يُقال إن شانغهاي تمكّنت من دفن تاريخها تحت ناطحات السحاب، لكنّ هذه المدينة العالميّة ارتأت ان تنفض حطام الشيوعية عن ماضيها المستعمر، وتستخرج منه فن الديكو المشرق. ويعود الفضل هنا إلى أهل شنغهاي المشهورين بانشغالهم بالتاريخ، فعندما اكتشف هؤلاء أن عملتهم هي من صنع تاريخهم، انكبّ أصحاب الشركات في شنغهاي على استثمار الملايين لتجديد معالم المناطق المستعمرة وذلك لإحياء الوجه السياحي للمدينة.
لحسن حظ الزوار الأثرياء، أُعيد بناء أفضل المعالم الجوهرية، كفنادق على غرار المتاحف مزوّدة بغرف ومطاعم. وبعد ذلك أُطلق على شانغهاي اسم سحر الشرق، حيث تُتيح المدينة للزائر فرصة الاستمتاع أيضاً إلى جانب المشاهدة.
معروفٌ أن هزّة شانغهاي العظيمة كانت قد دمرت كل شيء جميلٍ في المدينة، بدءاً من السد والمركز التجاري للمدينة المستعمرة بكامل فخامته ومكان امتيازات الطيران الفرنسي، وصولاً إلى أفضل الأبنية والمقرّات الشيوعية.
في منتصف مكان السد يقع فندق فن ديكلو السلام المطور، كمعلم مشهور لكلّ العابثين والمفسحين في شنغهاي القديمة. ولا بدّ لنا من إعادة الفضل هنا إلى بنات أفكار فيكتور سايسون الرجل المشهور في شنغهاي بترفه وزعامته وملكيته، حيث كان السبب وراء افتتاح فندق كاثي عام 1929، الذي يُعد من أفخم الفنادق في آسيا. فقد أقام فيه شارلي شابلن، ونويل كاورد صوّر المشاهد الأخيرة من Private Lives أثناء فترة إقامته فيه، وكانت إحدى صوره قد استخدمت لترشد إلى الإصلاح في المدينة.
أعيد الافتتاح «جين جيانغ» العالمية والمملوكة من قبل الدولة، تحت رعاية فندق فيرمونت الكندي الفاخر، في يوليو بعد ثلاث سنوات، وقُدرت تكلفة ترميم فندق «السلام فيرمونت» بـ 65 مليون دولار، لدرجة أن أعيان الدولة رغبوا في تجربة جناحه الرئاسيّ 9400 يورو لليلة الواحدة. حتى السواح الرحالون، إذا حطوا الرّحال في الفندق، يُمكنهم إلقاء نظرة على البعض من مميزات الفندق البارزة، مثل البناء الدائري الذي نجا بمعجزة من لصوصية الحرب والثورة الثقافية، ببقائه مغطى لعقود بلوح من الجبصين.
تصدح في رواقات الفندق الألحان القديمة لـ «غوزهينغ» الآلة الموسيقية الصينية تدعى السنطور، المضاء بنور طبيعي ينفذ من خلال الزجاج ليعكس بشكل مميز نغمة فن الديكو. أُعيد تزيين الجدران بنقوش ناعمة، وكان ذلك اعتماداً على صور شمسيّة قديمة لمدينة شنغهاي، فوَجَب استبدال معظم الزجاج. واستناداً إلى إحدى العاملات في الفندق، التي قالت إن فندق «لينج بيتش» الذي هو تاريخياً فندق السلام، قد قُسّم إلى باحات صغيرة تم استخدامها مكاتب لشنغهاي الشيوعية، وما تبقى تمّ تحويله إلى مخازن كبيرة.
لكن بعض مجوهرات فن الديكو الأصلية بقيت، مثل الأغطية الحديدية لمشعّ التدفئة، والإنارة التي توضع فوق بعض الأبواب الخارجية وزجاج «لا ليك» الموجود في ممرات الفندق في الطابق الثامن. وتُوجد في الطابق الثامن صالة السلام للرقص، بأرضيتها الخشبية التي تحاكي الخُطى الحديثة. كان قد استخدمها «ساسون» لتنظيم الكثير من حماقاته عام .1930 وأولئك الذين لا يمكنهم البقاء ليلاً، ولا تدبير دعوةٍ إلى قاعة كرة السلام، يأكلون بإسراف في مطعم فندق عنقاء التنين المجاور. وقد أُزيلت ثماني طبقات من الطلاء، ليظهر ثانية لونه التركوازي والأحمر الغامق.
وختام الليلة يكون إحدى قاعات فندق الجاز المشهور، وذلك خلال الأيام العصيبة، قبل أن يتذكّروا بولعٍ ناطحات السحاب، كرمز المدينة الوحيد الباقي على قيد الحياة في شنغهاي قديمة. أعاد الفندق إحياء فرقة الجاز القديمة، بحيث يتضمن البعض من موسيقيي الثمانينات الأصليين كمشهد من نادي «بوينا: الاجتماعي، أو المسرحيّة الغنائيّة كانت تلك الأيام»، وبعض الأصوات المفضّلة، قديمةٌ جدّاً، كما لو أنّهم لم يقوموا بإعادة نظم آلاتهم من قبل أيّام الثورة.
إذا قمنا ببضع خطوات أسفل السد، سوف نستمتّع بإطلالة عبر النهر، حتى ساسون ما كان ليتخيلها من ناطحة سحاب «لوجيازوي» المالية المتناثرة في الأفق، وصولاً إلى السد رقم 2 أي نادي شنغهاي القديم، الذي أصبح فيما بعد فندق «والدورف أستوريا».
