ما ان تطأ قدماك ميدان التحرير وسط القاهرة، أو تمر من إشارة مرور في أي شارع بمصر، حتى يفاجئك باعة صغار ينادون على بضاعة غزت الشارع المصري أخيرا، يقولون (علم.. علم.. علم مصر يا أستاذ.. علم مصر يا بيه) بجنيهين وخمسة جنيهات وعشرة جنيهات.. باعة الصحف يعرضون إلى جوار الجرائد على الرصيف مجموعة متنوعة من الميداليات والبادجـات والاستيكرز تحمل شعارات ثورة 25 يناير.. وصورًا للشهداء.. كل شيء عندهم بجنيه..
قبل ثورة 25 يناير كان هؤلاء الصغار يبيعون المناديل الورقية والصحف في ذات الأماكن، لكن ثورة 25 يناير جعلت علم مصر بضاعة رائجة، اقتربنا من أحدهم بميدان التحرير، طلبت منه علما متوسطا قال «بخمسة جنيه يا بيه»، قلت: والعلم الكبير؟ رد: «عشرة يا أستاذ، والعلم الصغير باثنين جنيه، يلا يا أستاذ خلصنا عايز إيه؟» قلت علمًا كبيرًا وآخر متوسطًا، قال: 15 جنيه، قلت: كتير.. فرد: «13 كويس آخر كلام».. أعطيته المبلغ وحملت العلمين وانصرفت.
وعلى مسافة تبتعد عدة أمتار عن مجال الحركة في ميدان التحرير جلست سيدة تبدو في الخمسينات من عمرها، تجلس أسفل إحدى البنايات الكبيرة وأمامها عدة صناديق كرتونية مملوءة بالأعلام من مختلف الأحجام، كانت تتابع حركة الأطفال في الميدان وهم يلتقطون إشاراتها بين الحين والآخر.. ألقينا عليها السلام، وسألناها: أنتِ منين يا حاجة؟، ومن دون أن تسألنا عن شخصيتنا أو مهمتنا استشعارا منها لأهمية مزعومة..
ردت على الفور: «أنا من حي الحلمية الجديدة (أحد أقدم أحياء القاهرة وأكثرها شعبية) أبيع الأعلام هنا من يوم 26 يناير بعد بداية الثورة بيوم واحد.. أنا بصرف على كوم لحم»، وتابعت: «ربنا ما بينساش حد.. الحركة وقفت في الميدان ووقفنا بيع المناديل لكن ربنا رزقنا بالأعلام.. نأخذ العلم بجنيه من التاجر ونبيعه باثنين والعلم اللي سعره خمسة جنيه نشتريه بأربعة والعلم أبو عشرة نشتريه بتسعة، والحمد لله نكسب».
وتكمل: «أنا عندي خمسة أولاد وزوجي متوفى وكلنا نبيع ونشتري والحمد لله.. عندنا غرفة نعيش فيها في الحلمية وابني الكبير استأجر شقة في المقطم ليتزوج فيها، لكنه غير قادر على دفع الإيجار، طلب مني فلوس، لكن أنا أجيب له منين؟، قلت له: بيع أعلام مع أخواتك وساعدنا وساعد نفسك.. وبالفعل يقوم الآن بشراء البضاعة من التاجر ويوزعها على أخواته في إشارة مرور الإسعاف (على بعد كيلو متر واحد تقريبا من ميدان التحرير)، ويجمع منهم الفلوس ويسلمها لي، وآخر اليوم أعطيه حقه (50 جنيهًا في اليوم) وكلنا نجمع حوالي 100 جنيه أخرى.. والأمور ماشية والحمد لله».
