أعرب العديد من الفنانين عن ابتهاجهم بثورة 25 يناير التي أطاحت بالنظام السابق، آملين في حرية الإبداع خلال الفترة المقبلة من خلال إلغاء جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، الذي كثيراً ما اشتكوا من أنه يقوض حريتهم الإبداعية، ويهمش الأفكار الموضوعية التي يتبنونها.. في المقابل تمسك فريق آخر بوجود نوع من الرقابة حتى لا تتحول حرية الإبداع إلى معول هدم لأخلاقيات المجتمع وثوابته، مطالبين بأن يتم تقنين دور الرقابة وتحجيم اختصاصاتها..
إلى التفاصيل.
البداية كانت ببيان وَقعه أكثر من 200 سينمائي، دعوا فيه إلى إلغاء الرقابة وتحويلها إلى جهة متخصصة لتصنيف الأعمال وقراءة النصوص قبل بدء التصوير لإجازتها.. وطالب الموقعون على البيان بتعطيل العمل بقانون الرقابة الحالي، واستبداله بقانون التصنيفات العربية الذي يجب أن يسهم في وضعه خبراء في القانون بالتعاون مع سينمائيين وفنانين، يستلهمون روح ثورة 25 يناير التي انتفضت على كل صور الرجعية والتكميم والقهر التي كانت تجبر صناع الفن على العمل على نصوص وأفكار دون غيرها.
الفنان رقيب نفسه
إلى ذلك، طالب الفنان عزت العلايلي، بضرورة إلغاء الرقابة، مؤكداً أن الفنان هو رقيب نفسه ولا يحتاج إلى «وصاية» تحدد له ما يجب فعله وما لا يجب، مؤكداً أن كل فنان لديه رؤية من خلال تعايشه داخل المجتمع تجعله يتفاعل معه ويعبر عن رؤيته، فهو مرآة تعكس وجدان المجتمع، ولذا يستطيع التحكم والرقابة على ذاته، سواء كان أخلاقياً أو سياسياً، أو عند تناوله أي موضوع يهم المجتمع.
في الاتجاه ذاته، طالب الناقد طارق الشناوي بضرورة إلغاء الرقابة، والتي وصفها بأنها تحمي الأنظمة ولا تمارس المنع إلا على الأعمال السياسية، ولذا يجب أن تنفصل عن الدولة وأن تأخذ شكلاً مختلفاً.
واقترح الشناوي أن تلغى كلمة الرقابة وتصبح هيئة اجتماعية لتنظيم العروض يكون دورها مشاهدة الأعمال الفنية بعد تصويرها وليس قبل، من أجل تحديد المراحل العمرية لمشاهدة تلك الأفلام، وهو الأمر المتعارف عليه دولياً، وأن تكون بعيدة عن هيمنة الدولة، أي أن الرقابة هنا لا تتدخل مطلقاً في صناعة العمل، لكن تحدد فيما بعد الفئة العمرية المناسبة لمشاهدته، مقترحاً أن تضم تلك الهيئة شخصيات تعبر عن المجتمع كأساتذة علم الاجتماع والنفس وبعض النجوم الكبار.
وتابع الشناوي مؤكداً أن هذا الاقتراح لن يدخل حيز التنفيذ في يوم وليلة، خاصة في ظل وجود المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يحمل تركيبة عسكرية تتفق مع أفكار الرقابة بشكل عام، لكن مع انتخاب رئيس مدني سوف يتم إلغاء الرقابة.
واستعرض بعض الأعمال التي تعرضت خلال الفترة الماضية لمشاكل رقابية، ومنها فيلم «بنتين من مصر»، مؤكداً أنه من أكثر الأفلام التي تدَخل فيها مقص الرقيب، وجار على مجموعة من المشاهد والحوارات، خصوصاً التي دارت بين بطلة الفيلم زينة والطبيبة النفسية التي قامت بدورها نهال عنبر، كذلك فيلم «رسائل البحر»، حيث اعترضت الرقابة على قضية الفيلم وهي شرعية الزواج، كما اعترضت على فيلم «عسل أسود» للنجم الكوميدي أحمد حلمي وأجبرته على حذف بعض المشاهد والجمل الحوارية.
كما اعترضت أيضاً على أغنية فيلم «محترم إلا ربع» وقامت بحذفها لتضمنها كلمات تتحدث عن المخدرات، كما حذفت 16 لفظاً من فيلم «بون سواريه» لغادة عبدالرازق بدعوى أنها خادشة للحياء، كما قامت الرقابة بحذف العديد من المشاهد من بعض المسلسلات مثل «العار، زهرة وأزواجها الخمسة، مملكة الجبل، أزمة سكر»، وكثير من المشاهد التي تتعلق بالدين والسياسة والمشاهد التي تمس رموز الشرطة والدولة.
