في السنوات العشر الأخيرة، شهدت السينما المحلية محاولات مخاض وولادة للعديد من الأفلام التي لا ينطبق عليها مصطلح الاحتراف الكامل لكنها تميل إلي كونها تجارب، شكل من خلالها شباب وشابات يهوون الفن السابع تيارا ساهم في الخروج من حالة الركود، ولفت الانتباه إلي واقع يبحث عن محفزات قوية لإيجاد صناعة سينما في مجتمع طالما اعتبرها غريبة عنه.
ومع أن الحركة السينمائية بدأت متأخرة في الإمارات وفق كل المقاييس والمعايير، إلا أن الزيادة الملحوظة في عدد الأفلام القصيرة الكثيرة جدا والطويلة التي تعد على أصابع اليدين، يظهر مؤشرا واضحا لدور متميز تلعبه المرأة في رحلة ليست سهلة بل شديدة الإرهاق والمعاناة تتواصل مع حلقات سابقة مماثلة من تاريخ السينما العربية، ما جعل بعض النقاد يستخدمون تعبير (سينما المرأة) لتوصيف ما تقدم عليه المرأة من أعمال في مجال السينما، وهذا التخصيص جائز في ظل عوامل ساهمت للأسف في تهميش دور المرأة وتحويلها من كائن إلي تابع ومن فاعل إلي مفعول به ومن مشارك إلي موافق.
وتسمية (سينما المرأة) قد تبدو عند البعض مضللة واستخدام تعبير (صورة المرأة في السينما) هو الأقرب من وجهة نظرهم، لأن تلك المسألة تثير الحساسية وردود الأفعال، وتدخل أحيانا في نطاق ما هو محظور، بل إن البعض يتعمد الوصول بها إلي تساؤل، من هو أكثر قدرة على التعبير عن سينماها ـ الرجل أم المرأة.
ومما لا شك فيه أن الأمر يحتاج إلي رصد اجتهادات المرأة الإماراتية في السينما وعوائق وعراقيل استمرار عطائها والتركيز على إنتاجها وقدرتها على التعبير في هذه المرحلة بالذات، خصوصا وأنه لا يستطيع أحد إغفال دور وصورة المرأة في السينما العربية كرائدة ومبدعة وقضية، فمحاولاتها الحديثة بعد القديمة شكلت دون قصد ملامح لـ(سينما المرأة) التي على أساسها انطلقت كل الأعمال السينمائية على امتداد الوطن العربي.
وتشعر السينما العربية بالفخر والامتنان تاريخيا للمرأة، بوصفها الرائدة التي ساهمت في وجود وتطوير هده الصناعة، ومن الأسماء التي نجحت في تحقيق هذا السبق نذكر مثلا فاطمة رشدي وعزيزة أمير وأمينة محمد وآسيا وماري كويني وأنعام محمد علي ونادية حمزة وإيناس الدغيدي وأسماء البكري وساندرا نشأت وكاملة أبو ذكري من مصر، وواحة الراهب وهند ميداني من سوريا.
ورندة الشهال ومي المصري وماريان خوري من لبنان، ومفيدة التلاتلي ونجية بن مبروك من تونس، ويمينة رشيد شويخ من الجزائر، وإيمان المصباحي ونرجس نجار من المغرب، وأخريات شكلت بصماتهن ملامح صورة المرأة في السينما العربية، أما في السينما الإماراتية فالأمر يختلف شكلا وموضوعا وإن كانت النوايا حسنه، لأن بعضهن تأخذهن الوظيفة ومسؤوليات الأسرة فينسحبن تدريجيا من الصور.
وتبقى الأخريات يواصلن مواجهة تحديات ظروف (التمويل والإمكانيات التقنية والفنية واكتساب الخبرة) والبحث عن موضوعات تقفز فوق حواجز كثيرة للتعبير عن أفكارهن وطموحاتهن، ومن تلك الأسماء نجوم الغانم ونايلة الخاجة ومنال بن عمرو وراوية عبد الله ونجلاء الشحي، وأخريات لا زلن في بداية الطريق وتشكل أفلامهن نقاط صغيرة متناثرة في مشوار الألف ميل.