أزواج يعيدون اكتشاف أنفسهم في مظاهرات مصر
الثورة تحل عقدة الخرس الزوجي عند المصريين
بينما عانت أغلب الأسر المصرية من ظاهرة «الخرس الزوجي» على مدى سنوات طويلة قبل ثورة 25 يناير، فاجأت أحداث الثورة الأزواج فقضت خلال أيامها الثمانية عشر على جميع العقد.. وبدلا من الصورة النمطية للزوج الذي يضع وجهه في إحدى صفحات الجريدة بمجرد عودته إلى المنزل حتى لا يتحدث مع زوجته، التي تدعي هي الأخرى أنها مشغولة في المطبخ أو بترتيب غرفة أخرى غير الغرفة التي يجلس فيها الزوج تجنبا للكلام معه في مشاكل البيت والأولاد، ومشاكلهما الثنائية..أصبح الزوجان يتحدثان.. فبمجرد عودة الرجل إلى المنزل تسأله زوجته عن الوضع في الشارع، وفي المقابل يكون الزوج شغوفا بالحديث عن مشاهداته وما سمعه من زملائه عن الثورة وأحداثها..
الأولاد بدورهم دخلوا على الخط وشاركوا والديهما الحديث ، طالبين السماح لهم بالخروج إلى الشارع ومشاركة الناس في المظاهرات.. ومع الإلحاح يرضخ الرجل لرغبة أولاده ويصطحبهم مع زوجته التي لم يخرج معها ربما منذ سنوات.. الرجل يفاجأ بسلوك زوجته الحضاري والابتسامة والحماس يملآن وجهها وهي ترفع الأعلام وتهتف مع المتظاهرين «يسقط.. يسقط حسني مبارك».. «هو يمشي.. مش هنمشي».. الأولاد فرحون يتحركون وسط الجموع.. يتوهون في الزحام تتفرق العائلة وبعد عدة ساعات يعودون جميعا إلى مكان اتفقوا على اللقاء عنده إذا ما تفرقوا.
يعودون جميعا إلى المنزل آخر الليل ويتبادلون الحديث معا.. كأنهم يكتشفون بعضهم لأول مرة.. فعينا الزوجة تبرقان بشيء جديد.. إنها هي نفس الزوجة التي ذبلت عيناها من دخان المطبخ وغازات تسوية الطعام ورائحة البصل، إنها الفتاة ذاتها التي تزوجها قبل أكثر من عشرين عاما.. كان يعتقد أنها ذابت مع ركام السنين.. الزوجة اكتشفت أن زوجها شاب يشمر عن ساعديه ويجري مع الشباب يهتف معهم، يساعد الجرحى ينقلهم إلى العيادات الميدانية.. إنها مذهولة فزوجها مازال شهما ذا نخوة كانت تعتقد أن النذالة أصابته في مقتل.
قبل أن يناما نظرا في عيني بعضهما خجلا من نفسيهما.. وتساءلا دون أن ينطق كلاهما: علام يختلفان؟.. وأجابا دون أن ينطقا أيضا: لا شيء.
هذه الحادثة حكتها لـ«الحواس الخمس» إيمان .ع .ع وزوجها م. ص. والسؤال: ماذا حدث للزوجين؟.. نعرض الحالة على الدكتور أحمد عكاشة، عالم الطب النفسي، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، فيقول: إن الثورة تحرر الإنسان من داخله، تكسر القيود التي يضعها هو أو تضعها الظروف حوله.. الثائر يتخلص تلقائيا من الحقد والكذب والنفاق والكراهية.. إنه إنسان مثالي يقدم حياته فداءً للآخرين، لذا يبدو أمامه أي شيء آخر من الصغائر.
وأشار إلى أن وحدة الهدف التي جمعت المصريين أنستهم أمراضهم النفسية، فالكل سواسية، جميعهم يتظاهر من أجل هدف واحد سيعود على الجميع شاء من شاء وأبى من أبى .. الناس انضبطت في الشارع بدون شرطة بدون جهاز أمن، فما بالك بالمنازل؟
وأضاف: حتى جارك الذي ربما لم تتحدث معه منذ عام اكتشفت أنه إنسان رائع حين تحدثت معه وهو يقف إلى جوارك في اللجان الشعبية.. إذن العلاقات الاجتماعية ممكنة.. فما بالك بزوجتك التي تشاركك المنزل.. إنها تتظاهر وتهتف وتشارك وتهتم بدوائر تتجاوز حدود المطبخ والمنزل.. إذن العلاقة الزوجية الحقيقية ممكنة.
