عندما بدأ جامع القطع الفنيّة البرازيليّ برناردو باز بالتجهيز لمشروع متحفه الخاص «إنهوتيم» سنة 2003، والممتدّ على مساحة مفتوحة ثلاثة آلاف آكراً من المعروضات المعاصرة، طلب من الفنّان دوغ أيتكن أن يجهّز عملاً خاصّاً بمشروعه ذاك. دوغ ايتكن شعر بالإطراء، لاسيما وأنّه قد مُنح مساحةً واسعةً لتجهيز عمله، وعلم أنّ هذا العمل سيكون أحد المعروضات الدائمة في المتحف. وفي عام 2009، أتم أيتكن إنجاز عمله، ووُضع على قمّة جبلٍ مشجّر في واحدةٍ من أشهر مناطق صناعة الحديد في البرازيل. والعمل «سونيك بافيلون» عبارة عن مبنًى دائريّ ضخم، وجدرانه عدساتٌ محدّبة تختلف هيئتها للناظر حسب اختلاف موقعه، وفي قلب المبنى هنالك هوّة بمساحة قدمٍ مربّع وعُمق ميلٍ كامل، وهي مزوّدةٌ بمكبّرات أصوات من ذلك العمق تصدر عنها أصوات الفرقعة والارتعادات القادمة من الأرض، والتي يشعر الواقف بالقرب منها بعدم الاستقرار إطلاقًا.
يقول أيتكن،: «أخيرا يُقال إنّ الفنّ المعاصر تحوّل إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى، ومتحف أنهوتيم يحاول أن يُحارب هذه البدعة عبر دعم الفنّان، وليس عبر تقييم أعماله». وتميّز هذا النوع من المتاحف عدّةُ عوامل، شأن عدم وجود قيودٍ في خصوص الميزانيّة، أو حدود بيروقراطيّة وأُخرة تتعلّق بالوقت والمساحة. بالأحرى، تحظى المتاحف الخاصّة بميزات عديدة، فهي مجمّعاتٌ فنيّة تأخذ مكانها بعيداً في آخر أصقاع الارض، ويحظى كلٌّ منها باهتمام إعلاميّ استثنائيّ، مدعومٌ من الماكينة الإعلاميّة التي لا يبخل عليها مالك المتحف الراغب في إذاعة صيت مجموعته الفنيّة، وليجعله متميّزاً بقدر التميّز التي لطالما اتّسم به حلمه في تجهيز هذا المتحف. و «إنهوتيم» له استثنائيّة تجعله فريداً من نوعه، فموقعه في تلك الغابة يخلقُ نوعاً من التناغم بين الفنّ المُعاصر والتنوّع الحيويّ النباتيّ.
في نيوزيلاندا أيضاً، اشترك مجموعةٌ من الفنّانين بتجهيز أعمالٍ عملاقة كي يدعموا بها مشروع «مزرعة غيبز» الذي يقوم بتجهيزه رجل الأعمال آلان غيبز. وفي اليابان، تمّ تكريس ثلاثة جزر، ناوشيما وتيشيما وإينوجيما، لتكونا معارض حيّة للفنّ المعاصر أيضاً، تحت إشراف جامع التحف الفنيّة سويشيرو فاكوتيك، رئيس مجلس إدارة إحدى شركات الأعمال الكبيرة. وإلى جانب هذه المبادرات، هنالك المتحف المملوك من قبل دونالد هيس في كولومبيا بالأرجنتين، ومدينة جوبيتر للفنون في اسكتلندا، وإذا وُفّق رجل الاعمال كامل لازار، سيتحوّل أحد القصور العثمانيّة الأثريّة إلى متحفٍ للفنّ المعاصر في تونس ايضاً.
