لقاءات المسرحيين لا تخلو من سؤال تقليدي عن حال المسرح العربي اليوم ..واستفساراتهم قد لا تحمل بعدا مباشرا في معرفة ما يجري حقا ولكنها قد تمتد بعد قليل لتكون محور نقاش واسع عن التراجع والخيبات التي تسيطر على عالم المسرح. ولعل المسرح في البلاد العربية لم يتحول ليكون عنصرا في التغيير وفي جعل الآخرين يقبلون على مشاهدته ومتابعة أخباره وتطوراته ورؤيته المستقبلية، بل ظل على الدوام مثار أخذ ورد وعرضة للمتغيرات المحلية والدولية.
لا يختلف رد المسرحيين العرب كثيرا عن إمكانية تحول المسرح إلى عنصر بناء وصاحب توجه في التغيير وغالبا ما يطمحون إلى ان يكون دور المسرح قريبا من هذا التوجه والطموح ولكنهم حقا لا يصلون الى هذه النتائج والمعطيات ويظل الكلام نظريا وبعيدا عن أرض الواقع، وبناء عليه تأخذ المحادثات التي تتم بشكل تنظيري عن مستقبل المسرح العربي ولكن هناك حالات ما يمكن للمرء أن يجدها حاضرة بين عدة مستويات ارتأيناها في هذا السياق وكلها عموما لا تنظر بعين التفاؤل لحال المستقبل المسرحي في ظل ما يقدم وينتج الآن.
يتمسك المسرحيون العرب بمقولة للكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس حينما يشير فيها الى أن ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية للتاريخ ينهي تأكيده هذا بأننا محكومون بالأمل ..!وقد ظلت هذه المقولة الجملة التي تركت أثرا ناصعا عن سعد الله ونوس الكاتب، وعن الأمل الذي يتطلع إليه من أجل مستقبل مختلف، وربما طال زمن هذا المختلف وما عاد بالإمكان أن يكون هناك حضور ما للمسرح العربي.
يقدم الدكتور جمال عياد إجابة حازمة في رده عن سؤال يتعلق بحال المسرح العربي، مؤكدا ان الإفلاس الفكري هو العنوان الأعم والمؤطر للأعمال المسرحية وغياب الرؤى والاتجاهات النظرية الجديدة في العقد الأخير، حيث ان الدول العربية لا تزال مستوردا استهلاكيا لكل موارد الحياة بما فيها المسرح وهذا ما يفسر عدم استقرار المسرح حضاريا في الأردن وفي الأقطار العربية الأخرى لذلك ظل المسرح في الإطار العربي يؤكد أنه في حالة قطيعة مع البنية القبلية والريفية وبذلك ظل المسرح حائرا على باب المدينة ولم يدخلها من بعد تحقيق الاستقلال السياسي.
ولفت الدكتور جمال عياد الى أن حال المسرح العربي من بعضه وكل ما يقال في المشرق هو ذاته ما يحكى عنه في المغرب.
دعم اقتصادي
ويشير الممثل والمخرج المسرحي زياد سعد الى أن الوضع العام غير مشجع وحال المسرح العربي محدود الأفق ولن يتقدم المسرح في سوريا أو في أي من البلدان العربية خطوة إلى الأمام إلا بدعم اقتصادي وقرار سياسي واضح لا لبس فيه، فحاجة المسرح إلى الحكومة لدعمه في البداية على الأقل حاجة ماسة كحاجته إلى مبدعين يتضافرون من أجل تقديم خطاب مسرحي جديد، فالمسرح فقير والمسرحيون يرفعون أصواتهم علهم يوصلون هذه الأصوات إلى أبعد مسافة من العالم العربي.
إنعاش الثقافة
ولعل وجه المفارقة الأكيد حسب ما قال زياد سعد أن كل الخطط والخطابات السياسية تتحدث في جدول أعمالها عن ضرورة دعم الثقافة العربية ومساعدة المثقفين وإيلاء الثقافة الاهتمام الأوسع في كل مناحيها، ولكن لاحقا يفاجأ المرء أن لا حيلة له سوى سماع العناوين العريضة فقط، فالواقع شيء والمكتوب شيء آخر مختلف تماما وهكذا تبقى خطة إنعاش الثقافة حبيسة الخطابات اليومية والشهرية والسنوية لا أكثر ولا أقل وهذا ما يشير إلى أن الوضع المسرحي العام سيظل مكانه دون أي تقدم مرجو له، وربما قد يتغير في الكلام شيء ما ولكنه في النهاية هو حال معظم البلدان العربية تحديدا فيما يخص حال المسرح العربي والثقافة العربية بشكل عام .
والمتابع للحركة المسرحية في سوريا، خلال العقد الأخير، حسب كلام الناقد إبراهيم الحاج عبدي، يلاحظ بروز تجارب جديدة ضمن هذا الإطار التجريبي الذي يسعى إلى تكريس مفاهيم جديدة لشروط التلقي المسرحي بغرض إحداث نوع من الانقلاب، إذا صحّ الوصف، في المفهوم التقليدي الراسخ للمسرح.
وبمعزل عن نجاح هذه التجارب أو عدم نجاحها على مستوى النوع، وبمعزل، كذلك، عن عددها القليل على مستوى الكم، وبعيدا عن التسميات الجاهزة المسبقة كأن توصف هذه التجارب بـ «مسرح الصورة» او بـ «هيمنة المخرج» على الحالة المسرحية عبر إهماله للنص والإرشادات الإخراجية والحوار والتركيز على الحالة المسرحية والظروف المحيطة بالفرد والمجتمع معاً، واعتبار الممثل أداة أو دمية لتنفيذ رؤيته في بعض التجارب...نقول بغض النظر عن كل ذلك، فإن هذه التجارب الطموحة رمت حجرا ثقيلا في بحيرة المسرح الراكدة.
