الاستراتيجيات الثقافية العربية تمضي دون تحديد مواعيد لإطلاقها على الرغم من أنها حاجة ملحة للوسط الثقافي وضرورة يجب أن تكون حاضرة وفق خطط مدروسة، وفي غياب تلك الاستراتيجيات يجد المرء الحال من بعضها للرواية والقصة القصيرة والسينما والفنون التشكيلية وغيرها من باقي العناصر الثقافية التي لا تقل أهمية في استراتيجياتها عن استراتيجيات الدولة الأخرى في الاقتصاد والسياسة، إذا توقفنا طبعاً عند مفهوم الإستراتيجية والمعنى العام لها بأنها الخطط المستقبلية بعيدة المدى.

وفي المسرح لم يسبق أن تم تحديد آلية تنطلق من خلالها الإستراتيجية العربية التي تتيح المجال أمام فهم معمق لآلية العمل المسرحي دوره وأهميته في الساحة الفنية العربية بحيث يستطيع المرء فهم تعاطي المسرح مع الحالات الاجتماعية والإنسانية التي تتحقق أو لا تتحقق في المشهد العربي، وحتى يكون بالإمكان الكشف عن أماكن مجهولة يجب الخوض فيها بعالمنا العربي عبر بوابة المسرح الذي ينظر له على أنه آلية وفعل في التغيير الاجتماعي والإنساني.

ويرى بعض النقاد أن البيانات التي عرضها بعض المنظرين والباحثين العرب كانت بمثابة استراتيجيات غير معلنة أو هي تصورات عن إستراتيجية مستقبلية لم يكتب لها التنفيذ ولعل البيانات المسرحية التي صدرت خلال فترات زمنية غير متباعدة وتوقفت لاحقاً هي النموذج غير الممنهج عن استراتيجيات مطلوبة للمسرح العربي.

ونلفت هنا الى أن الهيئة العربية للمسرح التي أحدثها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة جاءت لتقدم خيارات ممنهجة ضمن فضاء الإستراتيجية المسرحية في المرحلة المقبلة، ولعل اعتماد عدة عواصم عربية من أجل البحث في تفعيل إستراتيجية المسرح العربي، يرمي إلى تحقيق تصور مستقبلي ينطوي على أبعاد واضحة ومقنونة للمسرح بتفاصيله، بحيث يكون هناك نتائج تتمخض عنها هذه الاجتماعات المتلاحقة وذلك مع انعقاد الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي في دمشق.

 

 

سامر.. يوسف إدريس

 

يعتبر يوسف إدريس من الذين قدموا إستراتيجية ما غير ممنهجة للمسرح العربي من خلال مشروع مسرحي أعلن عنه بعنوان السامر عام 1963 من خلال مسرحية الفرافير التي أخرجها كرم مطاوع، وانطلق إدريس بمشروعه المسرحي السامر، حسب الدراسات التي تتحدث عن هذا المشروع، من الأشكال التي تقدم في الأرياف، وما السامر إلا شكل من هذه الأشكال.

ومنطلق ادريس من فكرة المسرح التي وجدت من التجمعات، هذه التجمعات التي تتشكل بأي شكل من الاشكال ومنها المقاهي، والحانات وكذلك الأعراس والموالد، والتي تتمتع بصيغة من الرقصات الشعبية في أماكن عديدة. سعى إدريس إلى إضفاء الخصوصية المصرية للعرض المسرحي.

هذه الخصوصية لا تنبع من التراث واستخدامه فقط، بل استخدام الموروث الذي يتواجد بكثرة في ظواهر اجتماعية داخل المجتمع المصري، رافضاً بذلك أشكال التقليد والاقتباس التي رسخت في المسرح المصري بشكل خاص والمسرح العربي بشكل عام مفهوم اللاخصوصية، راجعاً رفضه هذا، بأن الكتاب العالمين كتبوا أعمالهم لشعوبهم وليس لشعوب أخرى، وهذا الشيء نفسه ينطبق على اللغة، كونها لغة خاصة بالنص ذاته، وليس هناك لغة عالمية ولغة محلية، بل هناك لغات واسعة الانتشار وهناك لغات محدودة الانتشار.