وفي السطور التالية يسلط (الحواس الخمس) الضوء على هذه الظاهرة ويتوقف عند بعض الأسماء والتجارب من خلال آراء صناعها، راصدا معطيات وإفرازات سينما المرأة التي تتبلور ملامحها في ساحة حراك صناعة السينما بالإمارات.
شهدت صناعة الأفلام داخل الدولة مؤخرا تطورا كبيرا، ساهم في حراكها وانتشارها المهرجانات السينمائية في دبي وأبوظبي، بالإضافة لدعم وتشجيع بعض المؤسسات من خلال التمويل والدفع بتلك الأعمال إلي الشكل اللائق دون تهميش أو مبالغة.
وتأتي إنجازات المرأة الإماراتية في تلك المسيرة مترجمة لوعي جيل جديد في التعبير عن قضايا المرأة، ورغم الصعوبات التي تواجهها الإماراتيات في كواليس العمل السينمائي، استطاعت بعض المخرجات النجاح والقفز فوق العديد من الحواجز من أجل الوصول إلي طريقة ووسيلة للتعبير عن نفسها.
ترى المخرجة نجوم الغانم أن نسبة كبيرة من الأفلام حتى الآن لا زالت تدور في فلك المجتمع، ولم يتم طرح قضايا المرأة بصورة عميقة في أعمال روائية أو وثائقية، لأن طبيعة المجتمع رغم انفتاحه لا تتح التعبير بجرأة عن بعض الأمور الحساسة التي تقدم بحذر وكثير من الدبلوماسية، وتواصل نجوم قائلة:
هذا بالإضافة إلي أن المخرجات اللاتي يتعرضن إلي تلك القضايا لا زلن في مرحلة التعليم الجامعي، وبالتالي لا تخرج هذه الأفلام عن كونها تجارب ضعيفة من حيث الخبرة وتبقى داخل جداران المراكز والمؤسسات التعليمية، وتحتاج بالفعل إلي تطور ونضج فني وتقني حتى تندرج تحت ما يسمى بأفلام تعبر عن المرأة.
سينما مؤثرة
وتميل نجوم الغانم من حيث الإخراج والكتابة السينمائية إلي المرأة لا الرجل في التعرض إلي موضوعات ومشكلات المرأة، لأنها الأنسب إلي تفهم خصوصية بنات جنسها والأقدر على التعبير عنهن بشكل أعمق، وتضيف قائلة: للأسف لا زلت تطرح المرأة في الأفلام الإماراتية مثل (الفولكلور) دون الاقتراب إلى مشاعرها وأفكارها، ولو تم ذلك بعيدا عن لعبة التعتيم لأوجدنا سينما قوية ومؤثرة، كما أطالب بأن يكون هذا الطرح من خلال عمل احترافي وليس مجرد هواية ومشروع دراسي تحت إشراف شخص يوجهه.
وتتحدث نجوم عن تجربتها مع فيلمها الوثائقي (حمامه) الذي تدور أحداثه حول معالجة شعبية شهيرة حمل الفيلم أسمها قائلة: كنت في منتهى الدهشة والسعادة أن أجد مثل حمامه شخصية متفتحة تقف أمام الكاميرا دون خوف أو تردد، بعد معاناتي مع ثلاث رجال في المجال نفسه رفضوا التصوير.
ولأن الفيلم الوثائقي أكثر التصاقا بالواقع ويحتاج إلي مجهود صعب يفوق العمل الروائي، وجدت متعة شديدة في العمل مع حمامة ومقدرتها على إعطائي ما أريد بعفوية وصدق، وهذا ساعدني في صنع وثيقة مهمة تضاف إلي الرصيد التراثي السينمائي.
