من أراد الهرب من ازدحام السير والفوضى عند جسر الثورة في وسط مدينة دمشق ما عليه سوى الانعطاف يميناً، هكذا سيغدو في قلب سوق ساروجة، كذلك يستطيع أن يفعل من يريد الخروج من جهة سوق الخجا، أوحي البحصة، فتكون كل الطرق مفضيةً إلى ساروجة، أو اسطنبول الصغرى كما أطلق العثمانيون التسمية على هذا الحي الذي بناه المماليك خارج السور الأثري الشهير لمدينة دمشق القديمة.

يعبق الحي برائحة التاريخ في كل تفاصيله، ابتداءً من شوارعه المرصوفة بالحجر وليس انتهاءً بنمط عمارته، أو كل تفصيلٍ يحتويه المكان، هكذا وفي زحمة التاريخ وسكون الأحياء الدمشقية القديمة، وبجانب ضريح الرجل الذي يحمل المكان اسمه، سيجد من يسير في الحي مجموعةً من المقاهي الصغيرة باتت تنتشر خلال السنوات الخمس الفائتة في الحي، لتضفي عليه حركةً وجواً مغايرين لما عرفه الحي الدمشقي المحافظ طوال حياته، فعلى زاوية السوق انتشرت مقاهٍ ذات طابع خاص في دمشق، تعكس ثقافةً جديدةً ربما من خلال مرتاديها وشكلها وتصميمها الذي يخالف ما تعرفه المدينة الشهيرة بمقاهيها، مثل مقهى الروضة أو الهافانا أو النوفرة أو غيرها من المطاعم والمقاهي حديثة العهد التي يلطف أجوائها هواء المكيفات صيف شتاء.

مقاهي ساروجة باتت تحجز مكاناً على خارطة يوميات ساكني المدينة أو زوارها من مختلف دول العالم، هذه المقاهي التي انتشرت خلال فترةٍ قصيرة اختلفت عن أنماط المقاهي في دمشق، فهي تحتل جزءاً من الشارع الأثري في حي ساروجة بطاولاتٍ منتشرة هنا وهناك، وهكذا خرج المقهى الجديد من بين الجدران ليحتل فضاءً أرحب في المكان، وفيها غرف صغيرة مفتوحةٌ على الشارع لا تتسع إلا لمجموعةِ أصدقاءٍ أو لعاشقين اثنين.

قبل مدة زمنية كان يشغل هذا المكان مقهى يعرف بمقهى السودانيين ويديره مغاربة، لكن الزمان فجأة غيّر الواقع فباتت ساروجة مقصد الجميع واختفى السوادنيون ليحل مكانهم سياح أجانب ومواطنون سوريون، بدوا وكأنهم اكتشفوا المكان من جديد في زحمة مدينتهم، هكذا غير المكان وجهه، فانتشرت غرف صغيرة مقسمة على طابقين ومفروشة بالبسط المطرزة وبعضها مزودٌ بمدافئ تعمل على الحطب، ليجتمع فيها طلاب عرب أو سوريون ممن وفدوا إلى دمشق، وشباب من مختلف الأعمار إضافةً إلى السياح.

من جهته يرى محمود حسن طالب جامعي أن: «مقاهي ساروجة هي المكان الأنسب لنلتقي مع الأصدقاء كل مساء تقريباً، فهي في وسط حي دمشقي قديم،ربما عندما أعود إلى مدينتي لن يتسنى لي أن أراه قبل سنوات إلا في زيارات ستصير متقطعة إلى دمشق، فهذا المكان يحمل جزءاً من الذاكرة وأنا اعتدت أن أكون فيه بشكل شبه يومي.»

تمتاز مقاهي ساروجة بأسعارها الرخيصة مقارنةً بمقاهي ومطاعم دمشق الأخرى، وهي تقدم إلى جانب المشروبات والأركيلة وجبات من الفتة والفول والحمص وغيرها من المأكولات الشعبية الشهيرة في دمشق، تلبيها المطاعم الشعبية المجاورة للمقاهي، فيستطيع الجالسون في المقهى أن يكونوا في مكانٍ يعبق بالتاريخ، ويأكلوا ويشربوا ويلتقوا الأصدقاء، وبأسعارٍ زهيدة، وهنا يقول بلال سلامة طالب جامعي مصري مقيم في سوريا: «هنا أشبع حواسي من دمشق في كل شيء، أسمع صوت الباعة، وأشم رائحة الخبز والفول والطعام الدمشقي وأتذوقه، وأرى نمط عمارة هذا المكان الفريد، وألتقي من أحبهم في هذا المكان.»