تعمل هذه النزعة من المتاحف على تغيير الصورة التقليديّة للمتاحف، تلك المعروف بأنّها مكعّباتٌ بيضاء متروسة بالأعمال الأثريّة، أو القطع الفنيّة، وتحويله إلى ساحةٍ تحدٍّ يُحاول الفنّانون العارضون فيها مجاراة البيئة المحيطة بمكان العرض، أو الارتقاء بمستوى الفنّ المعاصر كي يُساوي أو يزيد بأهميّته على النواحي الفنيّة لما تخلقه الطبيعة في المتحف. وعامل السفر بدوره يعمل على خلق تجربةٍ مختلفة، فالمسافر لا يعبر شارعاً في إحدى المدن العالميّة ليقصد المتحفّ المشهور عالميّاً، وإنّما يستقلّ طائرته من بلده قاصداً المتحف، ويصل إلى وجهته، ومن ثمّ قد يضطرّ لاستئجار سيّارة، أو التنقّل في البلد الوجه، وعندما يصل إلى المتحف المقصود، تكون الحالة النفسيّة للزائر ليست كتلك التي خرج بها من منزله، بل البات في هذه اللحظة أكثر حضوراً، وجهوزيّةً لخوض تجربةٍ فنيّة، وليس فقط مُشاهدة مجموعة الأعمال المعروضة.
رحلةٌ ثقافيّة عربية
ستحتضن إمارةُ دبيّ بُعداً جديداً للفنّ الحديث عندما يبدأ تشغيل متحف الفن الحديث في الشرق الأوسط لــ«يو إن استوديو»، وقد تمّ سابقاً الإعلان بأن هذا المتحف سيكون أول متحف من نوعه في دبي، وسوف يقع على ضفاف خور دبي في القرية الثقافية.
والشكل الأنيق المستقبلي الذي وضعته «يو إن إستوديو» فى تصميم أنيق وجرئ قد عمل على حشد المارة بها كما لو كانت مقدمة سفينة ضخمة. وستقوم مجموعة دبي للعقارات بتطوير تصميم المتحف الذي كان بتكليف من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بعد إنشاء وزارة الثقافة والفنون وإطلاق خور دبي والذي يهدف إلى الاحتفال بالتنوع الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة. بالإضافة إلى المتحف فإن قرية الثقافة التى ستكلف 50 مليار درهم، سوف تُنشئ على 40 مليون قدم مربع من الأرض، وسوف تشمل المدرج ، وقاعة معارض ومتاحف صغيرة.
وتجدر الإشارة إلى أن العام 2011 شهد افتتاح متحف الفن العربي المعاصر في العاصمة القطرية الدوحة كأول متحف عربي من نوعه.
نحو أستراليا
على شواطئ جزيرة تاسمانيا الأستراليّة، يأخذ متحف الفن القديم والحديث «مونا»، الذي أسّسه المليونير الأسترالي ديفيد وولش، مكانه بالقرب من حافّة أحد الجروف الرمليّة، ليبدو من الخارج كما الداخل، وكأنّه قطعةٌ مسروقةٌ من عالم الخيال.
بين أسوار المتحف، يُمكن للزائر أن يتعرّف على معروضاتٍ ما كان يتوقّع رؤيتها في تلك البقعة من العالم، بعضها يحمل بصمة القرن الواحد والعشرين، كآلة صناعة الأوجه للفنّان البلجيكيّ ويم ديلفوي، والبعض الآخر يعود بتاريخه إلى 5 آلاف عامٍ مضوا، والحديث هنا لا بدّ نقصد به مومياءات الفراعنة الذين ما كانوا يتوقّعون يوماً وصولهم إلى شواطئ تاسمانيا.
يمتد المتحف على مساحةٍ تغطّي 9 آلاف قدمٍ مربّع، وبهذا يكون أكبر المتاحف الخاصّة في أستراليا، حيث تعود ملكيّته لديفيد وولش، عالم الرياضيّات ومالك حقول الكرمة الذي يبلغ من العمر تسعةً وأربعين عاماً.
من يعرف وولش، لم يكن ليحلم يوماً، بأن هذا «الطفل المضطرب»، كما يصف نفسه، يُمكن أن يكون شغوفاً بتجميع القطع الفنيّة النادرة. ولا نريد أن نقلّل من شأن وولش الطفل، فعلى الرغم من اهتمامه الذي وصل إلى حدّ الهوس بعلوم الكمبيوتر، إلا أنّ ديفيد كان يهرب من لقاءات الأسرة في بعض الأحيان، ليقصد متحف تاسمانيا للفنون، ويستمتع بمشاهدة معروضاته، حالماً بأن يمتلك يوماً ما شيئاً كالذي يُشاهده، ويُفصّله حسب مزاجه. فمتحف «مونا» برأي وولش هو: «معبدٌ علمانيّ، أو مخبر يُشرّح تاريخ الإنسان حتّى الوصول إلى العظام. حيث أنّه يصنع الفنّ ليَروي عطش الناس، ويُمتعهم بالحتميّة البيولوجيّة». ولا نستغرب كلمات وولش، إذا عرفنا أنّه من أشدّ المعجبين بتشارلز داروين ونظريّاته.