ونادي البريطانيين المحترمين، الذي كان ينتج وجبات دجاج كنتاكي المقليّة في التسعينات، لا يُقارن بفندق «نوستالجيا السلام» الذي يعد الأجمل. تمتلك أسهم الفندق شركة «جينجيانغ» المملوكة من قبل الدولة، ويُقال إنّه ملياراتٍ صُرفت على عمليّات الترميم، التي تُلاحظ بوضوح، فقد أصبحت الإطلالات أفضل، والطعام أيضاً، كما أن الشقوق في أرضية رخام رُدهة استقبال «سيسيليان» يجعلانه يبدو أكثر أصالة. يقول «والدورف» إن ثمانين بالمئة من فندقه أصلي؛ بينما يقول فندق السلام بأنّه لا يستطيع تحديد الميزّات الأصلية، لكنه يعترف بأن الكثير منها عُرّي، أو بِيع، أو تحطّم، وما عدا ذلك فهو لايزال معافى.
أعيد تجهيز مصعد الفندق نصف الدائري على شكل قفص، والمرافه فيه هو سيدة ترتديّ زي «بيلهوب». ويشعر الزائر أثناء مروره في ردهة الاستقبال «النيوكلاسيكيّة»، كما أنه لو كان يسير في أروقة حمّام. لكن بجواره قليلٌ من تاريخ شنغهاي الممتاز، مطعمٌ طويلٌ جدّاً، يُعدّ الأطول في آسيا، وأماكن لتذوّق الأطايب لأشقياء شانغهاي المحبوبين في شنغهاي.
وأي شخص يستطيع إنفاق مبلغٌ كبير في الليلة، يجبُ أن يحجز جناح 304 في فندق والدورف: حيث ان زاوية غرفة النوم فيه تطل على إطلالات فريدة أسفل السد، بالإضافة إلى إضاءة «بودونغ» في الأفق. ومن أكثر ما يُلفت النظر هو تحويل مرآة الحمّام إلى شاشة تلفاز لتُلبي حاجة الضيف، الذي لا يستطيع تحمّل الانفصال ولو للحظة عن السي إن إن. حيث ان مدير العلاقات العامة في الفندق يقول: «ضيوفنا يُحبّون مشاهدة التلفزيون حتى وهم ينظّفون أسنانهم».
لكن السد لم يهز شنغهاي ككل، حيث انه تم حديثاً افتتاح فندق «ماسينيت» في القسم الذي تنازلت عنه فرنسا. كما رُمّمت حدائق فيلات تعود للعشرينات، كان قد سكنها أغنى مواطني شنغهاي الاستعماريين. تُؤجّر الفيلا التي تحتوي خدماً، وأربــع غرف وحديقة خاصة بـ38000 Rmb في الليلة، كما يقول المتحدث باسم الفندق انّه المكان المثالي لرجل الأعمال الذي يريد إثارة إعجــاب الزبائن بإحســاس الثــقافة والتــاريخ. كما يُمكن أن تُعقد الصفقــات في المكتبة أو يُشــرب نخب ما في الحديقة.
يقول نائب رئيس التسويق في إدارة قصور «سنان» شنغهاي «فاني ليونغ» بأن الفندق الذي عُرف باسم قصور سنان جزءاً من أكبر عمليّة تطويرٍ وتحديثٍ. كما كان قد هدّف لركوب موجة الاهتمام في تاريخ شنغهاي وتحقيق الأرباح. لكن الأصالة كانت قد ظهرت بشكل واضح في عمليات تطويره، حيث انه تم تفكيك قاعة ولائمه التي استخدمت للإسكان المبشّرين البريطانيين، حيث دمّرت وأعيد تأسيسها على طراز فنّ «الباروك» الأوروبي.
قول ليونغ ببساطة ان الحماية لم تكن خياراً لقاعة الولائم أو للفيلات حيث انه «مع 14 عائلة تعيش في كلّ بيت أثناء الثورة الثقافية، كيف أبقيه؟ أنا فقط يجب أن أُعطيه لمسة عصريّة» ويُضيف، لاحظ أن هناك الكثير من الأبنية القديمة للزيارة في أوروبا».
يقول المؤرخ المعماري لشنغهاي القديمة سبنسر دودينغ تون: «إن الناطقين الإنجليز العالميين مهتمّون جدّاً بالأصالة التاريخية للأبنية القديمة. بينما الصينيون ليسوا كذلك، فبالنسبة لهم هي قصّة قديمة ارتبطت بالبنايات التي مضى تاريخها».
كما يقول إن الهدف الأساسي لمثل هذه التطوّرات ليس للحفاظ على تاريخ شنغهاي الذي يختفي بسرعة وإنما لجمع المال. فمثلاً حققت Xintiandi، المنطقة التجاريّة الأولى لحفظ تاريخ شنغهاي، التي عادت أصالتها بأرباح كثيرة، ولذلك أرادت الحكومات المحلية في شنغهاي الدخول في هذا الحدث.
لكن الدوافع، صافية كانت أم جشعة، ساعدت في الحفاظ على تاريخ شنغهاي من ناطحات السحاب. بعد أن دُفن هذا التاريخ لعقودٍ تحت حُطام الحرب الأهلية، والشيوعية والثورة الثقافية، المحميّة بحصنٍ يُدعى الرأس الماليّة.