تقنين
على الجانب الآخر، تختلف الفنانة سميرة أحمد مع المطالبين بإلغاء الرقابة، مؤكدة أنها لا تؤيد هذه الفكرة، بل تطالب بنقابة لمنع الأعمال غير الأخلاقية والتي تشيع الفساد في المجتمع، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة أن يتم ذلك بالتوازي مع تأييد النظم الحاكمة لحق التغيير، وحق الفنان في الإبداع دون خوف.
وأشارت إلى أن العيب ليس في وجود القوانين المنظمة والمراقبة للمصنفات الفنية، لكن في طريقة التطبيق التي تأتي على حق التعبير وتناول الأحداث السياسية، مشددة على أن همها الشاغل هو عدم إصابة المجتمع بخلل جراء إثارة مفاهيم خاطئة وغير أخلاقية ونشر الأعمال الإباحية والخارجة عن القيم والأخلاق تحت ادعاء حرية الرأي والإبداع.. مؤكدة ضرورة أن يتم تقنين الرقابة، حيث تحمي المجتمع، ولا تعرقل الإبداع.
ويؤيدها في الرأي السيناريست محمود الطوخي، مطالباً ببقاء الرقابة من أجل أداء دور مهم وهو حماية الآداب العامة دون الحجر على حرية الرأي، موضحاً أن هناك أعمالا إذا فتح لها الباب سوف تفسد المجتمع، وهذا يناقض ما جاءت من أجله ثورة 25 يناير، التي استهدفت في الأساس تغيير أخلاق الناس إلى الأفضل، واستعادة حقوقهم المهضومة.. لذلك لا يجب أن نشجع بفتح الباب على مصراعيه أعمالا من نوعية أفلام المخرجة إيناس الدغيدي التي تريد أن تنشر «البورنو» في المجتمع، ليشاهدها شباب الأحياء الشعبية في دور السينما.
وأضاف أنه فيما يخص الرقابة السياسية، فإن أي ثورة قادرة على صناعة رقابتها بنفسها، وهذا ما فعله شباب ثورة 25 يناير مع من سموه بقائمة سوداء للنجوم رفضوا التعامل معهم أو متابعة أعمالهم؛ ما يعني سقوطهم، فالفنان يعني الجمهور فقط، مثلما حدث في إنجلترا عندما رفضت الرقابة منع عرض فيلم «المسيح ويهوذا»، فرفضه المشاهد ولم يذهب إليه بدور العرض السينمائي.
مؤسسة للمصنفات
بدوره، أكد د.سيد خطاب، رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، أنه لا يختلف أحد على حرية الإبداع، والتي تأتى ضمن الحرية الشاملة للمجتمع التي نادت بها الثورة، وأيد عبر حوارات صحافية وتلفزيونية أجراها بعد نجاح ثورة 25 يناير، فكرة إلغاء جهاز الرقابة على المصنفات تلبية لمطالب معظم الفنانين، مؤكداً أن حرية الإبداع جزء أصيل من الحرية التي أوجدتها ثورة يناير، وأنه قام قبل الثورة بإعداد دراسة عن الرقابة في مختلف دول العالم، وطالب بإنشاء مؤسسة للمصنفات الفنية وحقوق الملكية الفكرية.
موضحاً أنها ستقوم بدورين؛ الأول تسمية «الرقابة البعدية» أي بعد طرح المصنف الفني للجمهور، وهذا الدور عبارة عن تصنيف العمل تصنيفاً عاماً؛ حيث يكون متاحاً للعرض أو التداول للجمهور، وآخر يكون تصنيفه لـ«الكبار فقط»، وهذا لا يسمح بمشاهدته إلا لمن يتجاوز عمره 18 عاماً.
وأضاف د. خطاب أن الدور الثاني لتلك المؤسسة يتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية واستثمارها بما يخدم المبدع والمجتمع، مشيراً إلى أن دولة مثل الدنمارك حصلت خلال عام واحد على نحو 1,5 مليار دولار إيرادات عن حقوق الملكية الفكرية لأعمالها المعروضة في الخارج.
وأكد خطاب أنه يقوم حالياً بدعوة عدد من الحقوقيين بالمصنفات الفنية كالنقابات الفنية الثلاث وغرفة صناعة السينما وجمعية منتجي الكاسيت وجمعية المؤلفين والملحنين؛ لعقد اجتماع مشترك من أجل صياغة قانون لإنشاء تلك المؤسسة وإلغاء القوانين القديمة.
