هل قام هذا البناء بكتابة تعويذة إسقاط إمبراطوريّة الاتّحاد السوفييتي؟ قصصٌ استثنائيّة تروي حكايا تُخفيها أكثر أبنية الاتّحاد السوفييتي جموحاً. في رحلةٍ غير مخطّطة قصد فيها المصوّر الفرنسيّ، فريدريك شوبان، العاصمة الجورجيّة تبليسي سنة 2003، وقع نظره على كتابٍ قديم بدا ملفتاً للنظر. وعلى الرغم من انّ المصوّر غير قادرٍ على قراءة الحروف التي خُطّ به الكتاب، إلا أنّ الصور المنثورة على صفحاته كان لها أثر كبير، دفعه لإطلاق مشروعه الذي سنخوض فيه بهذه الصفحات.

علم فريدريك لاحقاً، بعد أن استعان بأحدهم ليشرح له قليلاً عن الكتاب، أنّه يسبر تاريخاً مداه 70 عاماً، بعد الثورة، ويعرض لمجموعةٍ من المباني المميّزة، والمبنيّة بأساليب وطرازاتٍ تتبع لمدارس مختلفة: «التفوّقيّة»، ويتحكّم فيها زخمٌ عالٍ من الأشكال الهندسيّة، و«البنائيّة» وتحتوي الكثير من الاسقاطات الجريئة والزوايا المثيرة. كلّها مدارسٌ تأثّرت عميقاً بأصداء التيّار الغربيّ، بدءاً من خطوط الفنلندي آلفار آلتو، وانتهاءً عند تصاميم المعماريّ البرازيلي أوسكار نيميير. وبين صفحات هذا الكتاب، لم تستطع عناصر المبالغة السوفييتيّة أن تُخفي عمارةً ظهرت فيها معالم الأقمار الصناعيّة والصحون الطائرة والمكّكوكات الفضائيّة.

مشروع شوبان، المدفوع بتعلّقه بسحر الفترة التي حكم فيها الاتّحاد السوفييتي العالم، بدأ رحلةً أوديسيّةً استغرقت 7 أعوام، باحثاً عن زوايا يتمكّن عبرها من التقاط صورٍ تحمل توقيعه، لأجمل الإبداعات المعماريّة التي ظهرت خلال الحقبة السوفييتيّة، وأغلبها مهدّدٌ بالسقوط. كلٌّ من هذه الإبداعات، حسب قول شوبان، ساحرٌ وغامض، جعله يشعر وكأنّه يعيداكتشاف إحدى المدن الضائعة من أقدم عصور التاريخ.

فلنأخذ مبنى وزارة الطرق السريعة في جورجيا، والأشبه بترتيبٍ أسطوريّ لقطعٍ مستطيلة من لعبة «جينغا» مدجّجة بالشبابيك، أُكملت سنة .1977 وقد بُنيت الوزارة تبعاً لمفهوم «المدينة الفضائيّة»، وتظهر فيها العديد من المعالم الصديقة للبيئة، بشكل سابقٍ لعصره، حيث تظهر حولها مساحةٌ خضراء تسمح لعنصر الطبيعة بالتمازج مع المبنى ذاته. ومن جهةٍ أُخرى يظهر مبنى «معهد البولي تكنيك في مينسك»، الذي يحمل طابعاً كونيّاً مدموغاً بصبغةٍ شيوعيّة. ومن صور شوبان، يُمكننا القول انّ رحلته الأوديسيّة كانت أشبه بنزهة بحريّة لعبّارة تحطّم الجليد المتجمّع على صفحة أحد الأنهار البيلاروسيّة.

مصحّة «دروزبا» أيضاً، المتربّعة بالقرب من بحر «يالطا»، تأخذ شكل تركيبةٍ من الدوائر المسنّنة المطلّة فوق ضفّةٍ من الأشجار، لكلٍّ منها مساحته الخاصّة. ويصف شوبان هذا المبنى بأنّ من يراه يعتقد بأنّه قاعدة صاروخيّة زرعها الأتراك أو الأميركيون، ويزيد شوبان على اعتقاده هذا، باعترافه بأنّ كتابه ليس نابعاً عن نظرة خبير معماريّ، وإنّما هو مجرّد مجموعةٍ من الاختيارات التي قام بانتقائها شخصٌ هاوٍ. ولعلّنا نحن المحظوظون بهذه الحقيقة، فلن يتمكّن شخصٌ خبير من الذهاب إلى الأبعاد التي وصلها شوبان.