 

 

الهيئة العربية للمسرح

 

تم إحداث الهيئة العربية للمسرح في العام 2008 لتكون الجامعة العربية المسرحية التي ينضوي تحت لوائها كل الدول العربية وفعليا وصل عدد الدول الأعضاء في الهيئة العربية للمسرح حوالي العشرين دولة عربية وقد صار للهيئة صلات عربية ودولية وثيقة وهي تنجز مهرجاناً عربياً موسعاً وشاملاً في دولة عربية كل عام جامعة كل أقطاب المسرح العربي إلى مائدتها كل عام، وناهيك عن المشاركات الكثيرة في مهرجانات عربية متنوعة، قدمت الهيئة عدداً وفيراً من المطبوعات والكتب بالإضافة إلى مجلة اختصاصية تصدرها موسمياً اسمها المسرح العربي.

 

 

تعتبر الإستراتيجية التي ستطلقها الهيئة العربية للمسرح خلال شهر مايو المقبل في العاصمة السورية دمشق أولى الخطوات باتجاه تعميق خطط العمل المسرحي من خلال الرؤية والقوانين وآليات التنفيذ للهيئة في معظم البلدان العربية وثمة ما يلفت النظر هو دعوة الكثير من الباحثين المسرحيين العرب في هذا اللقاء الذي يعتبر أحد أهم اللقاءات العربية الآن من حيث التجويد في صناعة المسرح العربي وتقديم الأفضل من حيث المقترحات والحلول والتوصيات.

وقال الأمين العام للهيئة العربية للمسرح إسماعيل عبد الله أن ما يؤمل من هذه الإستراتيجية هو تحقيق خطة متكاملة للعمل وفقها للهيئة التي تتبنى تقديم اقتراحات مستقبلية بالتعاون مع عدد كبير من الباحثين المسرحيين العرب ووفق جدول زمني يتيح للهيئة أن تكون حاضرة في معظم العواصم العربية خلال العام الجاري، لافتاً الى أن هناك شراكات ضمنية مع المؤسسات الثقافية العربية والوزارات والنقابات الفنية من أجل شمولية هذه الإستراتيجية وتسريع آلية العمل بها.

منبهاً إلى أهميتها وضرورة تنفيذها انطلاقاً من توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الذي يدعم الحضور العربي لهذه الهيئة والإستراتيجية التي ستفضي حتماً إلى تطبيقات عملية على أرض الواقع تحقق استقراراً وتنشيطاً للمسرح العربي بمختلف عواصمه.

وأكد الأمين العام أن الهيئة ستستقبل كل الاقتراحات التي من شأنها دعم هذه الإستراتيجية بكل الوسائل المتاحة وبالدرجة الأولى عبر موقعها الالكتروني، وتمنى عبد الله أن يكون المهرجان المسرحي السنوي لقاء حقيقياً عربياً عربياً يتم فيه تطبيق كل ما تخلص إليه تلك الإستراتيجية المستقبلية والأبحاث التي يعقدها المسرحيون العرب في لقاءاتهم الدورية.

أما الناقد والباحث المسرحي الدكتور يوسف عيدابي مستشار الهيئة العربية للمسرح فيؤكد أن الثقافة العربية تعاني من تقهقر وتراجع واضحين جعلا من المثقف في مرحلة متأخرة وصارت الثقافة هامشاً متروكاً ومنسياً في مرحلة حساسة، فثمة عدة ثورات تقنية متلاحقة وثورة للعولمة وغيرها من تلك التي تهدد الهوية والأصالة والانتماء على حد سواء.

والدعوة لاستراتيجية الثقافة العربية بدأت العام 1985 ولم تنفذ كما ينبغي، والآن هناك خطط رسمية لإحياء ما هو ميت فعلاً، ويعتقد الدكتور عيدابي أن هناك جهات أهلية ومدنية يمكن أن تسهم في تطبيق هذه الإستراتيجية مع توافر النوايا الصادقة.