يحتوي منزل وولش، المٌطلّ على نهر ديروينت، والذي اشتراه بقرابة 9 ملايين درهم سنة 1995، على 20 بالمائة من مقتنيات المعرض. والوصول إلى المتحف أشبه بالتحدّي بعد دخول عُزبة ديفيد التي تنتشر فيها 8 أبنية فاخرة، وملعب للتنس. وللنزول إلى قاعة المتحف، لا بدّ من هبوط سلالم دائريّة بارتفاع أربعة عشر متراً، ترسم على وجه الزائر علامات الإعجاب رُغماً عنه، بالأخصّ بعد معرفته أنّ كميّة 60 ألف طنٍّ من الرمل قد تمّت إزالتها لتجهيز قاعات العرض.
لدى هبوط السلالم، يُمكننا أن نسمّي المتحف «باللامتحف»، فالسنوات الثلاث التي قضاها ملكه إلى جانب المعماريين في تجهيزه، تركت أثراً إيجابيّاً من غير حدود، يطبع على وجوه الزوّار علامات الإعجاب مع كلّ خطوةٍ يخطونها. بدءاً من الإضاءة الطبيعيّة، مروراً بالستائر الحمراء التي تُتلقي بظلالها على المعروضات، وصولاً إلى اللوحات، والتماثيل المعلّقةِ بحبال شفّافه تُظهرها وكأنّها معلّقة في الهواء.
ما يلفت النظر في المتحف أنّ وولش لم يعيّن أي قائمين عليه، وفريق العمل الذي ساعده في التجهيز هو صاحب الفضل في نجاح طريقة العرض. حيث يرى ديفيد بأن قيّمي المعارض يحصلون على اهتمامٍ إعلاميٍّ أكثر بكثير ممّا يستحقّون. والمتحف ليس له هيئة أوصياء أيضاً، على الرغم من كبر مساحته، حيث يريد مالكه أن تكون بصمته الخاصّة هي الحاضرة فقط، كيف لا! وهو العقل الذي استغرقه تجهيز هذا المتحف ما يزيد على عشرين عاماً.
من جزر اليابان
تحوّلت جزيرة ناوشيما في اليابان منذ سنة 1989 إلى متحف متنوّع، لتكون شاهداً على العلاقة الحيّة بين الطبيعة والفنّ المُعاصر. وبالطبع فإنّ جامع التحفّ الأثريّة والأعمال الفنيّة سويشيرو فوكوتيك، هو الذي يُشرف على كلّ هذا المشروع، ولعدم رضاه بالمساحة المحدودة التي تمنحها الجزيرة، أصرّ فوكوتيك على تكريس جزيرتين مُجاورتين للغاية ذاتها، مع احتفاظٍ كلٍّ منهما بصفاتها المميّزة.
صمّم المعماريّ النجم، تاداو اندو المتاحف الثلاث الموجودة على جزيرة ناوشيما. أوّلها متحف «بيت بينيسي»، الذي يحتوي أعمالاً لفنّانين مثل ريتشارد لونغ وبروس نيومان؛ ومتحف «تشيشو» للفنون الذي يحوي اعمالاً لجيمس توريه وكلود مونيه وغيرهما، وفي يونيو 2010 تضمّن مرضاً مكرّساً للفنّان الكوري لي أوفان. فضلاً عن مشروع بيت الفنون، والذي تتحوّل بموجبه معظم البيوت القديمة في الجزيرة إلى متاحف مصغّرة للفن المعاصر.
جزيرة «تيشيما» من ناحيتها، تحوّلت إلى وجهةٍ فنيّةٍ بحدّ ذاتها، ففي قلب غابة الصنوبر فيها، تمّ افتتاح متحفٍ فيه عملٌ كبير للفنّان كريستيان بولتانسكي اسمه «ليز آرشيف دو كور».