من المباني التي اختارها شوبان أيضاً، المنزل الصيفيّ للعطلات، التابع للرئيس الأرمينيّ، الذي يظهر وكأنّه برجٌ حديثٌ مغروسٌ في شبه جزيرة على أطراف بحيرة «سيفان»، وفي خلفيّته لوحةٌ من الجبال الغامقة. وفي مغامرته لتصوير هذا المنزل، غامَر شوبان باستئجار قاربٍ والابحار لأقرب نقطةٍ ممكنة، على الرغم من محاوطةٍ القصر بحرس الرئيس المدجّجين بالسلاح.

لأسبابٍ عديدة، منها عائق اللغة، أو عدم الاحتفاء بالأسماء العظيمة خلف تلك الصروح في بعض الأحيان، لم تأخذ هذه الأبنية حقّها في الحقبة السوفييتية، وعلى الرغم من غزارتها إلا أنّ أغلبها لم يلق شهرةً في الغرب، حتّى أنّ أخصائيي العمارة يُبدون دهشةً عاليةً عندما يسمعون عن هذه المباني. وصحيحٌ أنّ افتتاح معظم هذه المباني كان قدّ سُجّل من قبل الإعلام الروسي، غلا أنّه كان حكراً على مجلّات ومحطّات تلفزة الامبرطوريّة السوفييتيّة آنذاك، حتّى ظهرت لاحقاً في الكتاب الذي نُشر سنة 1987، في الذكرى السبعين لثورة أكتوبر، والتي احتفت بمجموعةٍ من العلامات المعماريّة ضمن الجمهوريات الخمس عشرة للاتّحاد السوفييتي السابق، والتي وقعت بعد 16 عاماً بيد شوبان. ولا ننسى بالتأكيد، أن السفر السياحي إلى دول روسيا السابقة، لم يكن محبّذاً إلا للضرورات القُصوى، مّا جعل المباني فيها تحتفظ بسحرها الغامض حتّى أيّامنا هذه. على هامش التدهور.

يذكر شوبان في نقاطٍ عديدة من رحلته، بأن ما أثار استغرابه أثناء بحثه عن تلك الأبنية، هو كون مُعظمها تمّ تشييده خلال فترة تدهور حال الاتّحاد السوفييتيّ، «لقد بُنيت معظم تلك الأبنية في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من عمر الاتّحاد. في البداية كنت مندهشاً، خصوصاً أنها بُنيت تبعاً لمدارس وهندسات مختلفة، خلافاً للأسلوب الدارج في الاتّحاد السوفييتي من منتصف الخمسينات، أيّام حكم خروتشوف، المُتّسم باستخدام الكثير من الاسمنت الرخيص، ترك مجالٍ ضيّقٍ جدّاً للأفق الفنّي» يقول شوبان.

ويبرّر شوبان هذا التغيير، بأنّ الفترة المحصورة بين سبعينات وثمانينات القرن الفائت، شهدت ظهوراً قويّاً للمواهب الوطنيّة السوفييتيّة، ولاسيّما بعد كسر القيود التي كانت تفرضها موسكو على أساليب البناء. ويُمكن قراءة هذا التحوّل، بأنّ فناني تلك الفترة كانوا توّاقين لكسر المركزيّة والتبعيّة للعاصمة، وللاتّجاه نحو الاستعارة من فنون الغرب، قبل أن ينهار النظام كاملاً سنة .1991

وأخيراً تشهد هذه الأبنية عنايةً خاصّة من الجامعات الروسيّة، إلا أنّ الكثير من تلك المباني للأسف سقط ضحيّة عدم العناية والترميم، وهو آيلٌ للسقوط. والجدير بالذكر أن مشكلةَ تلك المباني شبه واحدة، ألا وهي أنّ المباني حكوميّة بالأساس، وقد تمّ تشييدها لإثارة إعجاب السكّان المحليين لكلّ مدينة. والآن لم تعد لتلك المباني تلك الأهميّة، نظراً لسقوط الأنظمة التي بنتها، وعدم أهميّة الدور الذي أضحت تُمثّله. ولكن بين تلك المجموعة الضخمة من المسابح، والنوادي الرياضيّة، والمصحّات، لا يزال هنالك بعض الإبداعات المعماريّة الغريبة، شأن «قصور الأعراس».

شابهت هذه المباني، إلى حدٍّ كبير من ناحية المساحة والطموح، كاتدرائيّات الدولة الضخمة. وقبل أن يقوم شوبان بتصويره، طرح سؤالاً عن ماهيّة المبنى الموجود في العاصمة الليثوانيّة «فيلنيوس»، على سكّان المدينة، فبعضهم توقّع بأن يكون محطّة طاقة، والبعض الآخر رأى بأنّه ديرٌ أو مختبر ضخم، غلا أنّ أحداً لم يخطر بباله أن يكون المبنى مكباً لتسجيل عقود الزواج، وقد بُني بهذا المستوى ليجتذب الناس، في الدولة الكاثوليكيّةِ، للزواج خارج الكنائس.

