لا تستعجب إذا رأيت الدخون والبخور الإماراتي في قوارير باريسية وتارة عبر ماركات ايطالية وانجليزية معروفة، لان هذه العطور التراثية تؤكد عبقرية الأولين في هذا المجال، فعلى الرغم من بساطة تكوينها، إلا أن سحرها نفذ إلى خبراء صناعة العطور في العالم لتكون جزءاً من مكونات هذه الصناعة، هذا فضلا عن الجماهيرية الكبيرة التي تحظي بها العطور التقليدية في معارض القرية العالمية هذه الأيام، وتعطر فعاليات مهرجان دبي للتسوق، ومن دون البخور، أو الدخون، كما يطلق عليه البعض لا تكتمل زهبة العروس، ولا زينة خدرها وعش الزوجية، فضلاً عن كونه عنوان الضيافة والقاسم المشترك في كثير من المناسبات الإماراتية، ولا تخلو ضيافة أو استقبال من العطور المحلية سواء كانت ماء ورد أو دخونا، وتدخل في تركيبتها مواد محلية، وأخشاب طبيعية بعضها يستورد من الهند، وهناك عائلات تخصصت في هذه الصناعة، وبرعت فيها، لكن لم تصل إلى درجة الاحتكار، كما في بعض الحرف اليدوية المحلية. «الحواس الخمس» تابع مسيرة عطورنا المحلية وكيفية تطورها في السطور التالية..
منذ زمن بعيد اهتمت المرأة، لاسيما الخليجية، بالعطور والبخور، فقد ولع العرب بالطيب والتطيب حتى أصبح أحد مظاهر حياتهم اليومية، وتفيد بعض الدراسات أن للطيب دوراً كبيراً في حياة المجتمع العربي والإسلامي؛ فقد استعملوه في شتى المناسبات السعيدة منها والحزينة.
وفي العصر الإسلامي ازداد اهتمام العرب بالطيب فكان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يحث أهل بيته على استعماله، وأمر أن يجعل في جهاز السيدة فاطمة عند زواجها من الإمام علي، رضي الله عنهما، في ثيابها، وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «خير طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه».
والعطور الخليجية تختلف عن غيرها من العطور في جاذبيتها وأصالتها، وهي ليست وقفاً على المرأة وحدها، فالرجال لهم عطورهم أيضاً، ويقبلون عليها لأنها نابعة من تراثهم.
لكن المرأة الخليجية تتمتع بذوق خاص في استخدام العطور والبخور، ومن بينها دهن العود، وهو أشهرها، وعرق الصندل، والزعفران، والعنبر، والمسك، والحنة، وهب النسيم، والياسمين وعطر النديم.
والبخور كلمة تطلق إما على مفردات عطرية، أو على مخاليط عطرية توضع على الجمر؛ فبتأثير حرارة الجمر على المواد العطرية المكونة لها يتحول المخلوط إلى دخان عطري جيد الرائحة، ويستعمل لذلك مباخر أو مجامر ذات أشكال وألوان متعددة، وبعض هذه المباخر يعمل على الكهرباء، والبعض الآخر على الجمر الطبيعي أو الصناعي، لكن الغالبية تفضل الجمر الطبيعي.
وتستخدم النسـاء نوعـاً من البخـور اسـمه الدخون، ومعظم النساء يتفنن في صناعة الدخون، ويعرفن جيداً مكوناتها ونسب كل منها، فالدخون تصنعه النساء من عجينه مكونه من سجا العود والمسك والعنبر وقد يضاف إليها دهن الورد، تخلط معاً وتعجن، وتشكل على شكل أقراص مستديرة، وتستخدم بعد أن تجف، وتوضع في الخوص وتعلق عليها الثياب لتظل الرائحة عالقة بها دائماً حتى بعد غسلها. كما تحرص النساء أيضا على حرق بخور العود كل مسـاء. حتى أصبحت الرائحة الزكية شيئاً مميزا للبيت العربي، ومظهراً من مظاهر الترحيب بالضيوف.
دخون الكيك
في سبيل الابتكار والتجديد وليواكب الدخون الأشكال الراهنة في العديد من المنتجات الشهية ابتكرت إحدى المواطنات نموذجا غير مسبوق لـ(دخون الكيك)، وهو عبارة عن تجميع لخلطة سرية تحتفظ بها لنفسها وتمكنت من صنع دخون على شكل كيكة شهية لتضفي على رائحة البخور بعدا آخر محاكيا المذاق الشهي وهو الأمر الذي لفت الأنظار لدى مشاركتها في العديد من المعارض والفعاليات وكانت هذه التساؤلات بمثابة تعريف لهذا المنتج التراثي وتقوم بشرح ماهية هذا الشكل فالبعض يتخيله كيكة فيفاجأ الحضور بأنه دخون، وهذا يؤكد إن الدخون تخطى الحدود التقليدية.