واستطاعت أن تطرح أسئلة جديدة على فن المسرح ودوره ومكانته ووظيفته، وحرصت هذه التجارب الجديدة على عدم الالتزام بكل ما يقيد التجربة من الانطلاق نحو آفاق مجهولة، إلى درجة أنها قوضت الكثير من النظريات المؤسسة لفن المسرح عموما، بدءا من طبيعة المواضيع وانشغالاته مرورا بالشكل الفني وكل ما يتعلق به.
وصولا إلى العنوان الذي استعان، غالبا، بمفردات ساخرة ملتصقة بحرارة الواقع اليومي، أو مستمدة من لغة أجنبية شائعة محليا بحيث تثير الأسئلة لدى المتلقي حتى قبل دخول العرض، من قبيل «الليغرو»، «تيامو»، «تكتيك»، «بيانو»، «تشيللو»... وجاء الحوار بدوره باللهجة العامية المحكية في غالبية العروض، وهي تضمر قدرا كبيرا من المفارقة والتهكم وكأنها بذلك تهجو الظروف السياسية والثقافية والاقتصادية بشكل عام، فضلا عن ان حس السخرية هذا بدا منسجما مع مبنى ومعنى العروض الجديدة.
تحول نوعي
وينقل عبدي عن الدكتور نبيل الحفار أحد ابرز النقاد المسرحيين العرب في الورقة البحثية التي أطلقها في المنتدى الفكري لأيام الشارقة المسرحية، مشيرا إلى أنه يرى الوضع مخيبا للآمال، بمعنى ليس هناك اهتمام رسمي لدعم هذه المواهب والتصورات المستقبلية الموجودة لكي تتطور، وتحقق تحولا نوعيا في إطار الحركة المسرحية، ففي الواقع السوري لا يوجد أمام هؤلاء المسرحيين سوى دعم الدولة، وإن لم تقم الدولة بواجبها على هذا الصعيد فلن يتطوروا.
أما مسألة أن يقدموا عروضهم مرة في مهرجان القاهرة التجريبي وأخرى في مهرجان دمشق المسرحي ومهرجان قرطاج وسواها من المهرجانات المسرحية العربية، فإن ذلك لن يحقق حراكا مسرحيا تلبي طموحاتهم، ولن يؤدي الى تراكم كمي يفضي إلى حركة مسرحية نوعية.
ويهيب حفار بوزارة الثقافة السورية والمديرية العامة للمسارح والموسيقا التابعة لها بتكريس جهد جاد لهذه المواهب وعدم وضع العراقيل في طريقها.
«إن أول مؤسسة تؤمم في الجزائر بعد الاستقلال لم تكن اقتصادية أو إعلامية أو رياضية بل كانت دار الأوبرا، وهذا بتاريخ 8 يناير 1963 بمقتضى مرسوم رقم 12 /63 وتقرّر تأسيس فرقة المسرح الوطني الجزائري، ومركز وطني للمسرح خاص بالتكوين، حيث تحولت دار الأوبرا إلى مؤسسة المسرح الوطني الجزائري، .
وأشرف على إدارتها المرحوم مصطفى كاتب إضافة إلى الطاقم الذي اشتغل معه في الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، وهي إشارة كبيرة جدا من السلطة السياسية ورسالة تحمل دلالات مختلفة؛ حيث جاء في البيان التأسيسي الذي كتبه كل من مصطفى كاتب ومحمد بودية، هذا ما يشير إليه الباحث المسرحي الجزائري عبد الناصر بوخلاف، مشيرا الى أنه لا يمكننا الحديث عن الفضاءات المسرحية وحالة الأمكنة في الجزائر دون الإشارة إلى أن هذه الهياكل هي ارث استعماري# تم إعادة تأهيلها وفتحها كمسارح مفتوحة في إطار سياسة الدولة التي انتهجت أو ما يسمى باللامركزية .
حيث افتتح ستة مسارح وضعت تحت تصرف وزارة الإعلام والثقافة، واعتمدت هذه المسارح على الطاقات التي كانت تشتغل في المسرح الوطني الجزائري، وما سُجّل صراحة في هذه المرحلة هو ضعف الإنتاج المسرحي لأسباب جديرة بالدراسة. ولكن أهمّ هذه الأسباب: غياب صناع العرض المسرحي بخاصة فئة الممثلين.
حيث سجل نقصا فادحا بعد التمركز الذي شهده المسرح الوطني الجزائري، مع غياب تصور لبعض مديري المسارح وانعدام خطة عمل. علاوة على التغير المستمر للمديرين الذي انعكس سلبا على الإنتاج الذي أصبح متذبذبا.
إن التحولات التي شهدها المسرح في الجزائر بدءا من سنة 1988 ارتبطت جوهريا بالتحولات السياسية في العقدين الأخيرين، حيث أثرت سلبا على مستوى الصناعة المسرحية وأدى إلى ما يسمى بالتقشف وعزوف الجمهور عن ارتياد قاعات العروض، بسبب ضعف ما قدّم من عروض إلى جانب أسباب أخرى. لكن في بداية العقد الثاني وانطلاقا من إرادة سياسية، عادت الكثير من المهرجانات الوطنية وبميزانيات ضخمة، وبخريطة واسعة لتوزيع العروض التي شملت ثمانية وأربعين محافظة، الأمر الذي سمح لكثير من صناع المسرح بالاشتغال والتوزيع في الكثير من الإنتاجات الضخمة التي أعادت للمسرح الجزائري وهجه وألقه.