ما لفت نظرنا نحو رحلة شوبان، هو الهدف السامي من ورائه، فالمصوّر الفرنسيّ لم يكن يريد أن يحصل على مجموعةٍ من اللقطات المميّزة فقط، وإنّما كان يريد أن يصل إلى تاريخ إعمار تلك المباني، ومعرفة أسماء المصمّمين، إلا أنّ الشُقّ الثاني من مهمّته كان شبه مستحيل.

فقد كانت الأبنية تلك الفترة تُصمّم من قبل موظّفين يعملون في مكاتب حكوميّة ضخمة جدّاً، ولا يُمكن معرفة من فعل ماذا. ولا بدّ لنا هنا من ذكر أنّ هؤلاء لو كانوا قد عاشو ا في الغرب، لكانوا في يومنا هذا من مشاهير عالم العمارة، حاصلين على أرفع الجوائز، ويقيمون في قصور نظراً لثرائهم الفاحش. إلا أنّهم للأسف عاشوا، وربّما توفّوا في أقبية، أو شققٍ أشبه بعلب أعواد الثّقاب في المعسكرات السوفييتيّة. المدينة العائمة.

أصغر المعماريين الذين عملوا على تصميم مشاريع الاتّحاد السوفييتي المعماريّة، باتوا في عقدهم السابع، على أقل تقدير، في يومنا هذا. نذكر منهم أوليغ رومانوف، الذي صمّم سنة 1985، أحد المعسكرات بمدينة بوغاتير الروسيّة، بصيغة «زيغ-زاغ»، تُعرف الآن بالمدرسة التفكيكيّة، وهو الآن نائب رئيس اتّحاد «سان بطرس برغ» لمهندسي العمارة. ومعروفٌ عن أوليغ، بأنّه قاد حملة شرسة ضدّ بناء البرج الكبير والـ«المبتذل» التابع لشركة «غازبروم»، والذي صمّمته شركة (RMJM) البريطانيّة للعمارة، الذي يهدّد، حسب رأي «رومانوف»، بتدمير أفق واحدةٍ من أكثر المدن روعةً في العالم.

إلى جانب رومانوف، عمل أحد زملائه في السكن، وهو «مارك خيديكيل»، الذي هاجر إلى نيويورك سنة 1994، وعمل مع شركة «فيليب جونسون»، الشركة المعروفة أعمالها المتّسمة بالبرجوازيّة والرأسماليّة. وجورج شاخافا، لم يكن مجرّد مهندس معماريّ في وزارة الطرق العامّة في جورجيا، بل إنّه وزير بناء الطرقات أيضاً، وبهذا تمكّن من إطلاق العنان لمخيّلته التصميميّة، مع استمداد الالهام من أعمال إيل ليسيتزكي، رائد المدرسة التفوّقيةّ في البناء. والنتيجة خلف ذلك، هو شبه مدينة كاملة من الطرق المتقاطعة، فوق بعضها البعض في الهواء، رفعت مبنى الوزارة إلى مكانه المميّز فوق الغابة، وخلقت انسجاماً ساحراً بين الطبيعة والعمارة.

هل ستحيا هذه الجواهر لفترة ما بعد كتاب شوبان؟ يبدو أنّ التطوّر العمرانيّ المحيط بمُعظم تلك المباني سينهيها إلى زوال، فالمساحات الواسعة الخضراء التي كانت تحيط بكلّ مبنى من هذه المباني، باتت تعجّ بالفنادق ذات الخمس نجوم، والكازينوهات والمنتجعات الصحيّة، وفيلات الأغنياء. إلا أنّ هناك بعض الأخبار الطيّبة، فوزارة «شاخافا» أضحت معلماً تذكاريّاً منذ سنة 2007، السنة التي توفّي بها جورج «شاخافا». وهناك مقولاتٌ تتردّد منذ ذلك الوقت، بأنّ المبنى سيتحوّل إلى المكتب الرئيسيّ لبنك جورجيا، إلا أنّ بعض السكّان المحليين يعترضون على تلك الفكرة. فمنهم من يجد في المبنى رمزاً للأيّام السوداء التي عاشوها سابقاً. قد يكون مفهوم السكّان هذا واقعيّاً بالنسبة للكثير من الأبنية التي صوّرها شوبان، على الرغم من أنّه هو شخصيّاً، يؤمن بان تلك المباني ترمز إلى حقبة زمنيّة، ولا تتّصل على الإطلاق باستمراريّتها. يقول شوبان في ختام كتابه: «لا أشعر بالحنين إلى أيّام الاتّحاد السوفييتي، ولكّنني أرى في تلك المباني جلدة من الثقافي التي أذهلتني بكلّ ما في الكلمة من معنى».