لا غرو أن الإعلام المهنة التي تُسابق الزمن وصولا إلى الحقيقة الأصعب التي تحمل هموم من حولها وتعانق قلوب الجمهور بما تحمله من قدرة على الإقناع، تحاكي مشاعرهم وتعيش واقعهم، وتسلط الضوء في برامج على قضاياهم على اختلاف مشاربهم.. ووسط هذا الخضم ترى فئة من الجمهور وأهل المهنة أن تلك النوعية من البرامج هي التي تلقى جماهيرية،وحتى إن توقفت يظل الناس يذكرونها ويأملون إعادة بثها..
إلى ذلك تظل هناك برامج أخرى تدور حول فلك ما وكأنها لا تبث الى جمهور يعيش على كرة أرضية من خلال عرضها قضايا سخيفة، وموضوعات تافهة وفي قرارة نفسها ترى أنها ترسم ابتسامة صادقة على وجه الجمهور الذي لم يعد غبيا. «الحواس الخمس» استعرض مقياس ومعيار البرامج الجماهيرية لدى الجمهور، ومن يصنع جماهيريتها وغير ذلك عبر سطور هذا الملف.
بعض برنامجنا عبارة عن سيرك
يقول الإعلامي أحمد بن ماجد من مجموعة بينونة للإعلام: نستطيع الحكم على أي برنامج بأنه ذو سيط، وأن له جماهيرية كبيرة من خلال الشارع،حينما يكون محور حديث وحوار عموم الناس بمختلف شرائحهم وأطيافهم، ويمكن قياس مدى جماهيريته من خلال الاتصالات لاسيما المُفاجِأة منها، إضافة إلى الشركات والجهات والمؤسسات المتخصصة في قياس نسبة المشاهدة، مضيفا: ولا أبالغ إن قلت إن جماهيرية البرنامج يمكن قياسها أيضا حينما يقوم الضيف بدعوة نفسه على المذيع لتتم استضافته في البرنامج وليس العكس ، مؤكدا أن جماهيرية البرنامج يصنعها المذيع من خلال طرحه لقضايا ومواضيع أقرب ما تكون إلى الواقع الذي نعيشه،مغلفة بإحساس الناس وتمس مشاعرهم،فمن الأخير هي البرامج التي تنزل للناس وتتعرف على ما يعتريهم من مشكلات وهموم لأن الجمهور ملَ أساسا من البرامج السخيفة التي ترتدي جلباب الجماهيرية من خلال تطرقها لموضوعات مثل أصغر عروسين، وأطول عروسين،وغير ذلك، آملا تقديم برنامج جماهيري إلا أنه لم يحصل على الفكرة المناسبة،إضافة إلى توضيحه أن البرنامج الجماهيري لا ينطلق من هباء بل يجب أن يُرفع القلم عنه،وألا يحكمه سقف حرية معين،وأن يتم فيه ذكر الأشخاص المعنيين فيه بالاسم ، مشيرا إلى أن أغلب برامجنا التي ترى نفسها بأنها جماهيرية هي عبارة عن برامج سيرك واستعراض ليس إلا!
الأقرب لكِ لاقى صدى واسعاً
علياء عويمر المذيعة في قناة «الظفرة» الفضائية تقول: قدمت على شاشة «الظفرة» برنامج «الأقرب لكِ»، وشخصيا لا أستطيع الحكم بأنه برنامج جماهيري،إلا أنني استشفيت جماهيريته من خلال الجمهور وقبولهم لفكرته والقضايا والموضوعات التي أطرحها وذلك من خلال اتصالاتهم،ورسائلهم، إلى جانب إطرائهم عليه حينما اكون في أي مكان عام، مؤكدة طموحها بتقديم برنامج جماهيري يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة ويمس قضاياهم ويسلط الضوء على همومهم. وتتمنى بن عويمر وقف البرامج التي توهم نفسها بأنها جماهيرية كتلك التي تتعلق ببث التناقضات والصراعات وتأكل بعضها كجمرة مشتعلة,حيث تبث ليل نهار اختلافات في وجهات النظر بين مؤيد ومعارض من خل إثارة قضية معينة وبث البلبلة حولها ليس إلا ، وليس هذا فحسب بل تستقطب أجناس متعددة من الجمهور في العالم لمتابعتها لحظة بلحظة,وهي في نهاية الأمر بمثابة حفرة لكل من يقع في شباكها.
