كان الجد يملك مرسماً في أحد أحياء دمشق، لكنه لم يكن رساماً محترفاً، إنما رساماً محلياً اجتمعت لديه الخبرة لرسم لوحات (حسب الطلب)، لأشخاص أو بيوت أو مناظر طبيعية، هذا المرسم الصغير شهد أول تفتح لموهبة النحات محمد الناطور 1984، فهناك اعتاد الطفل أن يزور جده بشكل دوري، وبدأت علاقته تنمو مع عالم الرسم والألوان، فبدأ برسم بعض الشخصيات الكرتونية، ثم ما لبث أن انتقل لينسج علاقةً قويةً مع الأخشاب المتوافرة في المرسم، فيعمل من خلالها على نحت وتجسيد شخوص وبيوت ومناظر مختلفة.
لم تسمح الظروف المادية له بمتابعة دراسته الأكاديمية، لكن هذا لم يمنعه من المثابرة على حلمه في النحت، فبدأ يتردد على كلية الفنون الجميلة في دمشق، ومعهد الفنون التطبيقية، ليتلقى من أساتذتها بعض المبادئ، ويساعده فيها بعض زملائه ممن تخصصوا في الفن التشكيلي، كذلك واصل الدراسة في المعهد الأميركي للغات بدمشق: « كي أتمكن من الاطلاع على الآداب والفن الإنجليزي بلغته الأصلية» .
ويضيف الناطور:«بعد تمكني من اللغة الانجليزية بدأت بترجمة روايات وسير ذاتية لأهم الفنانين والأدباء في العالم مثل ليناردو دافنشي وبابلو بيكاسو وسلفادور دالي و مايكل أنجلو وأرنست همنغواي ووليم شكسبير وغيرهم...» .
عمل ضخم
في عام 2004 انطلق بأول عمل نحتي ضخم، وكانت محاولته أن يدخل هذا العمل موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر عمل تجسيدي لسفينة فينيقية، لكن العمل لم يحظ بهذه الفرصة، لوجود عمل أضخم منه في إحدى الدول الأوروبية:« علماً أنني أنجزت السفينة الفينيقية بمفردي، بينما تشارك أكثر من 5 آلاف شخص على إنجاز السفينة التي دخلت الموسوعة العالمية للأرقام القياسية» .
لم يتنازل الناطور عن حلمه في تسجيل اسمه ضمن الموسوعة العالمية للأرقام القياسية، لذلك انطلق قبل حوالي السنة بمشروعٍ جديد وهو عمل نحتي يجسد مدينة دمشق القديمة بأهم معالمها، ضمن مساحة تصل إلى 1 كم مربع، قابلة للفك والتركيب إلى قطع تصل مساحة الواحدة منها إلى متر مربع واحد، بحيث يمكن نقله وعرضه في دول ومعارض مختلفة، كما يمكن للزائر أن يدخل ضمن المجسم عبر ممرات خاصة تمكنه من التعرف على أهم معالم المدينة القديمة عن قرب.
جمالية العمارة
جمالية العمارة ودقة البناء لأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ هو ما دفع الناطور إلى تجسيد دمشق في عمله الفني، فبدأ بأخذ التفاصيل والقياسات لأهم المعالم الأثرية والسياحية في المدينة القديمة، كالجامع الأموي وكنيسة حنانيا والمكتبة الظاهرية وقصر العظم والمدرسة الجمقمقية ومكتب عنبر والكنيسة المريمية،إضافةً إلى أبواب دمشق السبعة وسورها القديم.
بعد عام تقريباً على البدء في مشروعه انتهى من تصميم كامل للجامع الأموي، وهو واحد من أهم معالم المدينة القديمة، بمساحةٍ بلغت 64 متراً مربعاً، ويتضمن مجسم الجامع أكثر من 900 ألف قطعة خشبية صغيرة إضافة إلى أعمال الزخرفة والفسيفساء والحفر الموجودة على جدرانه ويمكن:« لهذا المجسم وحده أن يدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر مجسم للجامع الأموي في العالم» .
