على صفحة الماء أسير بمركبي الضيّق، وأتعرّف على كائناتٍ أرى لديها ترحيباً، وأخرى ترفض تقبّل ذلك الدخيل. مُغامرٌ بين أشجار المنغروف، في بيئةٍ إستثنائيّة لم أحلم يوماً الخوض بها. قنواتٌ ضيّقة لا تكشف عمّا يليها، وطيورٌ تفرش أجنحتها لدى الشعور بتهديد البشر الغُزاة.

هذه هي الرحلة المُفعمة بالأدرينالين في خور إمارة رأس الخيمة...

 الاجتماع في المخزن ضروريٌّ قبل أيّ خُطوةٍ أخرى، فمن هناك انتقيت قاربي وتعلّمت مبادئ التجديف، الذي كنت أسمع عنه فقط في النشرات الإخباريّة حول الألعاب الأولمبيّة بين العام والآخر. معدّات كثيرة عليّ اختيارها، تبدأ بالحذاء المضادّ للماء والزحلقة، ولا تنتهي عند النظّارات الشمسيّة التي لا بدّ سأحتاجها في رحلة تجديفٍ تأخذ وقتها بين العاشرة صباحًا والثالثة ظُهرًا.

بعد التجهيز، قُمنا بتحمل القوارب والمجاديف على العربة الموصولة بسيّارة الدفع الرباعيّ، التي أوصلتنا من المركز الرئيسيّ للشاهين للتدريب والمغامرات إلى نادي ضبّاط الشرطة في مدينة رأس الخيمة. بمجرّد وصولنا إلى المركز، عمل كلٌّ منا على إنزال قاربه، وبدأت بعد ذلك جلسة التدريب المُختصرة، والتي تعلّمت فيها مبادئ استخدام المِجداف، وموازنة القارب على الماء.

من أهمّ قواعد موازنة القارب، إبقاء القدمين ممدودتان، والتجديف باستخدام السواعد من منطقة الأكتاف. تكون اليد اليُمنى ثابتةً في نقطةٍ معيّنة من المجداف، في حين يُترك المجال لليد اليُسرى كي تلتف وتُعطي مساحةً لراحة المُجداّف. وفي نفس الوقت تسمح لطرفي المجداف النزول إلى الماء بشكلٍ عموديّ لتجنّب مُقاومة الماء. يُفترض بقامة المُجدّف أن تبقى مرتفعةً، كي يلتصق ظهره بالمسند الخلفيّ، وهذه الوضعيّة تجعل رؤيته أكثر وضوحًا بالوقت ذاته. ومن أكثر الأمور إثارةً بالنسبة لي، كانت التقنيّات البسيطة للتحكّم بالقارب، استدارته وموازنته. فالقوانين الفيزيائيّة البسيطة التي لا تبدو مهمّةً بالنسبة لنا، ترسم مخطّط الرحلة التي نسير بها، والقارب الصغير الذي لا يحمل سواي، هو صورةٌ مصغّرةٌ عن سفينةٍ هائلة تهيم في مياه المحيطات محكومةً بالقدر، وبعضٍ من قوانين الفيزياء.

الاستدارة في البداية ممتعةٌ جدّاً، تتلخّص في تغيير تواتر التجديف، فعوضاً عن التجديف إلى اليمين ومن بعده اليسار، دفعتان إلى اليمين كفيلتان بتحويلك يساراً. ولزيادة السرعة، يُمكن عكس الدفع من الناحية اليساريّة، والتجديف نحو الخلف، وبهذا يُمكنني الدوران بقيمة 081 درجة وأنا في البقعة ذاتها.

لدى نهاية جلسة التدريب، والانطلاق في الرحلة، يتحوّل القارب إلى قطعة من جسم المُجدّف. يتوحّد مع القارب والمِجداف، وينسى من حوله، على الرغم من أنّ أولئك يُحاولون شرح الطريقة المُثلى للوصول إلى المكان الذي سنأخذ فيه الاستراحة، لتناول وجبةً تزوّدنا بالطاقة قبل بدء رحلة العودة.

 

بعيداً عن الشاطئ

في نُقطة معيّنة، لدى ابتعادنا عن الشاطئ، والاقتراب من أجمات المنغروف، تظهر الأحياء التي لم يكن لنا أن نقترب منها إلى هذه الدرجة على الشاطئ. والكثير منها كان يخاف ويطير جرّاء اقترابي منه، والبعض يتحلّى بالشجاعة، نظرًا لحجمه الكبير شأن طائر الفلامنغو، ويترك لي المجال للاقتراب إلى مساقة أقصر، إلا أنّه ما يلبث أن يعتبرني خطراً، ويطير مُبتعداً تاركاً لي الأجمة وما عليها.

