تحولت السينما العربية في موضوعاتها إلى أداة للتسلية، وغاب عنها القضية والمضمون الجاد، ففقدت وظيفتها التثقيفية، وحصرها عدد كبير من المنتجين في التوجه التجاري بين الكوميديا الهابطة والأكشن، فأصبحت أشبه بوجبات الـ«تيك أواى»، التي تضر أكثر مما تفيد، وبعدت عن الواقع والفن الحقيقي، واختفى منها التنوع المطلوب الذي يحمل قيمة سواء في الأعمال التاريخية أو السياسية أو الاجتماعية، ومالت إلي تسطيح معالجات سيناريوهات الأفلام تحت شعار رغبة الجمهور، فلم تعد تعكس الواقع العربي وتحولت إلى مجرد لقطات ومشاهد تتبخر رسالتها من عقول ووجدان المتفرجين بمجرد الخروج من صالات السينما.

اتفق الكثير من النقاد على أن ما يعرض حاليا ليس أفلاما سينمائية، وإنما مجرد شريط يدخل ماكينة العرض ويشاهده الجمهور يحقق أحيانا إيرادات بالملايين لكنه في النهاية ليس فيلما ولا يحمل قضية، لأن الفيلم له عناصر ومكونات ولابد أن يترك في النهاية حاله أو انطباعا أو أثرا لدى المشاهدين، خصوصا أن هناك عددا من المنتجين احتكروا السينما ووجهوا الدفة لحالة من التسفيه، فحتى الجمهور الذي يرتاد السينما قله تبحث عن القيمة ومجموعة كبيرة من الشباب يترددون عليها كبديل عن الجلوس على المقاهي وشغل أوقات فراغهم، حيث يتم استخدام الأفلام كمخدر يلهيهم عن مشاكل الحياة وهمومها وآلامها دون توجيههم للأحلام والطموحات وتعرفيهم بحقوقهم وتاريخهم وتراثهم.

وفشل السينما العربية الحالية يعبر عن الواقع الذي نعيشه، والذي يتمثل في عدم وجود فكر وعدم وجود قضية، فالمسؤولون عن السينما هم أصحاب رأس المال، وهم يريدون المال والكسب، والمفروض أن تكون الدولة هي المسؤولة عن هذه الأفلام، لأن الطرح الموجود أصبح طرحا اقتصاديا وليس فنيا، فالأفكار المطلوبة هي التي تأتي بالمال وتتماشى مع السوق، وللأسف تاهت القضية بفعل عدم وعي المشاهدين الفني والثقافي وعدم امتناعهم عن مشاهدة الأفلام الهابطة لكي يخسروها، واتجاه الغالبية منهم إلي سينما هوليوود التي تستخدم التكنولوجيا وعناصر الإبهار مغلفة موضوعاتها بثقافة وفكر لا يمتان إلي واقعنا بصلة.

ومن ثم أصبح عمر الفيلم السينمائي العربي شهرا أو عدة أسابيع، ومع استمرار انحدار موضوعات السينما الحالية ظهرت موجة الأفلام المستقلة من خلال جيل جديد مفكر وصاحب قضية يصب مشاكله وقضاياه في أفلام سينمائية هادفة تعيد السينما العربية إلى سابق مجدها في تناول الواقع بجرأة، لكنها للأسف لا تزال في خطواتها الأولى تعاني من ضعف الإنتاج وعراقيل التوزيع.

ويعود مثار الجدل أيضا، حول ظهور من حين لآخر بعض الأفلام القوية في موضوعاتها والتي تكسر التابوهات المعروفة عربيا، لكنها تبقى محصورة في زاوية «أفلام مهرجانات» تحقق مردود في شباك التذاكر فتجهض وتشكل حالة خاصة جدا كرمز للسينما التي ننشدها، غير أن هناك من يرى أن هذا لا ينقص من قيمتها الفنية وشجاعتها على فضح المسكوت عنه داخل المجتمعات العربية.

