هل يتابع المشاهد العربي هذا الكم الكبير من المهرجانات المسرحية التي تعرض في أكثر من ست عشرة عاصمة ومدينة عربية.. وهل يقتنع بكل تلك المواضيع التي قدمها له المسرح والمسرحيون أنفسهم؟ سؤال سرعان ما يترافق مع حديث آخر مختلف عن أزمات المسرح العربي وانعدام العروض الجادة وتراجع مستوى الدعم المقدم للمهرجانات العربية من قبل وزارات الثقافة، وكأن المسرحيين أنفسهم ينقسمون بين بعضهم البعض حول تراجع دور العملية المسرحية حيناً وتفاقمها حيناً آخر من خلال بوابات المهرجانات المنتشرة هنا وهناك، ويبدو أن عدوى المهرجانات المسرحية قد سرت في أنحاء الوطن العربي حتى إن الأمر ليترك إشارات استفهام حول جدوى هذه المهرجانات وأهميتها وضرورتها، ولا يلبث أن يتم تصنيف تلك المهرجانات وبسرعة فتظهر للعيان خمسة أو ستة مهرجانات مسرحية تقودها العواصم العربية الكبرى من بين ما يزيد على خمسين مهرجاناً مسرحياً عربياً مختلفاً تتوزع بين مهرجانات المسرحية الموجهة للأطفال وللمحترفين وللشباب، وفي كل الحالات لا بد من استقصاء أهمية ما يقدم في المهرجانات الأصيلة أصلاً حتى يعرف المرء أن هناك فائضاً في الإنتاج المسرحي كما يقول بعض المتابعين والمسرحيين العرب.
مهرجانات مسرحية عربية تستضيف أهم العاملين بالشأن المسرحي العربي ويقابلها حركة مهرجانات محلية تتبع مناطق معينة هي حصيلة سريعة أو قراءات عابرة لواقع تلك المهرجانات في أنحاء الوطن العربي بحيث يعتقد المرء أنه أمام حالة مسرحية مثالية يعتقدها العارف بهذا الواقع للوهلة الأولى ولكن الأمور في تفاصيلها تختلف من شخص لآخر في إطلاق الأحكام تجاه هذه المهرجانات التي يرى فيها بعض النقاد العرب ترفاً ورفاهية ومناسبة لالتقاء المسرحيين دون أن يكون في هذا اللقاء ما يوحي أن هناك آفاقاً للتعاون المجدي في حين يرى البعض الآخر أن المهرجانات هي ما تبقى من دعم لحركة المسرح العربي مؤثرين أن يكون هناك مهرجانات تقدم العروض المسرحية بمختلف أنواعها وتقييماتها سلباً أم إيجاباً على أن يكون هناك حالة سبات تصيب العملية المسرحية.
المهرجانات المسرحية العربية مالها وما عليها وإلى أين تمضي في معركة اليوم التي يسعى فيها المسرح لإثبات هويته وأصالته، هل نراها تتحرك ضمن فضاء راكد لا حياة فيه على حد تعبير الرائد المسرحي المصري احمد زكي، أم هي رسالة عن واقع مسرحي متحول ومزدهر وهي تعبر بالضرورة عن حراك مسرحي نادر كما يوصفها المسرحي التونسي عز الدين المدني!
بين هذين الرأيين ثمة من يميل لجانب وثمة من يتجه للجانب الآخر ولكل فريق رأيه في هذا السياق ضمن ما يمكن تسميته بأنه اختلاف الرأي بين المسرحيين في هذا اللقاء الذي نجمعهم به لاستطلاع حال المهرجانات المسرحية.
الخولي: يجب البحث عن صيغ جديدة لمهرجانات متحولة ومستقبلية
فضة: المهرجانات العربية خضعت لتطورات تقنية فنجحت في تجاوز أزماتها
عبدالله متفائل بمهرجان المسرح العربي ويرى أنه تجاوز عثرات المهرجانات الأخرى
بن قطاف: بعض المهرجانات سياحية وضيوفها شبه ثابتين
يرى الكثير من النقاد والمخرجين أن المشهد المسرحي العربي متخم بكم كبير من المهرجانات ولعل حال المتابع أو الباحث الدقيق يجد أن هناك وجوهاً لا تتبدل ومياهاً لا يتحرك سكونها ضمن فلك هذه المهرجانات، ما يجعل من إقامتها سنوياً كمن يدور في حلقة مفرغة، ولتتحول بالمقابل إلى أرقام فقط دون أن تترك أثراً ما في المشهد المسرحي العربي.
