حسب ما ذكر بعض المخرجين الشباب في حديثهم إلينا مطلع هذا الملف عن جهودهم التي تبذل لتقديم تصور مسرحي ما في الساحة الإماراتية ، فإن معظم الوسائل الإخراجية التي قدمت في السابق كانت تقوم على تقديم تصورات مقترحة لمواضيع حيايتة كان يغلب عليها الطابع التراثي، وكانت تلك القراءات الإخراجية قائمة على قراءات فنية ما لنصوص قريبة الصلة بما يقدمونه من خلال الصورة والمضمون المشترك، وتكاد تكون تلك القراءات متشابهة ، وبالتالي ربما كان الجيل الحالي بحاجة لأن يقول إنه حاضر وله بصمة ما من خلال ما قدمه ويقدمه، ولو كان الأمر يتطلب خروجا ما عن المألوف شكلا ومضمونا.

استطاع مهرجان دبي لمسرح الشباب تقديم بعض الوجوه الجديدة للمشهد الدرامي المحلي، سواء المسرحي أو التلفزيوني على حد سواء، ضمن ما نستطيع أن نقول عنه إنه مشاهدات ومقاربات لمواهب محلية ساهمت بشكل أو بآخر في جعل المشهد المسرحي المحلي يشهد حضورا لمواهب وأسماء جديدة، وهذا أمر ايجابي لا بد من التطرق إليه وذكره بشكل أو بآخر، ولكن إذا أردنا الإنصاف فإن مهرجان دبي لمسرح الشباب لم يضمن تقديم سند نظري لافت يجعل هؤلاء الشباب يقبلون على تثقيف أنفسهم إلى جانب مواهبهم المسرحية، ولم يكن هناك تحضيرات لتأهيل الكوادر المسرحية ضمن سياق الورش المسرحية، بل اكتفى بأن يكون عارضا للعروض المسرحية وللتجارب الأخرى التي يستلهم الشباب تصوراتهم عنها من وحي النصوص التي يقدمونها، وقد كان هناك حضور للمشرفين وهم من أصحاب الخبرات المسرحية والعاملين المحترفين في المسرح، وسبق ونبهنا عبر «الحواس الخمس» أن مسؤولية الخبراء محدودة بأن يوجهوا الشباب ويطلعوهم على أبجديات العمل بالعرض المسرحي من دون أن يتدخلوا مباشرة في رؤيتهم أو أهدافهم.

ويرى المخرج الشاب محمد صالح الذي شارك في معظم دورات مهرجان دبي لمسرح الشباب أن المخرجين الخبراء في المشهد المسرحي الإماراتي كانوا موجودين على الدوام، وقد دعموا حركة المسرح لدى الشباب وأيدوا الظواهر الجديدة، أو فلنقل الأسماء الجديدة على الساحة ، ويؤكد محمد أن هناك من دعمه من تلك الأسماء، منوها باحتضان الكاتب إسماعيل عبدالله ومرعي الحليان وإبراهيم سالم ومحمد العامري لموهبته تلك، وبأنهم لا يزالوا يقفون إلى جانبه ويهنئونه على ما يقدم أو يوجهونه تبعا للمشاركات التي يحققها. ولفت إلى أن هموم المسرحيين الشباب تكاد تكون واحدة وذات توجه واحد، مشيرا الى أن الشباب عموما حريصون على تقديم قضايا مسرحية تهم الشباب وحدهم، وتعكس حالة يعيشونها بكل ما فيها من سلبيات وايجابيات، لذلك اختيار الأشكال والمضامين المقدمة من وحي ما رآه هؤلاء الشباب ان يصلوا، مشيرا الى ان الشكل الفني الذي يختارونه ينتمي لخيالهم وتجربتهم ولحقهم أن يدخلوا مجالات التجريب وأن يقدموا أنفسهم بالطريقة أو الطرق التي يرونها مناسبة، فهذا سيؤسس حتما لموجة جديدة في المشهد الدرامي والمسرحي الإماراتي، لافتا إلى أن إمكانية أن يكون هناك أخطاء ما في تجربتهم ولكن لا ضير، فهذا سيجعلهم يتداركونها مستقبلا . .

