على الرغم من أنّه ابتكر «تويتر» وهو على وشك إطلاق لعبةٍ إنترنت استثنائيّة عبر شركته «سكوير»، لا يزال ملفّ جاك دورسي ضعيفا في عالم التكنولوجيا. ولكنّ مع عدم الانسجام بين شغفه الطفوليّ بخرائط المُدُن، وحلمه في أن يُصبح يوما عُمدة مدينة نيويورك الأميركيّة، يبدو أن تركيز جاك ينصبّ على الجوانب التفاعليّة في حياة الإنسان.
بدأت حكاية «تويتر» سنة 1984، في غُرفة طفلٍ في ربيعه الثامن، بقلب مدينة سانت لويس الأميركيّة. كان جاك مولعا في صغره بخرائط المُدّن، فقد زيّن جُدران غرفته بالكثير منها، تلك التي انتزعها من صفحات المجلات، أو احضرها من محطّات الوقود، أو جمعها من السيّاح الذين زاروا مدينته. والداه قاوموا إغراءات الانتقال إلى ضواحي المدينة، وهو شجّعهم على ذلك، فمن صغره كان مولعا بالحياة الصاخبة، يأسره منظر سيّارات الأجرة، وسيّارات الشرطة، والحافلات الكبيرة. لدرجةٍ كان يصطحب فيها أخاه إلى محطّة قطار، وينتظر الاثنان لساعاتٍ، فقط ليقوموا بتصوير مقاطع فيديو للقطارات وهي تصل المدينة أو تُغادرها.
عندما أحضر والده إلى المنزل أوّل جهاز حاسوب سنة 1984، أخذ هذا الجهاز كلّ اهتمام جاك. فهو الذي يتمتّع بمواهب مميّزة في الحساب والرسم، بدأ بتصميم الخرائط بنفسه باستخدام برامج المؤثرات، وتعلّم بسرعة تقنيّات البرمجة ليتمكّن من تعيين مناطق وصول وانطلاق القطارات على الخرائط. لم يتوقّف جاك عند هذا الحد، بل شغل نفسه بالاستماع إلى موجات الراديو المخصّصة لعربات الشرطة وسيّارات الإسعاف، وراقبها كي يتمكّن من رسم طريقة حركتها في المدينة على خرائطه الخاصّة. وما يَلفت النظر في أعمال المُراهق المُبدع آنذاك، هو أنّه لم يكن علميا فقط، حيث كانت النواحي الأدبيّة حاضرةً في صغره، فعندما قام أحدٌ بسؤاله عن سبب اهتمامه ببرامج خرائط المدينة، كان جوابه: «أُريد أن العب بالطريقة التي تعمل بها المدينة كي أتمكن من رؤيتها على حقيقتها».
لم تخفتِ شعلة الشغف الذي تمتّع به جاك نحو المُدن والبرمجة. فبعد تذبذبه بين مجموعةٍ من الوظائف، في سنة 2006، انتهى به الأمر أخيرا لدى شركة برمجيّات مركزها مدينة سان فرانسيسكو اسمها اوديو، وكانت الشركة خاملة من ناحية النشاطات. اقترح دورسي على مالك الشركة أن يقوموا بتكوين خدمة يتمكّن من خلالها كلّ مشترك من كتابة جملة أو جملتين حول نفسه عبر لوحة مفاتيح الهاتف الخلوي الخاصّ به، وسيتمكّن كلّ من يرغب في قراءة هذه الرسالة من الوصول إليها، إذ سيعلمه بوصولها نظام تنبيه. وهذه الجملة القصيرة، كانت هي الحلقة المفقودة التي تمكّن هو من إيجادها، لإضافة العنصر البشريّ إلى صورة الفضاء الرقمي للمدينة.
إيان ويليامز، مالك اوديو، شجّع الفكرة، وعيّن دورسي رئيس مجلس إدارة الشركة الجديدة والتي حملت اسم «تويتر». بعد مرور خمسة أعوامٍ على تأسيسها، أضحت «تويتر» واحدةً من أكثر منصّات التواصل الاجتماعي شهرةً بعد أن وصل عدد المشتركين بها إلى أكثر من 200 مليون، وباتت الشركات العملاقة في مجال البرمجيّات، شأن غوغل ومايكروسوف وفيسبوك تتهافت من أجل شرائها بمبالغ زادت عن 8 مليارات دولار. وزادت شعبيّة تويتر، مؤخّرا، ولا سيّما في العالم العربيّ، ففي ظلّ الأحداث الحاصلة هنا، لابدّ لنا من ذكر أنّ الكثير من الثورات في العالم العربيّ تمّ التخطيط لها عبر موقع «تويتر». فلماذا حتى الآن ليس هنالك معلوماتٌ كافية تتحدّث عن شخصيّة أكبر مؤثّرٍ في عالم التواصل الاجتماعيّ؟
في البداية، دورسي يحرص على ألا يقدّم نفسه للعموم وكأنّه رجل أعمال، أو مُبتكر فكرة تمكّنت من تحقيق الملايين. إنّه يُفضّل أن يبقى خلف الأضواء، وأنّ يتمّ التعريف به وكأنه المُبرمج الحرفيّ الذي ابتكر برمجيّة موقع «تويتر». وهذا التأطير الذي حصر نفسه به، دفعه إلى الخروج من الشركة، فعلى الرغم من أنّه لا يزال مدير الشركة، إلا أنّ هنالك الكثير ممّن يفوقونه بالمرتبة، وقد حصروا مهامه منذ سنتين تقريبا خلال الفترة التي أصبح فيها «تويتر»، القوّة الاجتماعية الهائلة.
