أغلب الروايات التاريخية ترجح فرنسا كأول بلد يبتكر فكرة «يوم الأم» فلذلك حري بنا أن نفرد لها بحثاً يقف عند الجوانب المهمة التي أرخت لمسيرة هذه المناسبة لتأخذ نفَساً عالمياً، فيوم الأم في فرنسا كسائر دول العالم أخذت تأخذ الطابع الرسمي ودخلت إلى أجندات المواعيد الرسمية وإن كانت تتسم بالطابع الاجتماعي فهذه البلدة المشهورة بعدم تفويت مناسبة اجتماعية إلا وأعطتها بُعدها العاطفي حتى إنها لا تزال تحافظ على الطقوس القديمة للإبقاء على رمزية ذلك الاحتفال السنوي الذي يوافق الحادي والعشرين من مارس، فإذا كانت الاحتفالات في البلدان الانجلوساكسونية تعتمد على الطرق الحديثة في التسوق لاقتناء أجمل البطاقات والهدايا دون إهمال عامل المشاعر اتجاه الأم فإن عيد الأم في البلدان الفرنكوفونية هو المحافظة على ذلك الامتداد منذ القرن التاسع عشر الذي كان مقروناً بالعائلات الكبيرة فقط في ذلك الوقت، وكان تعزيزا لـ«خصوبة الرجال» الذين أصبحوا آباء وسياسيين، والذي جعل في الأساس لمكافحة تحديد الولادة حسب بعض الكتاب الفرنسيين القدامى.

 

تغيرات في التوقيت

وقد طرأ على توقيت هذه المناسبة تغيرات كثيرة في فرنسا فكان يوم 15 من أغسطس أول موعد يحتفل فيه بالأم الفرنسية حيث كان موعدا لاحتفال بولادة مريم العذراء إلا أن تم تغيير الموعد بـ9 مايو وهو اليوم الذي يتم فيه تسليم الوسام «للعائلة الفرنسية»، حيث حازت قصب السبق في هذا التاريخ «مكافأة للجدارة العالية للأم» حسب التقرير الحكومي، ونظرا للحالة السياسية المضطربة التي شهدها العالم في أثناء الحرب العالمية الأولى 1914-1918 والإنفلونزا التي ضربت العالم عام 1919 فلم يكن بد من الحكومة الفرنسية أن تخصص يوماً منتظماً للاحتفال بالأم إلى أن تم إنشاء نظام فيتشي بعد أربعينات القرن الماضي حيث تبلورت فكرة عيد الأم عند الجهات الفرنسية الرسمية حيث دخل عيد الأم الحيز التعليمي فكان من أساسيات التعليم العام والقانون الوطني تحت شعار «الله.. الوطن.. العائلة».

وحسب بعض المقالات التي كتبها موقع «عائلتنا» الفرنسية فإن الحكومة الأميركية هي صاحبة فكرة عيد الأم وذلك مراعاة لمشاعر جنودها الذين ابتعثوا إلى أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى فقد كانوا يكتبون في أعلى البطاقة التي تُبعث إلى أمهاتهم عبارة «يوم الأم» والذي كان ثاني أحد من شهر مايو، فقد كان المسؤولون العسكريون يشجعون الجنود على كتاب أجمل العبارات ليطمئنوا أمهاتهم بأنهم في مهمة نبيلة من أجل إعادة السلام إلى أوروبا.

 

الاسم والمسمى

عيد الأم مصطلح ابتكره الماريشال بيتان وأحله محل «احتفال الأمهات والعائلات الراقية» والذي أعطى الفرصة لاحتفال الأطفال بأمهاتهم حتى كانت المدارس مسرحا للاحتفال بالأم يشدو الأطفال بكلمات تُلقَّن لهم تعبيراً عن فرحتهم بالأم: «أمك تفعل كل شيء من أجلك. ابتكر المفاجأة الأجمل التي تقدمها لها. لا تجعل الفارق أبدا بين إخوانك وأخواتك. إذا قمت بعمل ما فلا تترك أمك تنظف من ورائك. بهذه التصرفات تجعلها أكثر سعادة. ساعدها وأنت مبتسم.

فقد كتبت جريدة «الموضة» الفرنسية في يونيو 1941 مقالاً عبَّر فيه عن التحول الكبير الذي جعل من الأم ليس مجرد رقم عابر في الأسرة تلبي رغبات الأسر من طبخ وكنس وما إلى ذلك «فقد أصبحت الأم جزءا لا يتجزأ من القيم الفرنسية، لقد ولَّت الأيام التي كانت الأم مجرد دمية».

أما الشركات الإعلانية فقد وضعت الأم في كامل أناقتها كوجه محبَّب في الإعلانات تعبيرا على الفخامة التي تتمتع بها المطاعم الفاخرة حيث كان «مطعم العائلة الفرنسية» من بين أفخم المطاعم التي يرتادها الناس متصدرة الأم الفرنسية واجهات تلك المطاعم.

