قد لا يعرف الكثيرون من متابعي نجوم الدراما العربية المسرحية والتلفزيونية أن هؤلاء النجوم بالأساس كانوا يعملون «كومبارسا» في أعمال مسرحية متواضعة وأنه في غياب التلفزيون وقلة الأعمال السينمائية التي كانت تنفذ كان للمسرح الدور الأهم في إبراز طاقات العناصر الفنية الجديدة وتقديمها للوسط المسرحي والفني ، وكان الباب مفتوحا لممثلين جدد على الساحة الفنية بحيث يلفتون نظر المنتجين والمخرجين وصناع الأعمال الدرامية الأخرى فيتركون أثرا ما يجعلهم على مقربة مما يمكن تسميته الخطوة الأولى باتجاه العمل الاحترافي .
ولعل الكثير من النجوم يحكون في سيرهم الذاتية وفي أحاديثهم الصحافية عن البدايات ، فيصفونها بأنها كانت بالمصادفة وأن حب المسرح في داخلهم قد قادهم للوقوف على الخشبة ومن ثم التعاطي مع الموضوع على نحو احترافي وذات مرة قال الراحل يوسف وهبي أحد أعمدة التمثيل في الوطن العربي في فترة الأربعينات والخمسينات والستينات إن معظم نجوم السينما والتلفزيون في العالم العربي ظهروا عبر بوابة المسرح وكلهم كانوا «كومبارسا» وهذا بحد ذاته لا يشكل عيبا من الكومبارس ولا يعني أنهم ليسوا موهوبين بل على العكس ، قد لا يكون متاحا أمامهم إلا هذا المنفذ في ظل غياب الأكاديميات الفنية الراقية ، وربما قادتهم موهبتهم لأن يكونوا حاضرين في المستقبل بمساحات أكبر ، وبدوره قال الفنان الراحل عبد الله غيث أن بداياته كانت في دور متواضع في واحدة من المسرحيات التاريخية ولكن هذا الدور قد أتاح المجال له أن يقدم حضورا أهم في الأدوار اللاحقة ، ولعله لم يمكث طويلا في الكومبارس حتى انتقل ليحصل على دور ثالث وثاني ومن ثم أول ومن خلال المسرح أتيح له أن ينتشر وأن يحقق حضورا واسعا في المشهد الفني العربي .
ويؤكد الناقد رفيق الصبان في إحدى لقاءاته الأكاديمية أن حضور الكومبارس ليس طارئا في المشهد الثقافي والمسرحي العربي بل على العكس استطاع الكومبارس أن يؤسس لمصنع جديد مصنع النجوم وهذه حالة ليست مقتصرة على الفن العربي بل كل الفنون العالمية استفادت من ظاهرة الكومبارس ومضى الكومبارس ليترك بصمة ما في المشهد المسرحي غالبا ومن ثم لينتقل أبرز المؤدين فيه إلى أدوار أخرى ذات حضور لافت فنيا وفكريا .
فكيف ولدت فكرة الكومبارس وكيف تم التعامل معها من منظار المصنع الذي نبّه إليه الناقد الكبير رفيق الصبان هذا ما سنتعرض له في هذا المجال ...؟
ولدت فكرة الكومبارس من الدراما اليونانية القديمة وشأن الكومبارس شأن الكثير من التفاصيل المسرحية التي لها علاقة بجذور المسرح القديم قدمتها الدراما اليونانية لكل المبدعين المسرحيين ، ولعل الجوقة التي كانت تردد ما يقوله البطل أو تعطي ردة فعل عليه تعتبر من أساسيات العرض المسرحي ولم يكن هناك عرض مسرحي في تلك الفترة من دون حضور الجوقة وهذه الجوقة كان معظم عناصرها يضعون القناع ليقدموا حالة تعبيرية إنسانية واحدة على وجوههم وكان لهذه الجوقة دورا جماعيا واحدا يقتصر على ردات الفعل ، والفعل كان على الدوام مقترنا بالشخصيات الرئيسية ولعل تفسيرا ما لدور الجوقة يؤكد كيف كانت تتطور آلية العمل بالمسرح وكيف كان يخضع المسرح لتراتبية تشبه معظم الترتبيات الموجودة في الحياة ، فالموهوب والكفؤ غالبا ما ينتقل إلى درجة أخرى خاضعا للتسلسل الوظيفي والمهني .
وهكذا قدمت الدراما اليونانية في وقت مبكر مفاهيم مبكرة للكومبارس وللممثل بالدور الثاني والثالث ومضى الأمر دون أن يكون له حضور واسع مع تعدد الخيارات المسرحية وتنوع المدارس التي نضعها بين قوسين طبعا ، والأهواء المسرحية والإخراجية ولكن ظل للكومبارس حضوره وسطوته في المشهد المسرحي العربي وهو ناهيك عن الحالة الدرامية التي يتم الاستفادة منها هناك حالات جمالية مختلفة وتجعل الخشبة تقدم أشكالا جمالية في حال تم استخدام الألوان والإضاءة التي غالبا ما يكون العنصر البشري موضع ثقل وهي تقدم بجمالياتها على الخشبة .
