استطاعت أيام الشارقة المسرحية كسب نقاط مهمة تضاف إلى رصيدها في تاريخ دورات هذا المهرجان بحيث سيكون بالإمكان الحديث عن تألق الدورة الحادية والعشرين التي قادت الممثلين والمخرجين وكل العاملين في الأيام للفرح وعدم الاعتراض على قرارات لجنة التحكيم على الأقل والتي غالبا ما تثير بنتائجها استنكارا أو اعتراضا من قبل المشاركين بالأيام.

ويبدو أن الاهتمام الواضح من قبل دائرة الثقافة والإعلام الجهة المنظمة والمشرفة على أيام الشارقة المسرحية، قد أثمر عن دورة جيدة وجديدة بل مختلفة في الشأن المسرحي المحلي.

وبمشاركة ثلاثة عشر عرضا مسرحيا تعود للأيام زهوتها وحضورها بعد أن خفت بريقها العام الماضي، ونلفت هنا إلى أن ما يجعل المرء يدرك تطور أيام الشارقة المسرحية في دورتها الجديدة هو المشاركة الواسعة من كل الفرق المسرحية الإماراتية بالإضافة إلى اتساع رقعة العاملين بالمسرح من المسرحيين الإماراتيين ويمكننا القول إن العاملين على التظاهرة وبنسبة تزيد على 95% هم من الإماراتيين وهذا بحد ذاته يعتبر انجازا طيبا لجهة الحالة التي أفرزتها الأيام بتعزيز النشاط المحلي والاعتماد على المسرحيين المحليين في تقديم تصورات مستقبلية للمسرح المحلي.

كانت العروض التي قدمت في الأيام جيدة إلى حد كبير وحسب تعبير الفنان عبد الله راشد ، فإن هذه الدورة قد عمقت حضور العروض الجيدة ومنذ زمن طويل لم نشهد حضورا كهذا بل على العكس العروض كانت السبب الذي قاد الجمهور بطل هذه الأيام ليجلس على الأرض في كل العروض التي قدمت.

ولعل ما يلفت النظر في هذه التظاهرة هو الإقبال النوعي من قبل الجمهور الذي أفرزته الأيام في علاقتها معهم، إذ صار هناك نسبة كبيرة من المتابعين للشأن المسرحي المحلي وقد صار بالإمكان الرهان على جمهور كبير يملأ الصالة وفي حفل الختام وتعليقا على الموضوع كشف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي راعي المسرح والمسرحيين العرب أنه كان يتابع بدقة حال الأيام من خلال اتصالات يجريها مع المعنيين يطمئن فيها على وضع الصالة بالدرجة الأولى .

فلطالما كان مهموما بأن يكون لهذه الأيام عشاق للمسرح يقبلون على مشاهدة العرض المسرحي وحضورها ، فلهم ولأجلهم تقام احتفاليات المسرح وحسب قول سموه ليس أصعب على ممثل من كرسي فارغ. ونقل سموه ارتياحه لعلاقة الناس المتنامية مع المسرح ، ولعل جمهورا كجمهور الأيام يعتبر البطل الذي تقام من اجله مناسبات مسرحية واحتفاليات كبيرة وتزداد أعداد الحضور اضطراريا مع تنامي الذائقة النقدية والفنية عند الناس.

وحقيقة لم تكن العروض بسوية واحدة ولكنها كانت مشغولة بحب حقيقة تميز منها العرض المسرحي «حرب النعل» ليكون العمل الأبرز في الأيام قد صفق الجميع لهذه الرؤية الفنية والفكرية العالية ، وثمة عروض أخرى تميزت في مناح مختلفة مثل السلوقي وعار الوقار و«أصايل» و«قرموشة» و«الرهان» ، وبرز العمل الاجتماعي الساخر «بايتة» ضمن رؤية مسرحية ساخرة وجريئة للواقع المعاش ، ولا شك أن تقديم هذا العمل خارج المسابقة لم يخفف من عزيمة المشاركين فيه والذين يعتبرون من محترفي المسرح الإماراتي فقدموا عرضا طيبا لقي محبة الجمهور .

 «المسرح العربي بين عقدين» ، هو عنوان الملتقى الفكري الذي أقيم على هامش الأيام وعلى مدار يومين تحدث عدد من الباحثين العرب في بعض المواضيع المسرحية الاختصاصية المختلفة والتي لا تتفق حول العنوان العريض لهذه الملتقى والذي توقعنا أن يبحث في قضايا إشكالية خلال عشرين عاما شهدت المنطقة فيها أخيرا تغيرات كثيرة اجتماعية وسياسية وإنسانية .

ولكن لدى متابعة الأوراق البحثية بدا أن هناك حديثا وجلسات نقدية في واد وعنوان في واد آخر وعلى أهمية أوراق الكاتب العراقي ياسين نصير والمصري سيد الإمام إلا أنها ابتعدت عن الخط المرسوم للملتقى ، ووحده السباعي السيد كان الأقرب للعنوان حول علاقة التقنية والانترنت بالمسرح وهو حقيقة بحث جذاب ، وثمة بحث آخر للكاتب الأردني جمال عياد حول رؤى واتجاهات جديدة في المسرح الأردني حقيقة يستحق القراءة .

