«وراء كل رجل عظيم امرأة» عندما نسمع هذه المقولة يتبادر إلى أذهاننا الزوجة التي أصبحت الماركة المسجلة للمرأة الظل التي أسهمت في صنع تلك العظمة، ناسين أو متناسين دور الأم في تكوين تلك العظمة التي سطَّرت لذلك الرجل أروع الحكايات يكتبها التاريخ بأحرف من ذهب يتجاذب على روايتها كلُّ من عايشوه أو أتوا بعده في عملية لأرشفة الذاكرة التي تزخر برجال غيروا مجرى التاريخ ببطولاتهم.
وبما أننا نتنسَّم عليل تلك الثورات التي أسفرت عن تغيرات جذرية لابد أن نسجل للأم موقفها الكبير في تلك الثورات، ولعل الاسم الذي يقفز تلقائيا إلى أذهاننا تلك الأم التي شاهدناها من على شاشة التلفزيون تمسح دموعاً تحكي رواية بطل كان الشرارة الأولى للإعلان عن تلك الثورات الخالدة، كفكفت دموعها لتقف من جديد تسترد قوتها في رباطة جأش تحكي لنا حكاية تربيتها وسهرها على صناعة رجل أصبح في يوم من الأيام العلامة التي فرَقت بين النور والظلام.
منوبية صبار في نعش الفساد
ولأن الأم الحنون منوبية أم البوعزيزي مفجر الثورة التونسية كأي أم تتدفق حناناً ينبع من صدق العاطفة هاهي اليوم تسطر ثورتها بأيد من نور تضيء به دروب الخائفين من ظلمة الأنفاق لتخرج بهم إلى رحاب أكثر إشراقاً، وهل يوجد أكثر إشراقا من الحرية يستلهم منها الإنسان نغمات الحياة يشدو بها عند مصادفته لكل جميل في هذه الحياة، بكت أم البوعزيزي مرتين مرة عند فقدان ابنها ومرة لانتصار الثورة فبين حرارة الدمعة وبرودتها يكمن دفء المشاعر الصادقة.
عند زيارة أحد المراسلين لها بدأت تتحسس ملابس ابنها وتغطي وجهها بتلك الملابس ليحتار المراسل في تفسير ماذا تفعل أهي بقية رائحة ابنها تريد أن تشتمها أم دموع حرَّة تمطر وجهها؟ ولكن هي في الحقيقة الاثنان، تتقلب بين عاطفتين ونارين وحبين.
فأم البوعزيزي التي تسكن حي النور بسيدي بوزيد والمشهورة بالصبار الذي أبت إلا أن تكون مثله، صبار يشرع شوكه في وجه الرياح التي تفكر في اقتلاعه فالحنان الفياض لم يمنعها أن تشد من عزم الثوار الليبيين بعد انتصار الثورة الخضراء الذي أوقدها ابنها فتمنت أن يكون حاضرا يعاين المشهد الذي كان يتمنى أن يرى إحدى زواياه فقط.
هذه الأم التي قالت إنها تشعر بالفخر بما قام به ابنها وبالدور الذي لعبه #في تحقيق التغيير في البلاد وقالت الأم التونسية إن الوضع ليس سيئا في تونس فقط وإنما في ليبيا أيضا وأوردت في هذا الصدد شهادة زوجها الذي حدثها عن سوء أحوال الناس في البلد المجاور.
وأشارت منوبية إلى أن #حالتها ليست الوحيدة#لأن أناسا كثيروٍن زاروها بعد اندلاع الاحتجاجات في البلاد وأبلغوها أنها ليست وحدها #التي فقدت ابنها وأن عائلات #كثيرة من المنطقة#فقدت أحد أبنائها لأنها تعرف تماما أن الأم مشاعرها واحدة، كما أعربت عن أملها في الذهاب إلى تونس العاصمة لإلقاء نظرة على المظاهرات المتواصلة هناك والتي #أطاحت بالرئيس المخلوع بن علي بعد حكم دام 23 عاما، وأضافت أنه من الجيد معرفة الدور الذي لعبه ابنها في تغيير مجرى الأمور في البلاد.
#تلك هم الأمهات اللائي لا يكللن ولا يمللن في نشر الفضيلة ولو كن في غاية التعب والإنهاك استطعن أن يسطرن أروع القصص إما بالأصالة أو النيابة أو التشجيع.
أم خالد سعيد زغرودة في ميدان التحرير
ليلى أم خالد سعيد التي أصبحت رمزا للتضحية من أجل الحرية وقدمت ابنها فداء لمصر ها هي اليوم تكفكف دموعها فرحا بالنتائج التي آلت إليها فقد ظهرت في الثاني من يناير إبان الثورة وهي في ميدان التحرير تنادي بأعلى صوتها: الشهيد خالد في الجنة وكلكم خالد سعيد وسوف تأخذوا بحقي.
وقالت: أعزي كل أمٍّ فقدت ابنها نتيجة التعذيب والنظام الجائر إن شاء الله سنأخذ حق المغلوبين على أمرهم.. كل أسرة فقد فيها طفل أو شاب أو فتاة، ثم ظهرت بعد ذلك في 22 من يناير قبيل الثورة بأيام لتقول: قوموا وانزلوا إلى الشارع فمن قعد في بيته فستكون نتيجته وخيمة يجب على كل واحد أن يدافع عن بيته، وسيكون يوم الخامس والعشرين من يناير يوما لمقاومة الظلم والتعذيب.
وراحت تسرد قصة ابنها الذي كان ضحية الظلم، معتبرة أن ما رأته صعب تصديقه وصعب نسيانه من بشاعة البطش الذي لحق بابنها، حيث حمَّست الشباب بأن ينزلوا وألا يخافوا عواقب هذه الخطوة: تشجعوا وانزلوا ولا تترددوا، سأنزل معكم وسوف يعطيني الله القوة الكافية للصمود، إن ابني لم يكن الضحية الوحيدة بل طال شبابا كثيرين، ربنا ينصر مصر، أشجعكم للنزول فيا ليت يتحقق الأمل بالنزول..».
وقبل ذلك لم تتردد بعد مقتل ابنها الذي اتهم بتعاطي المخدرات وعلى الهواء مباشرة قبل الثورة المصرية لضباط ومخبرين بأنهم أعدوا العدة للتخلص من ابنها، وأن شهود العيان أبلغوها أن مخبري الشرطة سحلوا خالد وضربوه بقسوة وكسروا أسنانه، قبل أن يصطحبوا جثته إلى سيارة الشرطة ويضعوا مخدراً في فمه.
ظهرت أم خالد في برنامج تلفزيوني وقدمت بلاغاً على الهواء للنائب العام تطلب فيه التحقيق في قضية ابنها، وأكدت أن ما يتم الترويج له على لسان عناصر الشرطة بأنه مدمن مخدرات غير صحيح بالمرة، وأنه ظل حتى اللحظة الأخيرة مثار تقدير واحترام كل من يعرفه.
تلك هي الأم التي تجمَّلت بالصبر وصرخت بأعلى صوتها بالحق ومن أجل الحق.. صرخات كانت كافية لإخراج ما كمن في الصدر من ثورات فأضحت الأم التي تستلهم قوتها من عاطفتها.