الحظ له دور في تحقيق الجماهيرية
بابتسامة قالت الإعلامية رهف الطويل المذيعة في قناة سما دبي: البرنامج الجماهيري هو من يتكلم عنه الجميع، أنا وأمي والجيران، وحتى الزملاء في العمل ،مُبدية دهشتها من برامج ذات أفكار سخيفة تحظى بجماهيرية غير معقولة، مقارنة ببث برامج قوية بأفكارها وطاقمها إلا أنها في المقابل لا تحظى باستحسان وإعجاب الجمهور، مؤكدة أن الحظ له دور كبير في تحقيق جماهيرية البرامج الفضائية.. ولا تغفل الطويل عن دور المذيع في تحقيق جماهيرية البرنامج،إلى جانب فريق العمل، والقناة المناسبة..وترى ا أنها ستنجح حتما في تحقيق برنامج جماهيري إذا كان يتمحور في فلك القضايا الإنسانية والاجتماعية والمعلوماتية التي من شأنها أن توصل الرسالة الإعلامية للجمهور بشكل صائب وراق.
إعلامنا المحلي خاصة والعربي عامة يجب أن يكون على قدر من المنافسة لاستقطاب المشاهدين،فمن حقنا كجماهير أن نُشاهد برامج جماهيرية ذات إنتاج إبداعي،لاسيما وأننا نمتلك مؤسسات إعلامية تعد حاضنة وداعمة للإبداع والانطلاق نحو خطى التميز التي تؤهل بلا شك إلى حلبة المنافسة الجماهيرية عبر برامج واقعية وليست برامج الواقع الشبابية التي تُصور الشباب في غرف نومهم ومطبخهم عبر مسابقات نزيهة وبرامج تسلط الضوء على القضايا المجتمعية،وأخرى توازن بين الطرح الراقي الذي يجذب المشاهد العربي وعلى وجهه ابتسامة رضا وفي قلبه أمنية لاستمرار بث مثل هذه البرامج،ويأتي السؤال الأخير الذي يهرب بين خضم هذه الكلمات: أين قنواتنا العربية من اجتذاب الجمهور؟
تُشبه مباريات كرة القدم
يُشبه يوسف الحاي المذيع في قناة نور دبي البرامج الجماهيرية مثلها مثل مباريات كرة القدم التي تجذب شريحة ليست يسيرة أبدا من الجمهور ، موضحا في هذا الجانب أن البرامج ذات الجماهيرية هي التي يكون لها صدى كبير بين الناس،بل تكون حديث التقنيات الحديثة كالبلاك بيري والمجالس، إضافة إلى المجالس لافتا إلى تجربته الماضية في تقديم برامج المسابقات التي لاقت تفاعلا جماهيريا كبيرا ، مُبديا استعداده لتقديم برنامج جماهيري في وقت لاحق. ويتابع الحاي: هناك برامج جماهيرية جميلة ولكن وللأسف الشديد يفسدها أو يشوه مضمونها مذيع أو مذيعة سواء بسبب رداءة اللغة وكثرة الأخطاء أو بسوء الأداء وعدم فهم الكلمات المنطوقة.
برامج تجذب الملايين
تقول الفنانة والإعلامية غزلان في مؤسسة دبي للإعلام: للبرامج الجماهيرية ميزة من نوع آخر وهي أنها تستطيع في فترة زمنية بسيطة أن تجذب ملايين المشاهدين وأن تأخذهم مُـعظم الوقت،إن لم يكن طوال الوقت من القنوات الأرضية ، معتبِـرة أن السر في هذا يعود إلى المساحة الكبيرة من الحرية والقدر الوافر من الجُـرأة التي تتمتع بها المواد والبرامج التي تقدمها الفضائيات،التي استطاعت أن تسرق المشاهد وخاصة شريحة الشباب ، مشيرة الى أن البرامج الجماهيرية تعد في حد ذاتها مادّة خصبة للناس،مما يؤدي في النهاية لالتفاف الجمهور حولها.مُبدية أُمنيتها في تقديم برنامج جماهيري يتمحور في طرحه الاجتماعي على خدمة الناس،ويسلط الضوء على مشاكلهم بصورة واقعية بعيدا عن الطابع الوردي المثالي.
