكلت اندونيسيا حالة مثلى لقيام الثورة حيث كانت ترضخ تحت وطأة دكتاتورها سوهارتو ذي الخلفية العسكرية .
والذي أطاح بأحمد سوهارتو 1968 وحوّل الدولة الى دولة بوليسية وسخّر أجهزة الإعلام لتطبل في كل خطوة يقدم عليها ورغم تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد إلا أن حاشيته الفاسدة التي دفع بها في البرلمان قد اختارته للمرة السابعة في مارس 1998 رئيساً للجمهورية وهو ما كان مفجرا لثورة الغضب فبعد ايام من تجديد ولايته ادرك طلاب الجامعات أن الانتظار أكثر من ذلك يعد خيانة للوطن.
وبينما كان قادة المعارضة بملابسهم الأنيقة وعطرهم الفاخر ورابطات عنقهم وحركاتهم المسرحية أمام الكاميرات يستهلكون الوقت فيما بينهم في جدل عقيم لا نهاية له كان الشعب الأندونيسي على موعد مع ساحة البرلمان.
استمرت انتفاضة الطلبة على مدى ثلاثة أسابيع، لم يعبأ الطاغية لكن تصعيد الطلبة لانتفاضتهم أجبرته على التعامل مع الثورة وتحت وطأة الغضب قدم الطاغية استقالته في 21 مايو 1998، وانهزم الرصاص ورفع الراية البيضاء أمام تضحيات ثوار إندونيسيا الأبطال.
ميدان الاستقلال الأوكراني يقيل ليونيد كوتشما
يصور ميدان الاستقلال في العاصمة الأوكرانية كييف حالة أخرى لدور الميدان الرئيسي بالعاصمة في إشعال ثورة الإنقاذ، فأوكرانيا هي إحدى الجمهوريات الخمس عشرة التي انفرطت من عقد الاتحاد السوفييتي السابق، وحصلت على استقلالها في العام .1991
الفساد والديكتاتورية صبغا الحياة السياسية الاوكرانية بعد استقلالها تحت قيادة ديكتاتورها ليونيد كوتشما والذي قاد البلاد عقب استقلالها لمدة عشر سنوات. كان انتهاء الفترة الرئاسية لكوتشما في الربع الأخير من 2004 متنفسا للشعب وأملا في انتهاء المعاناة وبدأت المعارضة في تنظيم صفوفها تحت زعامة فكتور يوشينكو تقدم لمنافسته فكتور يانكوفتش الذي حظي بتأييد الزمرة الفاسدة.
وكان هذا أحد أهم أخطائه. أُجريت الانتخابات في 21 نوفمبر 2004 وحدث ما توقعه الشعب الأوكراني من تزوير، فقد فاز يانكوفتش على مرشح المعارضة والشعب يوشينكو. تبين للنظام الحاكم أن قادة المعارضة كانوا قد أعدوا العدة لكل شيء، انتشرت الخيام في ميدان الاستقلال وحول البرلمان، وتمتعت جميعها بنظام جيد للتدفئة ووجبات غذائية تقدم للمعتصمين في مواعيد منتظمة مع دورات مياه.
كما ربطت الخيام في الساحتين بإذاعة داخلية للتوعية والسيطرة والتحذير من الدخلاء والمخبرين الذين يتحرشون بالمعتصمين لإجبارهم على استخدام العنف بهدف إجبار قوات الأمن على التدخل، وتطوعت الكثير من الفرق الفنية لتقديم الأغاني الوطنية للمعتصمين على مدار الساعة ووسط الثلوج.
الميدان الجمهوري يطيح بطاغية رومانيا
يعتبر الميدان الجمهوري بالعاصمة الرومانية بوخارست حالة خاصة بخصوصية الثورة التي انطلقت منه وحجم الدماء التي قدمتها، بصورة عفوية بدأت الثورة من مدينة تيماشورا في 16 ديسمبر 1989، وسرعان ما تجمعت في الميدان الجمهوري في بوخارست ليلة 21 من الشهر نفسه.
ونامت ليلتها في الميدان الذي كان قطعة من ثلج الشتاء لكن عزائم الثوار حولته إلى شعلة ملتهبة، كانت تحاصر البرلمان حيث يختبئ داخله الطاغية البائد تشاوشيسكو يحاول بكل الخدع تهدئة عشرات الآلاف من المعتصمين حتى يتمكن منهم عقب ذلك.
وفي دراما غير مسبوقة في التاريخ وفي صباح الحادي والعشرين من ديسمبر صعد تشاوشيسكو إلى شرفة اللجنة المركزية في قلب بوخارست لكي يخاطب الناس، لكن شيئاً ما سار على غير ما كان متوقعاً. فمن مؤخرة الحشد الضخم انطلقت الهتافات: «تيميشوارا! تيميشوارا». ثم انطلقت الصرخة المهلكة التي بدأها شخص واحد أو شخصان، ولكنها سرعان ما انتشرت بين الحشد: «فليسقط تشاوشيسكو»!
في اليوم التالي انتشر التمرد إلى المدن الكبرى كافة. ومن أعلى سطح مبنى اللجنة المركزية فَرَّ تشاوشيسكو وزوجته إيلينا على متن طائرة هليكوبتر بيضاء بينما اقتحمت الحشود المبنى. واندلعت المعارك بين قوات الجيش التي انحازت إلى الشعب، وبين قوات الشرطة السرية الموالية للدكتاتور.