المخرج الشاب حمد عبدالرزاق الذي يرى فيه المخرج محمد صالح الأقرب إلى قلبه وعقله بمنطق التعامل مع المسرح من وجهات نظر شبابية يرى أن الشباب يقدمون الآن وجهات نظر حداثوية بالمسرح، سواء بالشكل أو بالمضمون، وهذا من حقهم، بل لهم مطلق الحرية أن يفعلوا هذا، لافتا الى أنهم جميعا يشكلون لوحة ما ضمن هذا السياق بألوان مختلفة، منبها أن هناك تصورا جديدا هم حريصون كل الحرص على أن يكون حداثويا، ومن اقتنع فسيشد على أيدينا ويدعمنا، ومن لم يقتنع سيقول ساخرا: صغار ويتعلمون..!

ونبه حمد أنه وزملاءه ربما يشتغلون على الصورة والفرجة المسرحية أكثر مما يشير إلى رغباتهم بأن يقدموا تصورا فنيا مختلفا عن الذي قدم في السابق، ولكن وحسب تعبير عبدالرزاق من الصعب أن نقول إن هناك ملامح تكونت ضمن هذا السياق، بل هي محاولات فردية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وقد تؤلف بمجموعها هما مسرحيا واحدا أكثر مما هو صيغة عمل في الشكل أو المضمون، ولكن صار يقال إن هناك مسرح شباب وجهود شباب ومخرجين شباب، وهذا بحد ذاته انجاز يحسب للأسماء الجديدة العاملة في الشأن المسرحي المحلي، ولكن حتى يكتمل المشهد والرؤيا في آن معاً هم يحتاجون للدعم المعنوي قبل الدعم المادي، وثمة تحد خاص بين الشباب أنفسهم فرضه الجو العام بينهم، وحينما يغيب أحد ما في لقاء مسرحي ما، وعلى سبيل مهرجان الشباب، يتساءل الجميع عن سر غيابه، وذلك لرغبة بأن يكون هناك مشهد مختلف ورغبة أخرى في المنافسة .

ويقول المخرج الشاب حسن يوسف: نعم، لقد تحولنا إلى ظاهرة، نحن ظاهرة مسرحية في المسرح الإماراتي، وهذا ما يؤكده كلام المخرجين المخضرمين والخبراء، ويذكر أنه قال له المخرج أحمد الأنصاري بعد مسرحية «العاصفة»: اذهب إلى أيام الشارقة المسرحية، هيا لا تتوقف، فمكانك هناك، ويجب أن تبدأ بالمنافسة، والمخرج ناجي الحالي ألمح إلى هذا أيضا، ومرعي الحليان قال لي إنك ممثل جرّب الإخراج، والى جانب هذا وذاك يؤكد حسن ان ما قدموه في الساحة المحلية هو مشهد متحول أتيح له أن يكون حاضرا وأن يترك أثرا طيبا لدى الجميع، فلماذا لا نتحدث نحن عن هذا الانجاز وننبه إليه؟، من حقنا ان يكون لنا صوت في المسرح المحلي، ومن حقنا ان نستفيد من كل التجارب الأخرى وننوع عن طريق التجريب والصورة والمضمون.