ولعل المسرح العربي يعاني في السنوات العشر الماضية من ضعف في الإمكانات وتراجع في الخيال وتدنٍ كبير في نسبة المشاهدة، ناهيك عن عدم وجود أجيال مسرحية مؤمنة بالمسرح وأهميته في الواقع العربي على العكس من تطوره في البلاد الأوروبية والأميركية والاعتراف به كأحد وسائل التعبير والتغيير في المشهد الحياتي والواقعي، وكل تلك الأمور لا توحي بأن هناك مستقبلا ما للمهرجانات المسرحية العربية في أن تكون فاعلة في الواقع وان تحدث تغييرا ما لأنها صارت ببساطة وعاء لعروض مسرحية هزيلة ومتراجعة ، بل قد لا يكون المسرح بحال من الأحوال الصيغة الذي تنضج فيها قصص وحكايات الكثيرة بتحولاتها المضنية أو المفرحة لذلك ابتعد المسرح عن ناسه كما ابتعدت المهرجانات عن عشاقها فباتت المسارح خاوية تبحث عمن يضيء لياليها الخالية من الروح!
يشير الكاتب إسماعيل عبدالله، الأمين العام لهيئة العربية للمسرح والمشرف المباشر على مهرجان المسرح العربي، الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح في كل عام بعاصمة عربية مقترحة، إلى أن حال المهرجانات المسرحية العربية متبدلة تبعاً للعروض المسرحية التي تنتج وتقدم وبالتالي هناك الكثير من المهرجانات التي يكون فيها التنظيم على درجة عالية من التميز ولكنه يفتقر للعروض المسرحية الجيدة لذا تفقد بريقها وحضور المتابعين فيها وثمة عروض كبيرة تقدم في مهرجانات تفتقر للكثير من ميزات المهرجانات الأخرى وغالبا ما تكون محلية ولكنها تنجح في جذب الجمهور لتؤكد على شراكة إبداعية وحقيقية معه. وعموماً المهرجانات المسرحية العربي تخضع للكثير من الاعتبارات المالية والسياسية والاجتماعية لذا لا تبدو معايير المقارنة واحدة بين مهرجان وآخر.
وقال عبد الله إن مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح كل عام بدعم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقةو هو بمثابة لقاء للعرب في كل مكان، لذا حرصت الهيئة على أن تتلافى فيه أخطاء المهرجانات المسرحية العربية لجهة التنظيم أو استضافة الضيوف أو سوية العروض وقد فرض المهرجان نفسه كأحد المشاريع المسرحية المستقبلية في العالم العربي والتي ينظر لها على أنها الشكل والمضمون الجديد لمهرجان مسرحي مستقبلي بكل ما تعنيه هذه الكلمة.
ولا يرى كبير المسرحيين السوريين الفنان الكبير أسعد فضة أن هناك مهرجانات عربية ذات سوية رديئة أو غير جيدة بل على العكس مع التطور التقني الذي حققه المسرح العربي صار هناك قراءات مفتوحة للعروض المسرحية من قبل المخرجين والنقاد في آن معاً وصارت المهرجانات تتلقف عروضا كهذه وتقدمها لجمهور متوقع له أن يسهم في ترويجها، ويعتقد فضة مؤسس مهرجان دمشق المسرحي مطلع سبعينات القرن الماضي وهو أحد أقدم المهرجانات المسرحية العربية، أن المستوى العام للمهرجانات المسرحية العربية بات يتحكم فيه بالدرجة الأولى الدعم المادي الذي يقدم له من قبل وزارات الثقافة وهو دعم يتناقص مع الوقت تبعا لمتغيرات اقتصادية كثيرة، ويجزم فضة أن الخروج من عباءة الوزارات يتطلب بالضرورة ان يعتمد القائمون على المهرجانات المسرحية على الوكلاء الاقتصاديين الداعمين لحركة المسرح من خلال إعلاناتهم فهذه طريقة مثلى ستنعكس حتما على كل أركان المهرجان المسرحي بالإيجاب.