ومن بين الأحياء التي كنت أُصادفها، وهي بالطبع جزءٌ من المتعة التي تمنحنا إيّاها هذه التجربة، الأسماك الطائرة. فكثيراً ما أكون

متأملا بالسكون المحيط بيّ، ومستمتعًا بصوت صفعات المجداف لصفحة الماء، وينكسر ذلك الهدوء بخروجٍ مفاجىء لمجموعات السمك الطائر من قلب الماء، لا أدري لماذا، علّه استعراضٌ للقدرة على غزو فضائنا إذا ما كانت هي تعتبر أنّ رحلتي في بيئتها هو غزوٌ لمحيطها الخاص.

بعد الالتفاف عند جزءٍ ممتدّ من اليابسة المغطّاة بأشجار المنغروف، يظهر الشاطئ بعيداً من الناحيتين. وفي اللحظة ذاتها، أبدأ بالشعور بأنّي متخلّفٌ عن فريقي، بعضهم سبقني بمسافةٍ كبيرة، وعلى الرغم من أنّني كنت الأوّل، إلا أنّني لم أشعر بهم يتقدّموني، وبات عليّ بذل جهدٍ أكبر في نفس الوقت الذي شعرت به بأنّ التيار أو الرياح بدأت تُعاكس دفع قارب، والتسارع الذي كنت أجدّف به بات تباطؤًا. في تلك اللحظة انتابتني الرهبة، فبقدر ما أعشق البحر والماء ورياضة السباحة، أنا الناشئ في بيئةٍ ساحليّة، كان للهدوء حولي وقعٌ غريب. ومع وقف التجديف، والتوحّد تماماً مع أصوات الطبيعة، ونفحات النسيم تهزّ القارب الذي لم أعد أخاف انقلابه، شعرت برغبةٍ في أن أبقى في تلك النقطة لفترةٍ طويلة فقط للتأمّل. إلا أنّ الواقع أيقظني مع أصوات المدرّب الذي راح يتذمّر من تأخّري، فاضطررت إلى التجديف بسرعةٍ للحاق بالمجموعة.

في لحظاتٍ قليلة، مع الصحبة الممتعة بالتأكيد، كُنّا قد اقتربنا من شاطئ أحد المراكز التجاريّة، المكان الذي سنتناول فيه وجبتنا لاستمداد الطاقة للعودة. بعد الاقتراب من الشاطئ، لاحظت تجمّع بعض الناس للتعرّف إلى هذه المخلوقات الغريبة القادمة من بين أشجار المنغروف بثيابهم الرياضيّة، وقواربهم الصغيرة، ولكنّ كنّا في حالةٍ من الجوع لم تسمح لنا بالالتفات إليهم، فهرعنا إلى ردهة الطعام داخل المول.

عودةٌ أكثر هدوءاً ومتعة

لم تطل فترة الاستراحة، فكان علينا العودة ضمن الوقت المحدد، لأنّ ذلك جزءٌ أساسيّ من المُغامرة كاملةً. ولكن قبل الانطلاق في طريق العودة، كان لا بدّ لنا من الوقوف مع المعجبين اللذين التمّوا حول القوارب. بعضهم كان يلتقط الصور معها، وطلب منّا البعض الآخر أن نظهر في صورهم. فتكلّمنا إليهم قليلاً وأنزلنا القوارب مجدّداً إلى الماء، وبدأنا التجديف في طريق العودة.

في بدايته، لم يكن طريق العودةٍ ممتعاً، ولكن عند نقطةٍ ما حين غطّت الغيوم أشعّة الشمس، وتحوّل التيّار ليطلب منّا جهداً أكبر في التجديف للحفاظ على مسارنا، زادت الإثارة ولا سيّما مع التحوّل عن الطريق الاعتياديّ. فقد اختار المدرّب أن ندخل في أدغال المنغروف، ويُمكننا بالفعل تسميتها أدغال، لأنّها مناطق لم أكن أتوقّع أن لها وجوداً في الإمارات. قنواتً ضيّقةٌ للغاية، وطويلة، ضحلةٌ في بعض الأماكن وعميقةٌ في أماكن أُخرى.

لا أُخفي أن شيئاً من الخوف المحفوف بالإثارة ساورني لدى بعض الالتفافات. فعلى الرغم من إدراكي لأنّ تلك المنطقة ليس فيها أيّ حيوانات مُفترسة أو كائناتٍ غريبة، إلا أنّ الالتفافات الضيّقة للغاية، والدروب المائيّة المُحَاطةُ بصفّي شُجيرات المنغروف، ذكّروني بأفلام هوليوود. تلك المُغامرات التي تبدأ بهدوء لا نوشك أن نطمئنّ إليه، حتّى يُفاجئنا مخلوقٌ غريب يأتي على كلّ شخصيّات الفيلم، باستثناء البطل، الذي لم أفترض نفسي بشخصيّته على الإطلاق.