تتمتع بمصداقية عالية
وتُرجع الإعلامية فاطمة الظاهري هذه الجماهيرية العالية التي تحققها بعض برامج الفضائيات التي تزخر بها الفضائيات العربية إلى أنها تتمتّـع بمصداقية عالية لدى المشاهدين من خلال طرحها للقضايا،وكيفية مناقشتها على طاولة حوار تستضيف المسؤولين المعنيين ، مُشيرة إلى أن التكنولوجيا لعبت دورا كبيرا في ذلك ، مُوضحة أن المشاهد العربي في الماضي كان مجرد متلق يشاهد ما يريده الآخرون أصبح اليوم أمام طيف واسع من الاختيار وأصبح لديه الخيار ليشاهد ما يريده وهو بذكائه لا يختار بل لا يرضى إلا مشاهدة البرامج التي تحوم حول فلك واقعه،لاسيما وأن هناك برامج تستحوذ على اهتمام الجمهور فتستمر لمدة عام وعامين،وهناك برامج تمر مرور الكرام لتتوقف في فترة مقدارها ستة أشهر..ولأن الظاهري تعتبر الأخبار -عشقها الأول والأخير- فهي تأمل بتقديم برنامج يلاقي إعجاب الناس ويصل لمستوى الجماهيرية من خلال إطلالتها على الجمهور مستقبلا ضمن برنامج إخباري ثقافي.
منظومة من المحتوى والمذيع
أما محمد يوسف المذيع في قناة نور فيقول: هناك بعض الفضائيات التي تشد همتها لإطلاق برنامج جماهيري عبر شاشتها،لتصطدم بعد ذلك في الواقع بضعف إقبال الجمهور على المشاهدة لافتقادها إلى أسس هامة منها الإخراج الضعيف غير المنظم،وضعف نسبة الدعاية والإعلان فيها.
وهنا نوضح أن البرامج الفضائية عموما لا تنطلق جماهيريتها إلا بنقاط أساسية وهي مدى وضوح فكرة البرنامج،واستيعاب طاقم الإعداد لماهية البرنامج ورؤيته،بمعنى أن يكون البرنامج متعوبا عليه أساسا ،والأبرز هو اختيار المذيع المناسب الجيد وبث المضمون والمحتوى الجيد بأسلوب راق ومتألق يجذب الجمهور مؤكدا أن الجماهيرية تتحقق باختصار من خلال توافر منظومة متكاملة من المحتوى والمذيع.
تجربة عبر الأثير
ويوضح زاهر هرموش المذيع في إذاعة العربية أن جماهيرية البرامج لا تقتصر على كونها فضائية فقط،فهناك أيضا برامج إذاعية ذات قبول وانتشار وشهرة بين الجمهور المستمع ، متحدثا عن تجربته بقوله: في الفترة الماضية كنت أقدم برنامجا فنيا وهو «كيف كيفك»، وكان ممنوعا أن أقوم باستضافة فنانين عبر الأثير لمعرفة جديدهم وتسليط الضوء على أخبارهم، لذا كان المتنفس الوحيد هو فقط قراءة أخبارهم فقط! مضيفا: ومن خلال تقديمي في الفترة الحالية لبرنامجي الجديد «أوكسجين» لا أستطيع التعبير عن حجم سعادتي من خلال إعجاب الجمهور به، ولا أبالغ إن قلت اني أستمع لردود الفعل على الهواء، وعلى صفحتي أيضا على الفيس بوك.. والأجمل من هذا أن البرنامج أكسبني الكثير من الصداقات الجميلة مع الجمهور الذي تفاعل مع البرنامج لأنه وجد فيه فقرات منوعة تبث بصورة جذابة تشجعه على استمرار المتابعة.