للمحترفين رأي

المخرج حسن رجب يؤكد أن كلمة موجة هي توصيف قد يظلم المواهب الموجودة، لأننا نحن المخرجين المحترفين لم نطلق على ما قدمناه اسم موجة، بل ما زلنا نجرب ونسعى لأن يكون لنا اسمنا والطريقة التي نعمل بها، وبالتالي فإن هناك طريقا طويلا حتى يكون لهؤلاء الشباب صوت خاص بهم وبمشكلاتهم ، وهذا له علاقة بالموهبة والثقافة التي أحرص على ضرورة أن يتحلى بها الشباب بشكل أو آخر، ومن دون الثقافة والموهبة فإن أحدا منهم لن يستطيع أن يصل إلى ما يحلم به، فهذا مسرح لن يستطع أحد أن يغش فيه، لأن المخرج تحديدا يجب أن يتحلى بسوية معرفية وفنية لائقة حتى يتبلور ما يقدم، ولفت رجب الى أن الجيل الثاني في المسرح الإماراتي يعترف حقيقة بفضل المؤسسين الذين فتحوا لهم المجال ليقدموا تصوراتهم وأحلامهم وخلاصة أفعالهم وهم مهدوا الطريق بكل ما تعنيه هذه الكلمة وسط ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية وما يحصده الكل اليوم هو بفضلهم وبفضل ما قدموه، وعلى جيل الشباب أن يعي هذه الحقيقة في علاقتهم مع الفن ومع ما يقدموه.

وبدوره قال الفنان عبدالله راشد إنه لا يرى أن هناك موجة شبابية في المسرح الإماراتي حتى الآن، باستثناء بعض الإشارات البسيطة التي تثار هنا وهناك في لقاءات المسرح المحلية، وهو لم يجد في مخرج مسرحي شاب قادر على بلورة وجهة نظره وتقديم ما لديه مثل محمد العامري، أما ملامح باقي المخرجين الشباب فلم تتبلور، بالتالي لن يكون بإمكاننا القول إنهم أصحاب توجه ما أو هم أثروا مباشرة في المشهد المسرحي المحلي، والزمن وحده كفيل بأن يحقق هذا التوجه ويبرز الآثار الايجابية له في الساحة المحلية.

بطبيعة الحال لا ندري إن استطاع هؤلاء الشبان الخروج عن السلوك الفني العام الذي قدمت من خلاله أعمالهم في مهرجانات شبابية أو احترافية ما، وحتى تكتمل الرؤيا ويقال ان المخرجين الجدد هم أصحاب موجة ما في المشهد الدرامي الإماراتي، فإنه حق علينا أن نشاهد ما يقدموه ونحكم عليه من باب أن هناك مادة تعريفية وتراكما سيسمح بتقييم أعمالهم.

كان المؤسسون من أمثال الفنان الكبير سلطان الشاعر ومحمد الجناحي وهم من الجيل الأول إذا اتفقنا على أن هناك حركة أجيال بالمسرح الإماراتي يعتقدون بأن الطريق الصحيح من أجل الحصول على مسرح إماراتي حقيقي هو التوجه الى التراث والواقع، لاسيما وأن هذا الواقع لم يشبع بحثا ولن تلتفت الناس إلا صوب أعمال كهذه، وقد وجد الجيل الثاني المؤلف من فنانين مخرجين لهم بصمتهم في المشهد المحلي مثل ناجي الحاي وإبراهيم سالم وحسن رجب وأحمد الأنصاري أن الالتزام بالواقع أمر واجب من أجل الارتقاء بالمسرح، ولا بد للمسرح أن ينطلق الى العالمية من خلال الواقع الذي يحفل بالكثير من القضايا، ولأجل هذا مضى ناجي الحاي يقدم لأهل فرنسا وقائع مسرحية «ما كان لأحمد بنت سليمان» قبل نحو ست أعوام، تجسيدا لهذا التمظهر الذي تحدثنا عنه قبل قليل، عارضا فيها تقاليد من المجتمع الإماراتي، وإلى جانب هذا وذاك سافر حسن رجب بأعماله إلى إنحاء العالم العربي، ناهيك عن المشاركات الأخرى في المناسبات والأسابيع الثقافية، ولكن نستطيع القول إن هناك موجة جديدة في المشهد المسرحي المحلي وإلى أي فئة تنتمي تلك الموجة وما مواصفاتها... وإلى أي حد تبدو أحلام أولئك الشباب وفية للواقع الذي انطلقت منه ..؟ سؤال تبدو الإجابة عنه مفتاحا للدخول في تفاصيله في لقاء يجمع الشباب والمحترفين في المشهد المسرحي المحلي.