رخص أسعار هذه المقاهي دفع كثيراً من الشباب والمثقفين شبه العاطلين عن العمل، أو العاطلين عنه في أحيانٍ كثيرة إلى استبدال المقاهي التي تعرفها دمشق بمقاهي ساروجة، فباتت مجموعات من الشباب تلتقي هنا، تتناقش وتحلم وتتشاجر، وربما لن يرى الواقع بصيصاً من أحلامهم التي ستغدو رهناً بالمكان، كذلك من لا يملك إلا ثمن فنجان قهوة من شبان ومثقفين بات من مرتادي ساروجة، لعلمه أن هذا المكان سيحفظ له شيئاً مما علق بذاكرة الثقافة العربية عن مثقفي المقاهي ومدمنيها، وترى سهى حبال صحفية شابة أن :« مقاهي ساروجة أعادت شيئاً من الحميمية للمكان وحتى للعلاقات الاجتماعية بين الشباب الذي بات يخاف فواتير المقاهي، كذلك فسح هذا المكان المجال لعملية تشبيك بين مجموعات من المثقفين والشباب الناشطين في مجالات الثقافة والفنون وغيرها، من خلال حالة الود التي تسود المكان خاصةً وأن جميع مرتادي المكان تقريباً هم من شرائح عمرية وحتى اجتماعية وفكرية متقاربة.»

هكذا غدت هذه المقاهي مكاناً ليلتقي فيه كثيرون من سوريا أو من ساكني دمشق المؤقتين وحتى السياح والأجانب، لما يحمله هذا المكان المفتوح على الفضاء، وعلى الحي الدمشقي وعمارته من رحابة وحميمة، وسط زحام المدينة وضجيجها، فبات اللقاء في مقاهي ساروجة بروتوكولا أو عادة شبه يومية لدى الكثيرين، ليوفر المكان لقاصديه أماناً اقتصادياً بأسعاره الرخيصة، وجواً شرقياً من خلال نمط العمارة والتصميم المستخدم فيه، وراحةً نفسية في حي هادئ لا يثير فيه الضجيج إلا صوت مرتادي هذه المقاهي وقهقهاتهم أو قرقرة الأراكيل فقط.

الحركة والازدحام اليومي بالمرتادين يزداد في المناسبات، وهو ما استغله أصحاب المقاهي، فوضعوا في المكان شاشات عرض كبيرة لتسلي الزبائن، فموسم رمضان في ساروجة له نكهته الخاصة، إذ تجتمع مجموعات من الشباب لمتابعة أحداث بعض المسلسلات التلفزيونية التي تعرض في هذا الشهر، بشكل جماعي وربما تستمر السهرات من ساعات الإفطار حتى ساعات السحور، وسط جوٍ اجتماعي يحمل بساطة وعفوية الشباب وربما لا يحمله مكانٌ آخر في المدينة، كذلك مع انتشار القنوات الرياضية المشفرة، استطاعت هذه المقاهي أن تكسب مرتادين جدد، بالتحديد في فترة عرض المونديال أو عرض الدوريات الأوروبية، فيغدو المكان أشبه باستاد رياضي حقيقي مع انقسام حاد بين المشجعين الرياضيين، ربما يصل حد الشجار والخصام أحياناً كلما ازداد تعصب أحد الطرفين لفريقه، أو كلما سمع أحدهم تعليقاً يثير سخطه على الفريق الذي يحب، يقول سليم محمود :« هنا تابعت المونديال ورغم أني في هذا المكان منيت بخسارتين الأولى عندما خرجت البرازيل من كأس العالم والثانية عندما خسر ريال مدريد أمام برشلونة، إلا أنني لا استطيع إلا أن آتي لأتابع المباريات هنا بين أصدقائي، فالجو المثير والحماس والتعليقات تعطي المباريات نكهةً لا تنسى، حتى الشجار في هذا المكان له نكهة ظريفة عندما نختصم نحن الأصدقاء فيما بيننا لأن كل مجموعةٍ فينا تشجع فريقاً معيناً.»

ليس هذا فقط ما تحويه هذه المقاهي، فالجالس فيها ربما يفاجئ أحياناً بضجة وكاميرات ثم يسمع صوت المخرج يصرخ (أكشن)، فالمكان بات مقصداً لكثير من المسلسلات الدرامية السورية عندما تريد أن تصور مشاهد أقرب إلى حياة المواطنين والشباب السوريين، فيزدحم المكان فجأة بالشباب الذين يريدون أن يشاهدوا تفاصيل عمليات التصوير أو يلتقوا نجومهم المفضلين، ولا يوجد أفضل من ساروجة ليروي جزءاً جميلاً ويومياً من حياة كثيرين من الشباب الذين يسكنون مدينة دمشق.

أحلام الشباب من مرتادي المكان خاصة وأن أغلبهم جامعيون ومثقفون قفزت في أحيانٍ كثيرة لتغدو حقيقة في مقاهي ساروجة، فأحيا كثيرون من الهواة أو المحترفين أمسيات موسيقية وشعرية في المكان الذي وجدوا فيه الفضاء الأرحب لتقديم ما لديهم إلى جمهور يتقاربون معه فكرياً وعمرياً وحتى اجتماعياً، هكذا باتت كثيرة هي الأمسيات التي يجتمع فيها الشباب لإقامة نشاطات أو فعاليات ثقافية تضفي بعض الروح على المكان، وتبرز للوجود مواهب جديدة في حقول فنية مختلفة.