ولكي تزيد الإثارة، في أكثر من زاويةٍ على درب قناة المنغروف، رأيت قوارب مهجورة، وعلى الرغم من أنّني كنت واثقاً بأنّ أصحابها أحياءٌ يُرزقون، فالماء لا يزيد عمقه عن المترين، إلا أنّني كنت أسأل المُدرّب لتطمئنّ نفسيّ أكثر.

لُحسن الحظ لم أكن مضطرّاً للقلق أكثر، فمع نهاية القناة رأيت منظرًا كنت قد ألفته، وهو المبنى المجاور لنادي ضبّاط شرطة رأس الخيمة. لأعلم أنّ التجربة، المُرهقة والمثيرةَ في آنٍ واحد، أوشكت على نهايتها. فلم يبقى أمامي سوى ضرباتٍ قليلة من المجداف قبل أن أعود إلى المكان الذي رُكنت فيه سيّارتنا.

جدّفوا بأنفسكم

 يمكن لقرّائنا الراغبين بالمُشاركة في هذه المُغامرة زيارة موقع الشاهين على الشبكة الإلكترونيّةwww.alshaheenme.com، أو الاتّصال بهم على الرقم (171544270)، للاستعلام عن هذه النشاطات، التي يتمّ تنظيمها لمجموعاتٍ تزيد عن ثمانية اشخاص.

 

مسار الرحلة

 تمتدّ رحلة التجديف مسافة 6 كيلومترات، تبدأ عند شاطئ نادي ضبّاط شرطة إمارة رأس الخيمة نحو المنار مول لتناول وجبة الغداء، ومن ثمّ العودة إلى نقطة الانطلاق. تتنوّع خيارات طريق الذهاب والعودة حسب اختيار الفريق، حيث أنّ هنالك اكثر من درب تختلف عن بعضها البعض بالمناظر الطبيعيّة التي يمرّ المجدّف بها.

 

عدّة التجديف

 تتضمّن عدّة التجديف، إلى جانب القارب والمِجداف، الحذاء العازل ونظّارات الشمس التي لا تتأثّر بالماء، وسترة النجاة، والسروال القصير غير القابل للبلل. أمّا بالنسبة للأجهزة الإلكترونيّة التي كنّا نحملها معنا من لوازم التصوير، فهنالك حوافظ خاصّة بها، عازلة للماء تمامًا تحميها من الأذيّة.

 

أنواع القوارب 

هناك نوعان من قوارب التجديف، الأوّل الصغير اسمه »سيت أون توب«، ولا تسهل موازنته، ولكنّ تدويره في الماء سهلٌ للغاية. والنوع الآخر، الذي يُسمّى »سي بوت«، أطول وأوسع وموازنته أسهل، إلا أنّ استدارته في الماء تتطّلب جهداً ومهارةً عاليين. ويتميّز النوع الثاني باحتوائه على مساحةٍ أكبر للتخزين، حيث أنّه يُستخدم في الرحلات الطويلة التي تتطلّب اصطحاب مؤن، وعدّة تخييم في بعض الأحيان.

 

خلل التوازن

 في أوّل لقاءٍ لي مع الأسماك الطائرة، والتي لم أتوقّع أنّها تسبح بمجموعات، فاجأتني مجموعةٌ كبيرة، وكان ذلك في بداية الرحلة، فلم أكن قد تمكّنت بعد من موازنة قاربي بشكلٍ جيّد، فوقعت على إثرها بالماء، ولكن لحسن الحظّ، كنت قد تعلّمت كيفيّة قلب القارب، والعودة إليه من دون ومساعدة، وهذا ما حصل بالفعل.

 

الشاهين

خالد الطّنيجي، مدير العمليّات في الشاهين، المركز الوطني للتدريب على المغامرات، استقبلنا لدى العودة إلى الشاطئ ليأخذ آرائنا بالتجربة بشكلٍ عام. وزوّدنا ببعض المعلومات حول مركز »الشاهين« الذي وصفه بأنّه مركزٌ هام يهدف إلى توظيف طاقات سكّان دولة الإمارات، مواطنين ومُقيمين، في نشاطاتٍ رياضيّة وحيويّة استثنائيّة. تهدف للتعرّف على طبيعة بعض المناطق في الدولة، واستثمار الطاقات الشبابيّة في مسارٍ صحّي.