وينظر المخرج والباحث الجزائري أمحمد بن قطاف بعين المتفائل لحال المهرجانات المسرحية العربية، مؤكداً أن هذه المهرجانات حققت انعطافة في مسيرة المسرح العربي نظرا لتحقيق حالة تواصل بين المسرحيين المتواجدين في شرق العالم العربي وغربه منوها أن المهرجانات المحلية أزكت حال المسرح العربي ولو أنه يعيب الجانب السياحي والتجاري على بعض اللقاءات والتظاهرات المسرحية العربية التي لا تجتهد في دعوة أسماء جديدة في المسرح وتكتفي بالأسماء ذاتها التي تتنقل على مدار العام بين المهرجانات العربية في الوقت الذي تتنقل بدورها العروض ذاتها في بعض تلك المهرجانات مما يستدعي منا تساؤلاً عاماً حول جدوى تلك المهرجانات وتحولها إلى رقم بين المهرجانات المسرحية العربية لا أكثر ولا أقل.
أما الممثل المصري رياض الخولي فيعتقد أن ما يحتاجه المسرح العربي هو البحث عن صيغ جديدة والتأسيس لبنى حداثوية ومتطورة تحارب البنى التقليدية التي تأسست عليها الكثير من الظواهر المسرحية منذ تأسيس المسرح العربي لافتا أن المهرجانات هي شكل داعم لحضور المسرح العربي أساسا وينظر الخولي للمهرجانات على أنها قريبة الصلة من العرض ويجب أن تسخر المهرجانات خدمة لتطور العروض بحيث تكون تلك اللقاءات المسرحية الاحتفالية تتويجا للعروض الجيدة قبل ان تكون لقاء للمسرحيين العرب أنفسهم.
أما الباحث والناقد المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد الذي يعتبر مؤسسا للعديد من المهرجانات المسرحية الاحترافية أو الشبابية المحلية في المغرب العربي، فيرى أن العلاقة التي تربط بين المسرح والمهرجانات تكاد تكون واحدة لأن المهرجان منتج طبيعي لحال المسرح وهو بحال من الأحوال انعكاس لحال المسرح التي لا تدل على أن هناك آفاقاً قريبة لإعادة انتعاشه، ولفت برشيد إلى التطور التقني الأمر الذي أفرزته المسارح الخليجية والتي ترى في حركة المسرح حضوراً هاماً لفهم طبيعة الواقع وليكون المسرح المرآة التي تعكس تطور الواقع الخليجي بحال أو آخر وقال إن المهرجانات في المشرق وبلاد الشام لا ترقى للسمعة التي تميزت بها وكذا الحال بالنسبة للمهرجانات المغاربية والمصرية. ويشدد برشيد على أن الجيل الحالي لا يحمل سمات التغيير ولا يرقى لحال المسرحيين الذين أسسوا للتجربة المسرحية في خمسينات وستينات القرن الماضي، لأن الهموم اختلفت والفنون تحولت والأجيال ابتعدت وبهذا مهرجاناتنا المسرحية تشبه ما يحصل لنا.
شرح الصور :
من مسرحية «اهل الكهف» للكاتب وليم سارويان من عروض مهرجان المسرح الاردني بمهرجان المسرح الاردني
عز الدين المدني
لوغو مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي
من مسرحية «راجعين» من عروض مهرجان المسرح العربي
اسماعيل عبدالله في مهرجان المسرح العربي ببيروت
رياض الخولي
عبد الكريم برشيد
امحمد بن قطاف
اسعد فضة
من العرض المسرحي العراقي «كامب» في مهرجان دمشق المسرحي
أيام قرطاج المسرحية
مهرجان المسرح الكويتي