دورة في صناعة البخور
نسبة لشغف بنات هذا الجيل وحبهن للبخور إلا انه أضحى سمة عصرية تراثية لا غنى عنها من قبل بنات هذا الجيل، ولإضفاء هذا الشغف ولمزيد من المعرفة لخبايا وأسرار البخور نظمت الوالدة (عائشة نايف) دورة تدريبية في فن صناعة البخور حيث قدمت فيها العديد من المحاضرات العملية لتعليم البخور، وشرحت لهن سر التركيبة بمحتوياتها المختلفة من الأخشاب والزيوت العطرية، وهو يعد بمثابة انتقال بتراكم خبرات الأوليين إلى هذا الجيل ومن باب الحفاظ على موروثاتنا القديمة، بجانب إتاحة الفرصة لبنات هذا الجيل لإضافة لمساتهن العصرية ورؤيتهن الحالية على البخور. فكانت الدورة بمثابة ورشة عمل متكاملة تضم مختلف التخصصات والخبرات والأعمار وهو الأمر الذي انعكس بخلطات غير مسبوقة للبخور.
للتواصل مع أم نايف:
almassy2003@hotmail.com
واجهة تراثية
بات المدخن واجهة تراثية تزين كثيراً من الساحات والطرقات بأسلوب جمالي معاصر، خصوصا إبان المهرجانات والفعاليات السياحية التي تعد فيها المعالم التراثية بما فيها المدخن من اهم عوامل الجذب السياحي، وليس هذا فحسب بل يعد عاملا ترويجيا يستخدمه أصحاب محال العطور، حيث يوضع مدخن بحجم كبير في مدخل المحل يوضع فيه عينات من أجود أنواع الدخون الموجودة في المحل وهو الأمر الذي يغري السياح بطلب المنتج المعروض خارج المحل بعد ما جذبتهم رائحته المميزة.
منافسة الماركات العالمية
لم تعد العطور العربية والدخون والمخلط منتجات تراثية يشارك بها في المهرجانات والفعاليات التراثية التي تنظم من حين لآخر، بل أصبح منتج له موقعه المميز في الأسواق وسط الماركات العالمية المعروفة، بجانب دخوله في تركيبة عدد من العطور المعروفة أصبحت منافسا لكثير من الماركات العالمية.
إقبال كبير
لم يعد اللون الأسود هو الغالب في الدخون كما كان في السابق، فأصبح يقدم في أشكال وألوان متنوعة منها علي سبيل المثال دخون على شكل ورود وتمور، فضلا عن الابتكار في أساليب العرض، حيث يقدم في علب فاخرة تصنع حسب الطلب سواء من المعادن النفيسة أو الأخشاب الفاخرة، والتي تقدم على شكل هدايا تقدم في المناسبات السعيدة. وهو الأمر الذي يشجع على ان تكون العطور العربية والدخون من الهدايا المفضلة في الدولة، وهذا ما تؤكده أميرة عبدالرحمن التي تعمل في محل لبيع العطور ان مبيعات العطور العربية وعلب الهدايا المخصصة لها تزايدت مع انطلاقة فعاليات مهرجان دبي للتسوق في دورته الحالية خصوصا من أبناء دول مجلس التعاون.
عطور فرنسية تحاكي العربية
انتبهت عدد من الشركات الفرنسية المعروفة إلى عشق ومحبة عملاء الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص للعطور العربية ومنها الدخون الإماراتي، ولكي تضم هؤلاء إلى قائمة عملائها المميزين أضافت نكهات الدخون العطور العربية إلى عدد من ماركاتها المحببة في المنطقة لتجمع بين الشرق والغرب في عطر واحد، وعنها تقول مسؤولة في محال اريج إن الشركات الفرنسية حققت لها حلم حياتها بالجمع بين دخون الإمارات وعطرها المحبب وحالها حال كثير من عاشقات المنتجات التراثية التي تقدم في ثوب معاصر جذاب يسهل التعاطي معها.
رائحة زهبة العروس
لا تكتمل زهبة العروس في جميع إمارات الدولة ومناطقها سواء الحضارية والمدنية إلا بالعطور والمخلطات والمخمرية، إضافة إلى العود ودهن العود الكمبودي؛ فهي تعد من الأساسيات والتي تهتم بها العروس وأهلها بتحضيرها باكرا قبل الحلي والمجوهرات والملابس الفاخرة، حيث توصي أم العروس إحدى المتخصصات في صناعة العطور بتجهيز أفضل الأنواع، والتي تتكون من أفضل المخلطات والزيوت العطرية.