بالعودة إلى تويتر، دورسي هو الذي حدّد عدد الحروف المكتوبة في كلّ رسالة على تويتر بمائة وأربعين، وهذا دليلٌ على اقتناعه بالاختصاريّة. فأشتون كوتشر، صديق دورسي والذي ذهب معه في رحلةٍ إلى روسيال دامت أسبوعا كاملا، يقول عن جاك: «إنّه الشخص الذي لا يقول إلا ما هو مهمّ». وأليسا ميلانو أيضا، من الشخصيّات المقرّبة إلى جاك وهي مُعجبةٌ بمدى اهتمام هذا الأخير بما لا يجب قوله.
أما ما لا يتحدّث عنه صاحب فكرة فيسبوك، فهو الأفكار المُبتكرة قبل فترة نضوجها. فشركته الجديدة «سكوير» على وشك إطلاق فكرةٍ جديدة كان قد تحدّث عنها فقط إلى الشخصيّة المناسبة، ألا وهو مدير إدارة سيّارات الأجرة والليموزين في نيويورك. فعبر شركته «سكوير»، قام دورسي بإقناع الشركة باستبدال الشاشات الصغيرة «والمليئة بالفوضى» حسب تعبيره، واستبدالها بأجهزة آي باد مزوّدة بإمكانيّة استخدام بطاقات اعتماد تُصدرها شركته للاستخدام من قبل عُملاء سيّارات النقل العام.
إعجاب جاك بمدينة نيويورك ليس له حدود، فعلى الرغم من أنّه يعيش في سان فرانسيسكو الآن، إلا أنه دائما يُعبّر عن رغبته في أن يُصبح عمدة تلك المدينة في يومٍ من الأيّام، وهو قد تحدّث عن رغبته هذه إلى عمدة المدينة الحالي مايكل بلومبيرغ. ومن أهمّ النصائح التي أعطاه إيّاها مايكل، كان الاهتمام بمُضاعفة ثروته الخاصّة قبل التفكير بهذا العمل، والجدير بالذكر أن ثروة دورسي تبلغ 300 مليون دولار تقريبا.
يعلم دورسي أنّ رغبته تلك قد تكون ساذجةً إلى حدٍّ ما، إلا أنّه لا يندم للتعبير عنها. ويرى أنّ في تحكّمه بدفّة قيادة أكثر مدن الولايات المتّحدة الأمريكيّة عالميّةً، سيُبقي أحلامه قريبةً من المنال. جيث يقول: «في هذه المدينة طاقةٌ كبيرةٌ جدًّا، وأشعر أنّ علينا الاستفادة من كل ما هو بين أيدينا. وتسخيره لخدمة أهدافٍ، وإنتاج طاقةٍ أخرى.
ولا تتوقّف أحداث نيويورك عند هذا الحدّ، فلا يُخفي دورسي رغبته في التدخّل بالناحية الجماليّة للمدينة، ففي آخر لقاءاته بساحة «تايم سكوير»، قال جاك: «أنا مهتمٌّ بالنواحي الجماليّة لجسر غولدن غايت، فقد أخذت له صورة من أحد الأبنية المُرتفعة المُجاورة، وعملت على تغيير التصميم، وهذا هو التصميم الذي أريده، أريده راقيا وجميلا ومُلهما في الوقت ذاته».
بالنسبة لجاك دورسي، كلّ جوانب حياته عبارة عن نظام متكامل؛ التحويلات هي عبارة عن حركة السير، وحركة السير تتدفّق فوق الجسور برقّة. الجسور ليست إلا نُقَطا على الخريطة، والخريطة هي تعبيرٌ عن مشروعٍ ما، دفقٌ عالٍ لنقاط التواصل. كلّ هذه الأفكار كانت تدور في رأس دورسي منذ كان في الثامنة من عمره.