كومبارس رجب في «التبريزي والسلوقي»
يرى المخرج المسرحي حسن رجب أن الكومبارس في المسارح العربية عموما أسهم بشكل أو آخر في إيجاد بدائل وحلول درامية مقترحة لمشاهد جموع الناس ، وهو يؤيد أن يكون الكومبارس المدرب حاضرا في المشهد المسرحي العربي في الأعمال التي تحتاج هذا ، شرط أن يكون هناك جدوى رامي وليس بقصد تحقيق حالة جمالية ما كما نطالع اليوم مشاهد جيوش من المتواجدين على الخشبة التي تكتظ بهم دون أسباب مقنعة ، ولفت رجب الى أنه في الأعمال التي قدمها كان بحاجة لممثلين من درجات متأخرة ليكونوا عواما في الحي أو في السوق أو في مكان ما وتحقق هذا في مسرحية علي جناح التبريزي وفي مسرحيات أخرى وصل عدد الكومبارس فيها إلى عشرين تقريبا ، وربما كانت مسرحية السلوقي أحدث إخراجاته المسرحية هي الأقرب لهذا التصور الإخراجي الذي يعتقد رجب أنه ضرورة في المسرحيات التي تحتاج هذا منبها أنه من خلال الكومبارس ولد الكثير من النجوم العرب وربما كان عادل إمام على رأسهم وبالتالي يجب أن يستهين المرء بما يمكن أن يقدم الكومبارس وعلى المخرج الحقيقي أن يكتشف مواهبه من هؤلاء الناس .
ونبه حسن رجب الى أن تأمين كومبارس في الأعمال المسرحية الخليجية قد لا يكون أمرا سهلا على الإطلاق وهو يحتاج إلى بحث ومتابعة ودراية والكثير من الأعمال المسرحية قد تفشل في العثور على الكومبارس المختص نظرا لعدم توافر عناصر موهوبة .
الكومبارس بين التاريخ والتراث
ويشير الفنان والمخرج المسرحي القدير عصام السيد أحد أبرز المخرجين المسرحيين في مصر ، الى أن الكومبارس موضة يونانية بالأساس كان اسمها الجوقة المسرحية وولدت لتكون عنصرا مسرحيا غنيا ومتواجدا دائما في معظم العروض المسرحية التي كانت تقدم ، و أتيح لهذه الجوقة أن تجد مخرجا لكل أنواع المسارح في العالم واعتمد عليها كظاهرة فنية وتجارية في آن معا ، لافتا الى أن هناك مكاتب الآن تقوم بتأجير كومبارس وجموع للأعمال الدرامية الكبيرة لا سيما السينمائية والتلفزيونية منها وبالتالي ازدهرت هذه الحركة من خلال بوابة المسرح لتنتشر بين أجناس الفنون الأخرى وأكد عطية أن الكثير من العروض المسرحية باتت تعتمد على الكومبارس لا سيما العروض التاريخية بالدرجة الأولى وبعض العروض الأخرى ذات الصبغة التراثية خصوصا وأن تحقيق العنصر الواقعي في المسرح يحتاج من بعض المخرجين الى تأكيده من خلال هذه الجموع . ولفت عطية الى أن هناك تراجعا بشكل عام في دور الكومبارس وذلك بسبب تراجع الأعمال التي تحتاج لهم بل ثمة توجه نحو استخدام التقنيات المسرحية في المسرح الحديث تبعا للمواضيع المقترحة والمطلوبة والتي غالبا ما تكون ذات صيغة إنسانية بالدرجة الأولى وبالتالي هل يصبح وجود الكومبارس في المسارح العربي موضة قديمة ..؟ سؤال قد يجيب عنه المستقل المتخم باقتراحات فنية ومسرحية مختلفة .
احتفاليات العربيد في دمشق
ويؤكد المخرج السوري تامر العربيد أن للكومبارس حضورا واسعا في الأعمال التي أخرجها لصالح المسرح القومي في دمشق ، لافتا الى أنه يتعامل معهم كجزء رئيسي في الاحتفاليات التي يقوم بها وغالبا ما يستخدم في عروضه الغناء والرقص المسرحي والمشاهد التي تحتاج إلى مجاميع في العروض التراثية التي يحرص على تقديمها مثل السمرمر وحلاق بغداد وغيرها من العروض الأخرى ، ولهذا فإن مسرحه غالبا ما يكون متخما ومزدحما بالعناصر البشرية التي تزيد مع الممثلين عن ثلاثين شخصا وهذا عدد كبير بالنسبة لأي عمل مسرحي قياسا بالمسرحيات الأخرى التي تعتمد على مجاميع وأعدادا أقل .
ولفت العربيد الى أنه يجد محبة من الجمهور واهتماما واسعا في حال كان العرض حافلا بالفرجة وهو يحرص على أن يقدم عروضا كهذه ، أو هو سلك دربا مباشرة في هذا الاتجاه ذلك أنه يرى في المسرح فرجة شعبية وإجتماعية وإنسانية تسعى لأن تقدم مواضيع مختلفة في فضاء الحكاية التراثية والشعبية .
ويرى العربيد أن التعامل مع الكومبارس كراقصين أو كمؤدين ضمن التسمية التقليدية له والمسماة بالجوقة تحتاج إلى تعامل دقيق يشعر كل عنصر منهم أنهم جزء من نجاح العلمية المسرحية وهو ليس رقما فقط بل إضافة مهمة أيضا لأن هذا يشعرهم بإنسانيتهم قبل أن يشعرهم بأنهم مؤدون في عرض مسرحي منبها الى أن هناك أسماء كثيرة في العالم العربي ونجوما الآن خرجوا من بين صفوف الكومبارس لأنهم يحبون العمل في المسرح ويعشقون الفن وهذا توجه يجب أن يحترم لأن محب الفن في هذه الأيام صار عملة نادرة ومن الطبيعي أن يشهد الفن المسرحي تراجعا في استقطاب الكومبارس بعد أن اقتنص التلفزيون وقبض على هذه المهنة أيضا وبعد أن انتشرت شركات الكومبارس التي تؤجر العناصر البشرية باليوم ولفترة قصيرة لذا يجد المرء أن الأجر الذي يعطى له هناك أهم مما يمنح في المسرح وبالتالي تظل هناك مشكلة ما في قلة العدد المطلوب للعمل في المسرح.