ووسط «التوليفة» الساذجة للكثير من الأفلام والقليل جدا من الأعمال التي تحترم عقلية المشاهد، ينادي الخبراء والنقاد وصناع السينما الجادين بضرورة الوقوف أمام موضوعاتها السيناريوهات، سواء من خلال الورش الفنية أو الاحتكاك بسينمات أخرى ننتقي منها الفن الخالص ونحاكيه بعيدا عن مغريات السوق وتحكمات شركات الإنتاج والتوزيع، بخلاف مطالبة الجمهور بتشجيع تلك النوعية التي ستساهم في خروج السينما العربية من أكبر مآزقها. يرصد «الحواس الخمس« في السطور التالية آراء متعددة حول المعوقات التي تحول دون منافسة الأعمال العربية الأفلام العالمية في موضوعاتها، مؤكدا على تساؤل، ألم يحن الوقت للخروج من سطحية معالجات القصص إلي أشكال أخرى متنوعة تعيد للسينما العربية مكانتها المفقودة منذ سنوات؟!.

دت الظروف القائمة في المنطقة العربية إلي حالة تراجع كبير في الأفلام ذات الموضوعات الجادة مقارنة بأعمال الكوميديا والحركة التي لعبت على عناصر شغف الجمهور، وأدت مع الوقت إلي اختفاء الأفلام الرومانسية والسياسية والتاريخية وأيضا الدينية، وانحصرت الأعمال الواقعية التي تناولت قضايا شبهها البعض بـلالاالسوداويةلالا في عروض المهرجانات السينمائية فقط دون تأثير يذكر على شباك تذاكر صالات السينما.

وبعيدا عن التظاهرات السينمائية العربية التي عادة ما تهتم بالأمور الشكلية والهوس الاستعراضي والإعلامي، وهروبا من التيارات التجارية السائدة وفهمها المغلوط للقيمة الثقافية التي يبثها هذا الاتجاه، أصبح البحث عن الأفلام التي تحمل قضية كالعملة النادرة التي تحتاج إلي إعادة تداول وسط عراقيل كثيرة يرجعها البعض إلي الإنتاج والتوزيع ويربطها النقاد بكتاب السيناريو.

يؤكد كاتب السيناريو وحيد حامد أن السينما الجادة هي تلك التي تغوص في واقع المجتمع لتكشفه بكل تناقضاته وسلبياته وكل إيجابياته للحصول على حياة أفضل، ويقول أيضا إنها محاولة النفاذ ليس باستخدام عناصر الإبهار والإيهام ولكن للتسلل ببساطة وعمق للواقع وطرح المسكوت عنه، وما يحدث الآن في السينما العربية عموما والمصرية خصوصا يدعوا للأسف إلى عدم احترام الفكر وفن الكتابة.

ويشير وحيد حامد إلي أن الفيلم السينمائي الجيد يبدأ بالورق، ويوضح ذلك قائلا: يجب أن يبدأ العمل بالسيناريو والمخرج ثم المنتج ثم ترشيح الممثل الموهوب، لكن الآن أصبح العكس، فالفيلم يبدأ بالممثل الذي يذهب للمنتج ويطلب منه تفصيل موضوع، فأصبح الممثل رقم واحد والقضية والمضمون في آخر المطاف، فخلت السينما من القضايا وبعدت عن الواقع كل البعد.

ومن ثم يرى وحيد حامد إلي أن السيناريو لو أتيح له الوقت والجهد والتخصص والعائد المادي الذي يستحقه لتشبعت الأعمال السينمائية بالأصالة والتنوع ولتطرقت لموضوعات أكثر عمقا، فعدم تطرق السينما العربية للقضايا المهمة ناتج عن اختفاء الظروف الملائمة والمناخ المناسب لتقديم مواهب حقيقية، وينوه إلي أن السينما الحقيقية الآن في حالة غياب، وهناك بعض كتاب السينما يشاركون في ذلك وقلة فقط هم الذين يبذلون جهدا في تقديم الرؤية والموضوع ويطرحون قضايا تثير الجدل، وبالتالي فالفيلم الحقيقي يحتاج إلي وقت ومجهود أما الأفلام الرديئة فهي التي يتم سلقها سريعا من أجل الكسب المادي السريع، ومن ثم يمكنني القول بأنه لا يوجد في الوقت الحالي سينما عربية إبداعية من الأساس، بل هناك مخططا خفيا لقتل الفن الراقي، خاصة أن هناك عددا من المنتجين احتكروا السينما ووجهوا الدفة لحالة التسلية والترفية.