والهيئة العربية للمسرح كما يقول الدكتور عيدابي في حديثه إلينا هي هيئة غير حكومية تسعى لأن تؤهل وضعاً استراتيجياً معيناً للمسرح العربي بل لدور المسرح العضوي، وستسعى الهيئة لتنفيذ هذه الإستراتيجية بما تستطيع من إمكانيات وستترك المجال لحركات ومؤسسات عربية أخرى تنفيذ ما تريده. وكشف الدكتور عيدابي عن أن هناك أربع ندوات تقريباً ستجرى في بعض العواصم العربية لتظهر بالنهاية إطاراً استراتيجياً للمسرح العربي تتوافق فيه مع وزارات الثقافة العربية وسيكون هناك بيان إستراتيجية المسرح العربي الذي سيقدم من الشارقة بعد انتهاء البحث في الإستراتيجية كاملا.

ويرى الباحث الأكاديمي المغربي عبد الكريم برشيد أن هناك حاجة ملحة من قبل المسرح العربي اليومي لأن يكون لديه خطة عمل ممنهجة تجعله يعترف بأن ما قدمه البعض خلال الفترات الماضية كان غير مجدول وغير ممنهج بشكل أو آخر وهذه الإستراتيجية او الخطط لن تقولب المسرح العربي وتجعله رهين إطارات نظرية غير فاعلة.

كما أنها لن تجعله يمضي بتحقيق عروض ولقاءات مسرحية بعيدة عن التوجه وعن العنوان العريض للمناسبة ولأجل هذا يمكن أن تثمر تلك الاستراتيجية لتكون الخلاصة تصوراً مستقبلياً يضع العربة على السكة الصحيحة، لافتاً الى أن الهيئة العربية للمسرح بإمكانها أن تقود هذه العربة وتجعلها سريعة ومتطورة وأنيقة، منوهاً بنبل هذه الحركة التي تحتاجها كل المسارح العربية الآن.

أما الدكتور مؤيد حمزة وهو أستاذ وأكاديمي في الجامعة الأردنية فينبه الى أن المسرح العربي مر بمراحل مختلفة من التخبط وعدم معرفة الاتجاه الحقيق الذي يجب أن يسلكه إيماناً بأن المسرح هو مسار وتغيير متوقع للبشر ومن خلاله يستطيع المرء أن يتبين حجم المشكلات التي يمر بها ويعاني منها المسرح كآلية تفكير وكتجربة ذات أبعاد دلالية في مسيرة المسرح العربي، لافتاً الى أن هناك الكثير من التفاصيل والمعلومات التي يجب أن تكون حاضرة في المشهد الثقافي، لأن المسرح بوابة من بوابات الثقافة وهو حامل لعدة عناصر مع بعضها البعض.

ولفت الدكتور حمزة الى أن قيام الهيئة العربية للمسرح بتنظيم هذه الإستراتيجية سيكون له مصداقية وحضور عربي واسع نظراً لأن الهيئة قامت بعدة مشاريع متميزة في الفترة الماضية وهي ذات حضور عربي واسع وذات مصداقية عالية ناهيك عن مساهماتها المباشرة التي أعلنت عن نفسها تباعاً منذ أن تم تأسيسها قبل ثلاثة أعوام وحتى الآن.

وأشار المخرج والممثل السوري زياد سعد الى أن الهيئة العربية للمسرح جاءت في وقت كان هناك حاجة ما لكي يكون للفنانين والمسرحيين العرب رباط يجمعهم إلى بعضهم البعض وبعد أن انفرطت حبات عقد كل اللقاءات الأخرى التي جاءت بغطاء سياسي إذا جاز لنا القول، أما الآن فالهيئة العربية للمسرح غطاؤها الفن وسقفها الإبداع وهناك فرصة لتحقيق حوار مسرحي بين العرب أنفسهم وهذا لم يحدث منذ زمن طويل وهذا الحوار بحد ذاته على حد تعبيره هو إنجاز يحسب للهيئة العربية للمسرح وهو بحد ذاته إستراتيجية وخطة بعيدة الأمد وذات حضور إبداعي وإعلامي نبيل.

وأكد سعد أن هناك الكثير مما يتوقعه من إنجازات برسم المرحة المقبلة للهيئة، آملاً أن يتم استثمار هذه الفرصة فقد لا تتكرر، متمنياً من كل المسرحيين العرب بذل كل ما لديهم لمصلحة الفن الصادق واللقاء العربي المستقبلي الذي سينعكس حتماً على باقي المجالات الفنية الأخرى، وستكون خشبات المسارح الميدان الذي سيعلن عن نجاح هذه الخطة والإستراتيجية الطموحة.