وتبلور نجوم الغانم عوائق سينما المرأة التي تراها تنعكس على حال التجارب السينمائية عموما، فتقول: الرقابة الذاتية والاجتماعية والمؤسساتية هو الملف الأهم في هذا الجانب، والذي مهما حاولنا تحاشي فتحه لابد من أن يتم طرحه في ساعة ما، لأن ما نقدمه حاليا هو الحد الأدنى مما هو موجود من مشاكل في مجتمعنا، كما يجب التقليل من الأفلام القصيرة لأنها مرحلة يجب أن تبقى محدودة .
ولا يجب أن تتحول الساحة السينمائية طوال تلك السنوات إلي أفلام قصيرة فقط، وهذا يدفعنا إلي التمويل والدعم الذي لا زلنا نعاني منه مهنيا، ومع الإمكانيات المادية المناسبة والطبيعية والمتماشية مع تكاليف الفيلم (الأستاندر) يمكننا ضمان صناعة أفلام إماراتية متميزة.
وتتناول المخرجة نايلة الخاجة خيط الحديث عن الدعم والتمويل قائلة: هناك مؤسسات وشركات في الدولة تمول الأفلام ببادجت عالي جدا، لكن ذلك لا يتم بالنسبة للإماراتيين حيث نجد بعد البروباجندا التي يفتعلونها أن الدعم الذي يقدمونه لا يتعدى ربع ميزانية الفيلم، وأن الأمر فقط لا يعدو عن كونه استغلال إعلامي مرفوض شكلا ومضمونا لوقوفهم وتشجيعهم الأفلام الإماراتية وصناعها من الشباب والشابات.
جرأة الأفلام
وحول طرحها لأفلام ارتبطت بقضايا المرأة ومشاعرها في أكثر من عمل سينمائي، تقول الخاجة: بالنسبة لي شخصيا هي ليست حالة عابرة بالمرة فهذه رسالتي التي أعمل عليها وأقدم من خلالها نفسي، وهذا يعكس ما في المجتمع الإماراتي من حركة قوية للسيدات الواعدات كمخرجات، فأنا والزميلة نجوم الغانم ولمياء قرقاش ومنال بن عمرو نسير على هذا الدرب باحترافية وإصرار على النجاح.
وهناك أسماء جديدة تظهر كل فترة لكنها تحتاج إلي الوقت لكسب الخبرات، ورغم هذا أرى أن عددنا قليل جددا ربما لا يتجاوز نسبة الواحد بالمائة، وهي نسبة لا تختص بها الإمارات وحدها ولكن عدد المخرجات في العالم كله لا زال قليل جدا، دون أن ننكر أن الأسر في منطقتنا لا زالت تمنع الفتيات من دخول هذا المعترك، فأنا شخصيا عندي مشاكل على طول الخط مع أهلي بسبب توجهي إلى الإخراج.
وتشير نايلة الخاجة إلي مشاكل الأهل والمجتمع بقولها: رغم كثرة تلك العوائق أعترف بأن السينما الإماراتية شهدت مؤخرا تطورا مذهلا، وهي سينما لا تعرف خطوطا حمراء بدليل أن المهرجانات السينمائية في الإمارات، مثل أبوظبي ودبي تعرض أفلاما جريئة بدون رقابة على مواضيع وأفكار كانت من المستحيل أن تعرض منذ سنوات، وهذا في حد ذاته يشكل حافزا لنا.
وحول جرأتها في تناول قضايا حساسة من خلال أعمالها السينمائية، تعلق الخاجة قائلة: فعلا كل المواضيع التي تناولتها في أفلامي حساسة جدا، وكثيرا ما تفتح على أبواب جهنم، وآخرها فيلمي الأخير (ملل)، الذي يعالج موضوعا غاية في الجرأة والتمرد، فهو يحكي يوميات زوجين إماراتيين في شهر العسل، والطريقة التي يتعاملان بها وتطور العلاقة بينهما، وهو يسلط الضوء على واقع الزيجات (المدبرة) وغير المبنية على حب وتوافق مسبقين.