وللخروج من هذه الهوجة السينمائية الحالية يطالب وحيد حامد بأن يتم التعامل بموضوعية مع موقف السينما، وذلك بتشجيع السيناريوهات الجيدة التي تحمل مضامين وتتطرق لقضايا مهمة حتى تتحول الأفلام العربية إلى سينما تثقيفية هادفة وليست أداة تسلية فحسب، ويضيف قائلا: إن الفيلم العربي الحالي أصبح عمره الافتراضي شهرا أو عدة أسابيع، وهذا يتطلب ضرورة أن يظهر جيل جديد مفكر وصاحب قضية يصب مشاكله وقضاياه في أفلام سينمائية جريئة وهادفة تعيد السينما العربية إلى سابق مجدها.

ويرى الناقد السينمائي كمال رمزي أن كتابة السيناريوهات أصبحت الآن عبارة عن إفيهات كوميدية صارخة وبعض الأغاني الهابطة، وممثل يقوم بالفيلم كله من الألف للياء، يتحكم في قصته وطريقة معالجتها ويفرض كاتبا بعينه، وقد يكون في الأصل غير مؤهل لكتابة السيناريو وظهر العديد منهم في الفترة الأخيرة.

ويتساءل رمزي: كيف دخل مؤلفو السيناريو هؤلاء للسينما؟ فعلى الرغم من أن بعضهم خريجو معهد السينما لكنهم ركبوا الموجة بحجة أن هذه رغبة الجمهور، والمفروض أن الفنان السينمائي صاحب قضية وصاحب فكر وجزء من حركة هذا المجتمع ويشير إلى أن السينما الحالية لا تعبر عن الواقع ولا تمت له، فهي عبارة عن سينما تهريجية ظهرت في غفلة من الزمان، وهي أفلام فيلاتيك أوايلالا ينساها الناس بمجرد خروجهم من صالات السينما.

ويواصل الناقد كمال رمزي قائلا: ليس لدينا جمهور يذهب للفيلم الذي يحمل قضية، فالناس ترتاد السينما لمشاهدة الأفلام الحالية، كنوع من المخدر الذي يخدرهم من متاعبهم التي يعانونها طول العام، وعندما يأتي الصيف يذهبون لمشاهدة الأفلام الخفيفة كنوع من الترفيه، أما الأفلام الكبيرة التي تحمل قضية فتخسر للأسف بسبب المشاهدين، لأن المجتمع تدهور وفسد.

ويعلق رمزي على نوعيات الأفلام العربية قائلا: لأن الترفية والتسلية هي هدف شريحة كبيرة من المشاهدين انحصرت الأفلام في مجالي الكوميديا والأكشن، واختفت بالتالي الأفلام الرومانسية والتاريخية والدينية والحربية والاستعراضية، وأصاب ذلك السينما العربية بالإفلاس في القصص التي أصبحت تسير على وتيرة واحده وإن اختلفت موضوعاتها، وهذا يعني الدوران حول نفس الأسلوب سينمائيا دون تقديم جديد، ومن ثم أصبحت خارطة السينما العربية محدودة وغير مؤثرة عالميا، رغم وجود مواهب عربية في التمثيل والإخراج لا تقل بأي حال في قيمتها وعطائها عن نجوم السينما العالمية.

وحول تساؤل عن السر في ضعف السينما العربية يقول كمال رمزي: الإجابة التي قد لا يتفق البعض عليها تتخلص في أن هذا الضعف يعود أولا وقبل كل شيء إلي ابتعادها عن محاكاة الأدب من ناحية وابتعادها عن الواقع العربي من ناحية ثانية وعدم انتمائها للتاريخ العربي من ناحية أخرى، وخوفها من الرقابة، وقلة حيلتها مع الحروب العربية، وانتصار المادية التجارية علي الروح الفنية. ويتوقف الناقد كمال رمزي عند ثقافة السينما في المجتمعات العربية بقوله: غياب قاعات السينما في غالبية الدول العربية ونستثني من ذلك الخليجية، أدى تدريجيا إلي غياب المشهد السينمائي في ظل عدم وجود تعاون حقيقي في الإنتاج والتوزيع، شأنه شأن مختلف المجالات الأخرى التي غابت وتراجع معها كل شيء حتى السينما.