 

مثالية الأم

عيد الأم اصطبغ بالصبغة الإنسانية لفرنسا وأهم ما قيل فيها ما ورد في كتاب «حب الأم» عام 1941: «الأمهات الفرنسيات.. أمهات أبطال وهادئات، يا أمَّنا لقد أُهملت مرات عديدة من قِبل الأمم المتحدة، الآن يمكنك التعويض.. لقد كنت تتشبعين حناناً وأنت تتعهدينا بالتربية، أما الآن فنحن متحمسون لردِّ معروفك، فاسمحي لنا أيتها الأم، باسم أبناء وبنات فرنسا، أن أقول لك شكرا».

في سنة 1947 أصبح الدين والمجتمع المدني يعترف بـ«مثالية الأم» صورة الأم المثالية في فرنسا أخذت أبعادا أكثر تعقيدا خاصة في نهاية ستينات القرن الماضي أشبه من التمرد والثورة وخاصة بعد فتح سوق العمل لدى النساء، فقد كانت الأم في ذلك الوقت مخيَّرة بين الأمومة أو عدم الاستمرار في الحياة العملية وبالتالي الحصول على إجازة الأمومة ما دفع ببعض الآباء الحصول على إجازة أبوية أو المطالبة بعدم إنجاب الأطفال.

ومنذ عام 1950 فقد اتخذت فرنسا يوم الأحد عيدا للأم بعد عيد العنصرة، كما تم تشجيع المعلمين في وقت يسبق العيد بأيام من خلال تعليم الأطفال والتلاميذ كيفية إعداد الهدايا الصغيرة، أما الفترة الممتدة بين 1960 إلى 1970 شهد تحولا كبيرا في المجتمع الفرنسي تزامنا مع «تحرير المرأة» قد أصبح المجتمع استهلاكياً من خلال تحرير المرأة ودعم ميزانية الآباء فالأطفال اصطلحوا على هذا التحول اتجاه أمهاتهم بـ«تحرير الأم» من خلال تقديم الأزهار وإهداء أجمل القصائد حيث تحول إل مهرجان في تلك الفترة لأكثر من 7ملايين من الأمهات.

 

وجهة نظر

تقول الكاتبة والفيلسوفة الفرنسية إليزابيت بادينتر ذات الثلاثة أطفال في كتابها «الصراع والمرأة والأم» الذي طبع عام 2010 أن اجتماع امرأة وزوجة وأم تقليدية مع دورها الاجتماعي في كيان واحد يُفضي إلى صراع معقَّد، معتبِرة أن الحركة النسوية مع ما تشهده من تسارع في الحركة العملية تراجعت إلى الطبيعة النسوية التقليدية وبالتالي أصبح التفكير في المرأة الأم أمراً مطروحاً بقوة، وذلك من خلال تعريض حياة المرأة للخطر وعدم توفير الرغبة الكافية أمام هيمنة الولادة والرضاعة الطبيعية في حياة الأم العاملة.

وبما أن فرنسا قد أعطت للمرأة حقَّ الأمومة والحضانة مُبدية رغبتها في إقحامها في الحياة الاجتماعية والمهنية من خلال الأعراف والقوانين فماذا عن المرأة في المستعمرات السابقة؟ سؤال أرادت من خلاله الكاتبة بونديتيه أن تسلط الضوء على العادات والتقاليد والطقوس التي تجري في تلك البلدان، والتي كانت في يوم ما تحتفل على الطريقة الفرنسية إلى أن قالت لابد أن الأمور اختلفت وخصوصاً بعد أن انجلت القوات الفرنسية إلا في بيوت معدودة، أما أولئك الذين تعلموا في المدارس والجامعات الفرنسية فلن يسلموا من ذلك الضجر الذي يلاحق العاملات الفرنسيات اللائي كنَّ في حاجة إلى مثل هذا اليوم يتذكر فيه العالَم أن هناك أمّاً تهز طفلها بيدها اليمنى لتهز العالم بيدها اليسرى.

وقد أشارت إلى أن لقب الأم ينسحب كذلك على العمة والخالة والجدة، فالأم مسألة نسبية ينبغي مراعاتها حفاظا على المشاعر ضاربة مثال لتلك العولمة التي اجتاحت حتى الحياة الاجتماعية بالسفر عبر العالم فإن الخدمات نفسها تجدها عبر مختلف الخطوط سواء الفرنسة أو الملكية المغربية أو الكندية تبدأ بالخدمات لتنتهي بالمضيفات والمضيفين.

أما الآن ففرنسا لا تزال تحافظ على تلك الطقوس محاولة بذلك أن يكون لها تلك الخصوصية التي مكنتها من أن تنال قصب السبق بين جيرانها عدا الرواية التي تقول إن الولايات المتحدة هي السباقة في ذلك، ومهما يكن فإن لفرنسا خصوصية تجعلها تتبوأ المقاعد الأولى للإتيكيت وخاصة فيما يتعلق بالأم التي تبقى حالة خاصة عند قلب كل إنسان.