والعملُ مبنيٌّ على أساس فرادة دقّات القلب، وهو مؤلّفٌ من ثلاث غرف، في الأولى أرشيف الفنّان حول دقّات القلب، وفي الغرفة الثانية يُمكن للزوّر تسجيل دقّات قلوبهم، أما الغرفة الثالثة فيمكنهم سماع دقّات القلوب تلك. وفي ناحيةٍ أخرى من الجزيرة، يقع مبنى متحف «تاشيما» للفنونـ المصمّم على شاكلة قطرة ماء، وتصميمه يحمل تواقيع مشتركة للمعماريّ ريو نيشيزاوا والفنّان ري نايتو.
أمّا جزيرة «إينوجيما»، فحكايتها مختلفة قليلاً، حيث تحتوي مشروع «سيرينشو» الذي يعرض للانسجام الذي يجمع بين الصناعة الخضراء، وأجناس الفنون الإنطباعيّة، ولا سيّما مع تحويل بقايا مصفاة مصنع النحاس فيها إلى مجموعةٍ من الأعمال الفنيّة. ويدعم مبنى المتحف فكرة الاكتفاء الذاتيّ للمباني الحديثة أيضاً، إذ يحتوي نظاماً لتوليد الطاقة الشمسيّة، ونظام تنقية للمياه. أما بين «إينوجيما» للفنون، فهو لا يزال ضمن أعمال البناء، وياخذ مكانه بقلب المنطقة السكنيّة من الجزيرة، وسيحتوي ثلاثة معارض، ستتضمّن بداخلها اعمالاً يوكينوري ياناغي.
حدائق للنحت في نيوزيلاندا
لا يهتمّ غيبز، صاحب المشروع في نيوزيلاندا، كثيراً بالنظرة العامّة التي يرى بها العامّة الفنون المعاصرة. فحديقة المنحوتات التي يوجد بها منزله الصيفي، تمتدّ على مساحة ألف آكر، وتقع إلى جانب ميناءٍ يبعد 35 ميلاً عن أوكلاند، عاصمة نيوزيلاندا، ولا يستقبل الزوّار إلى تبعاً لمواعيد محدّدة مُسبقاً. ويقول غيبز حول مشروعه: «لم أوظّف أيّ قيّمين على المعرض، ولغاية الآن ليس لديّ أيّ مخطّطات مسبقة عن مشاريع المعرض المستقبليّة. فنحن نقوم بدعوة مجموعاتٍ من الفنّانين ليقضون بعض الوقت في المزرعة، واتحاور معهم حول ما يُمكن تقديمه للحديقة لإغنائها فنيًّا، ويأخذ كلّ مشروع نقوم بتطبيقه فترةً تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أعوام».
أنيش كابور، يتساءل بينه وبين نفسه «في هذه المساحة الشاسعة، هل نحن بحاجة أيّ إضافة؟»، يقول هذا بعد إتمام العمل النحتي الذي وضعه في حديقة غيبز سنة 2010، والذي يُعتبر إعادة محاكاةو لعمله «مارسياس» الموجود في متحف «تيت مودرن تريبيون»، وهو هبارة عن بوق له نهايتين من ناحية كلّ هضبة. وحول عظمة عمله هذا، يقول كابور: «في هذه البقعة من العالم، إذا قرّرنا بأنّ نصنع تحفةً فنيّة، عليها أن تُجاري بجمالها وعظمتها الجبال والهضاب المتناثرة حولها».
من الواضح أنّ هناك العديد من الفنّانين المعاصرين العظماء الذين لا يرغبون بعد بالخوض في التحدّي الذي وضعه اشخاصٌ شأن باز وولش وغيبز، ولكنّ مُلّاك هذه المتاحف الخاصّة لا تزال أبوابهم مفتوحة لاستقبال الرؤى الشخصيّة لكبار شخصيّات الفنّ المُعاصر. ولمن يودّ الخوض في تجربة الفنّ المُعاصر، ليس عليه إلى السفر إلى بقاع الأرض تلك، ليخوض مغامرة الفنّ الحديث بكلّ ما فيها من معنى، إلى جانب المُتعة التي سيمنحها جمال الطبيعة المُحيطة بالمتاحف وروعتها.