ويرى كاتب السيناريو الإماراتي محمد حسن أحمد، أن سيطرة الإنتاج التجاري على صناعة السينما العربية أمر طبيعي إذا كان هناك وسط عشرة أعمال فيلم أو اثنين يقدمان موضوعات جادة، لكن هذا نادر الحدوث مصريا ونراه في باقي الدول العربية عبر سنوات متفرقة، وهو لا يترجم عنصر القوة بل الضعف في ظل انحسار أنواع أخرى من الأعمال يمكن أن تسهم في الارتقاء بثقافة السينما، خصوصا وأن لدينا ميراث من التراث والتاريخ لا زال صناع السينما غير قادرين على التعامل معه إما بسبب الإنتاج أو معوقات التوزيع.

ويشير محمد حسن إلي طبيعة شعوب العالم العربي العاطفية، حيث تتعامل مع السينما بمشاعر ولحظات آنية ما دفع المنتجين إلي اللعب على تلك الغريزة بأعمال سريعة تتناول حكايات الحب والرومانسية التي تهدف إلي الترفية أكثر، وبالتالي لا يمكن مقارنة السينما العربية مثلا بالروسية أو الإيطالية أو الأفلام المقبلة من شرق آسيا والتي تطورت كثيرا وأصبحت معروفة عالميا وتقدم دروسا في كيفية كتابة السيناريو وطريقة معالجتها لموضوعاتها.

ويرفض محمد حسن فكرة أن الجمهور العربي غير مثقف سينمائيا، بل يرى أن الأجيال الجديدة أكثر تعاملا مع الأعمال الجيدة، ويطالب بأن يتوقف المنتج العربي عن الأفلام السطحية ويتوجه إلي دعم وتمويل الأفكار التي تتبنى قضايا حقيقية، وينوه محمد حسن إلي أن السينما الفلسطينية هي التي استطاعت أن تترجم هذا التوجه لكن غرق بعض الأعمال في المحلية الشديدة جعلها محصورة داخل عالمنا العربي وغير قادرة على التواصل عالميا.

ويؤكد الإعلامي وكاتب السيناريو خالد البدور، إلي أن السينما المستقلة عبرت عن المستقبل المطلوب في تناول موضوعات الأفلام، لكنها لا زالت تعاني من فقر الإنتاج الذي ينعكس على مقدرتها في التأثير الجماهيري، وإن استطاعت مؤخرا لفت الأنظار إليها في المهرجانات السينمائية العربية والدولية، لكن عروضها تواجه مشاكل كثيرة مع الموزعين الذين يبحثون دوما عن الربح. ويلخص البدور رؤيته حول الارتقاء بصناعة السينما على المستوى العربي قائلا: الأمر يحتاج إلي منتج مغامر وجريء يصرف على فيلم الموضوع أو القضية، فإذا تواجد هذا المنتج أو كانت له بدائل أخرى مثل صناديق التمويل أو دعم المهرجانات السينمائية، يصبح باستطاعة الأفلام العربية التنافس بقوة في المهرجانات العالمية. ويرى البدور أن السينما المؤثرة هي التي تقود الناس إلي سلوك أفضل، من خلال الموضوع الصادق المعبر عن حقيقة الحال، دون تزييف وتحترم المشاهد وعقله، ويضيف قائلا: يجب أن تطرح الأفلام أسئلة عبر الكون والإنسان وحرية التفكير فيما يطمح إليه، لأن أزمة السينما الحقيقية في عدم اهتمامها بالقضايا العربية، وعوائق الرقابة التي تجعلها تلجأ إلي صور مغايرة للواقع المعاش بمشاكله.