مشكلة المرأة
وترى المخرجة والكاتبة منال بن عمرو أن هناك الكثير من الأمور التي تستحق الرصد عن المرأة، لأنها كائن يتوجب تقديره والتعرف عليه عن كثب، وتسترسل قائلة: المرأة الإماراتية امرأة محافظه على قيمها وعاداتها وتعاليم دينها في نموذج عصري يواكب الحداثة والتطور المستمر لكل ما هو حولها من متغيرات اجتماعية واقتصادية.
ومن وجهة نظري أرى أن همومها النفسية ورغباتها وحاجاتها النفسية والمادية هي ما يتوجب توجيهه وتقديمه بشكل يفسر للآخر شكل المرآة من أعماق روحها وأحلامها، وأرى أن الرجل لا يقدر المرأة حق قدرها لأنه ترعرع على أنها خلقت من أجل راحته وسعادته ويكبر أمام نماذج في البيت والمجتمع وهذه الفكرة مغروسة في رأس الأغلبية.
لذا فمجرد ارتباط الرجل بامرأة يحاول أن تكون نموذج آخر مما تعود عليه، وهنا تكمن مشكلة المرأة فهي تكون بين أمرين لا ثالث لهما إما الرضوخ للنموذج الجديد وكتم أحلامها وطموحها وحريتها وكينونتها، وإما العكس الرفض والتصدي لتلك العقلية وفي الحالتين تواجهه المرأة الكثير الذي يستحق أن نقدمه سينمائيا عنها.
وتلخص منال مشكلة المخرجات اللاتي ينسحبن من ساحة صناعة الأفلام بعد تقديمهن لعمل أو اثنين قائلة: هناك فعلا من تتوقف بعد التخرج وهناك من تستمر ويعتمد ذلك على شغف كل واحده للمجال ومدى اهتمامها وتنميتها لقدراتها وتطوير مخزونها الثقافي والمعرفي في هذا المجال وغيره من المجالات ذات الصلة والتي تدعم الأعمال وتنميها، أما مسألة الزواج والوظيفة لا أرى أنها تعيق الاستمرار الأمر فقط يحتاج إلي شيء من العزيمة والتنظيم ووضع أهداف تحاول تحقيقها قدر الإمكان بأقصى طاقه ممكنة.
نماذج حقيقية
وتسلط منال بن عمرو الضوء على أعمال (سينما المرأة) التي استوقفتها عربيا وعالميا وتعتبرها نموذجا في هذا الاتجاه قائلة: لفت نظري عربيا فلم (678) وفيلم (احكي يا شهرزاد) وهما عملان تعرضا لقضايا المرأة المصرية بشكل مباشر وصريح مع تفاصيل النفسية وملامح المعاناة الحقيقية التي تتسرب للمشاهد وكأنه يعيش الحدث يمر بنفس المعاناة واعتقد أنهما من أفضل ما تابعت على المستوى العربي مؤخرا.
أما عالميا فهناك فيلم (ثلما و لويس) ومنذ شاهدته لم يغادرني حيث أنه تطرق لجانب إنساني في تركيبة المرأة ، محورا أعتقد انه تعاني منه نساء العالم وهو جانب ثقتها في قدراتها ورغباتها وطاقتها أن تكتشف ما تستطيع عمله والممكن عمله لتتجاوز الصعاب وتتحدى العقبات من أجل حرية الروح .
ومن أجل هواء نقي تختاره بنفسها لا يزوده بها أحدهم، وخليجيا لم أشاهد حتى الآن فيلم يطرح قضايا حقيقية عن المرأة أو بالأحــرى القضايا الخفية التي تختبئ وراء الخطوط الحمراء في إطار الأعراف، لكني متفائلة حيث أنه هناك نماذج مبشره أتمنى أن تخرج لنا أعمال واقعية وقضايا تعني المــرأة والرجل حيث أنهما مكمــلان لبعضهمــا البعض.