وحسب تلميحات بعض الضيوف الذين حضروا المهرجان فإن غيابا شبه كلي للورقة البحثية المسرحية الخليجية وإذا استثنينا عمان والإمارات فإن غياب الكويت قد لا يكون بالأمر الهين عن ملتقى كهذا على اعتبار أنها صاحبة فضل على المسرح الخليجي كله ففيها .

ومن خلالها انطلق الكثير من العاملين بالمسرح ولديها حقيقة تجربة ثرة. في هذا السياق يمكن الحديث فيها على عشرين عاما وواقع الفرق الأهلية ودعم الحكومة للمسرح الكويتي ولكن هذا غاب بغياب الورقة ، وربما كان جديرا أن يكون هناك ورقة للبحرين والسعودية أيضا لأن أيام الشارقة المسرحية ولأهميتها غير العادية في الساحة الخليجية فإنها معنية بشكل أو آخر بترجمة الحضور الخليجي في هذه الندوات .

وما أثار إشارات استفهام حول ورقة الإمارات أنها قدمت من قبل كاتب عراقي مقيم في الإمارات هو الكاتب والمخرج المسرحي الفاضل عبد الإله عبد القادر ، بعنوان «متغيرات المسرح الإماراتي في العقد الأول من الألفية الثالثة» ولا شك أن ورقة بحثية إماراتية كان بإمكان كتاب وناشطين مسرحيين إماراتيين الحديث فيها مثل الدكتور حبيب غلوم أو الفنان مرعي الحليان أو المخرج ناجي الحاي أو الدكتور محمد يوسف أو الاستعانة بخبرة الكاتب محمد عبد الله في هذا السياق .

والطريف أن المخرج الكبير المنصف السويسي اعترض على ما قيل في الورقة لأنه أحد المشاركين بدعم المسرح الاماراتي في فترة بداية الثمانينات ولم يأت البحث على ذكره .. ونلفت هنا إلى أنه وعلى الرغم من خبرة عبد القادر بالشأن الإماراتي فقد كان بالإمكان مثلا الاستعانة بخبرته بتقديم ورقة بحثية عن المسرح العراقي وهذه الورقة للأسف غابت عن الملتقى أيضا وحضرت قراءة بحثية للكاتب العراقي ياسين نصير حول «جغرافيا المسرح» دون أن يفهم القصد من وراء الحديث عن جغرافية المسرح وتفاصيل هذه العملية الاختصاصية من واقع المسرح العربي بين عقدين .

ومن واقع الملتقى نشير الى أن الورقة السورية قدمها الزميل الإعلامي إبراهيم حاج عبيدي ، معتمدا ضمن الورقة المقدمة على عدد من الأسماء الهامة في النقد العربي والسوري على وجه الخصوص ومعظمهم أساتذة ومؤسسون لقسم النقد في سوريا ومنهم الدكتور نبيل الحفار والدكتور نديم معلا ونقاد مثل جوان جان وعبد الناصر حسو والحقيقة أن أحدا منهم كان يمكن أن يقدم بحثا مختلفا ومجديا في الأيام .

وفي الملتقى تحديدا دون أن يكلف زميل إعلامي لا نقلل من أهميته بل من اختصاصه في موضوع التقى على مائدته اختصاصيون بالمسرح من كل أنحاء العالم العربي ، الأمر الذي دعا بعض النقاد والمسرحيين العرب الضيوف إلى عدم دعوة نبيل الحفار مثلا أو نديم معلا بدلا من أن يؤخذ رأيهم في هذا السياق ، الأمر الذي أشار إليه الناقد البحريني يوسف الحمدان في حديثه مع «الحواس الخمس» حول هذا الأمر .

حيث تابع بدقة كل فعاليات الملتقى الفكري ، مؤكدا أن الورقة السورية غير اختصاصية وتفتقد حقيقة لواقع هام يعيشه المسرح السوري ويضيف حمدان إن الملتقى الفكري كان فقيرا ومشتتا ولا يرقى للملتقيات الفكرية السابقة للأيام فليس هناك ملامسة لواقع متحول في المسرح العربي ، ناهيك عن أن الأوراق المقدمة لم تكن بالمستوى البحثي والمسرحي المطلوب وثمة أوراق مثل الورقة البحثية السودانية تفتقر للتخصص وتغيب عنه روح الباحث على حد تعبيره .

مما سبق نستنتج أن الملتقى الفكري ربما تم الاشتغال به على عجل ودون مراعاة للعنوان أو للجانب الاختصاصي فيه ، والأوراق البحثية المتناثرة تستحق أن تكون في مجلة اختصاصية بالمسرح بدلا من أن يوحدها عنوان عرض هي لا تنتمي له فنظلم الباحث ونظلم الملتقى في آن معا ، وعليه فهذا الملتقى لم يندمج بالمطلق مع مسيرة الأيام الحافلة التي قدمت إشراقة خاصة في هذه الدورة .