لا يعتمد عمل الناطور على موهبته في النحت فقط، إنما أيضاً يرفده بقراءة دائمة لكتب المؤرخين عن مدينة دمشق، لأنه يريد أن يضمّن المعالم التي يجسدها في مشروعه لوحات باللغتين العربية والانجليزية، تتضمن أسماء هذه المواقع وتاريخ إنشاءها وفترات ازدهارها إضافةً إلى السنوات التي خضعت فيها للترميم، كذلك وقبل مباشرته البدء في هذا المشروع الضخم اتبع دورات متتالية في الالكترونيات كي يؤمن الإضاءة المناسبة لمشروعه أو بالأحرى لمدينته الحلم.
أما الناحية الفنية للمشروع، فيميل فيها الناطور إلى استخدام أنواع من الأخشاب المتوافرة في السوق السورية، كذلك لا يعمد إلى تلوين هذه الأخشاب بألوان كالمائي أو الزيتي كي يحافظ على جماليتها الطبيعية فقط، ويحاول أن يعالجها دون الإساءة للونها الطبيعي، وهو يؤكد أن هذا يعطي :«جماليةً أعلى وروحاً أعمق للعمل الفني الذي أسعى لإنجازه». لذلك يلجأ إلى استخدام أخشاب مثل الزيتون والجوز والحور والدف والزان والتوت والكينا، إضافة إلى استخدام عناصر معدنية كالحديد والنحاس لتنفيذ أسوار الشرفات والشبابيك ضمن مجسمه الضخم للمدينة القديمة.
يتضمن المشروع أيضاً تنفيذ بيوت لعدد من الآدباء والفنانين والمشاهير الذين عاشوا في دمشق، فيعمل على تصميم منزل الشاعر السوري الراحل نزار قباني الذي يقع في حي القيمرية من دمشق القديمة، كذلك سينجز منزل أبي خليل القباني الملحن والمسرحي السوري الشهير، ولن يقتصر العمل على هذا فقط بل يؤكد:«سأعمل على تسمية بعض المعالم والشوارع بأسماء عدد من الآدباء والفنانين العرب والسوريين على حد سواء، وقد بدأت بوضع قائمة بأهم هذه الأسماء، وتضم بعض الأسماء لفنانين وأدباء راحلين إلى جانب من هم أحياء أيضاً، في محاولة مني لحفظ قيمة هؤلاء والاعتراف بفضلهم، كل في المجال الذي أبدع فيه».
إلى جانب معالم مدينة دمشق القديمة قرر الناطور أن يضيف مجسماً نحتياً كبيراً لكنيسة القيامة إلى عمله، يضم معالم الكنيسة وأهم ما فيها، معتمداً في تنفيذ هذا المجسم على المعلومات التي جمعها من رجال الدين المسيحي، إضافة إلى الصور التي بحوزته عن هذا المكان :« كنت أرغب دائماً بزيارة كنيسة القيامة في مدينة القدس، لكن ظروف الاحتلال تمنعني من هذا، كما تمنع كثيراً من الناس في هذه المنطقة سواء كانوا من المسلمين أو المسيحيين من زيارة هذا المكان، لذا قررت أن أستعين بالصور والدراسات لإنشاء مجسم لهذه الكنيسة ضمن مشروعي الذي أنفذه عن دمشق القديمة، ومنها أريد أن أؤكد أيضاً على حقنا في هذا المكان».
إلى الآن مضى عام تقريباً على بدء المشروع، ويأمل محمد الناطور أن ينجز عمله خلال أربع أو خمس سنوات كحد أقصى، رغم صعوبة الظروف التي يعمل بها، خاصة من ناحية عدم تفرغه الكامل للعمل في المشروع، وذلك نتيجة اضطراره لمزاولة مهنة أخرى لأنه قرر أن يمول مشروعه بشكل ذاتي، وهو يأمل لو يجد جهة ما تدعم مشروعه من الناحية المادية فقط، لينطلق بعدها في عرضه على نطاق واسع وأمام جمهور أكبر.
