يقول الإعلامي السعودي ياسر الغسلان أحد المهتمين بقضية «سطوة الإعلان على الإعلام» إنه «أصبحت هناك مسافات ومسافات من التأثير، ففي ثنايا مخرجات الإعلانات يقبع مثلث برمودا الذي سيأخذ بعقول العرب إلى مكان مجهول لا نعرف ملامحه ولم نع بعد خطورته الحقيقية»! وفي مقابل هذا لا يخفى على أحد بأن الإعلانات التجارية باتت وبلا شك المحرك الاقتصادي الأساسي لأية وسيلة إعلامية، ولاسيما في عصر الفضائيات، وليس هذا فحسب بل أصبحت أيضا تطل بين الفينة والأخرى لتقطع عمق اندماج المُشاهد ببرنامج معين، أو مسلسل درامي ما مُضيعة وبجدارة فرصة المشاهدة الممتعة والمشوقة في كثير من الأحيــان.

 

وليت الأمر وقف عند هذا الحد فقط أو تعداه إلى التحكم أيضا بعدد ونوعية الإعلانات التي توفرها للقنوات الفضائية!، إذ تجبرت الشركات الإعلانية بما تملكه من مردود مادي قوي وفرضت هيمنتها أيضا على تلك الفضائيات من خلال الصلاحيات الكاملة باختيار نوعية البرامج، وأسماء أبطال البرامج التي ستعلن فيها، بغض النظر عن توعية هذه الإعلانات ومستواها الفني والرسائل التي توجهها للجمهور المشاهد من جهة أخرى. وكما أكد أهل الاختصاص في الإعلام فإن هناك متغيرا ربط الدراما والبرامج بالإعلان، فأصبحت الدراما والبرامج ذات الجماهيرية تنتج لصالح الإعلان الذي بات يتبعها أينما كانت، فاختفت مسألة كيف تنتج مسلسلا أو برنامجا يؤثر في المجتمع؟

«الحواس الخمس» ناقش الموضوع مع مجموعة من الإعلاميين الذين تراوحت ردودهم في إطار السطور التالية..عبر باقة من الأسئلة طرحها.

هل وصلت هيمنة الإعلانات إلى مستوى تحول فيه برنامج أو مسلسل درامي ما إلى سلعة تحكمها سياسة العرض والطلب، وهل الإعلام والإعلان يعكسان علاقة كلاسيكية قديمة، وهل قوة المنتج الإعلامي يبقى هدف المنتج الإعلاني للتقدم نحوه والعكس؟

 

مساحة كبيرة في حياتنا

 

يقول الإعلامـي عبدالناصر أهلي: احتلت الدعاية والإعلان مساحة كبيرة من ذاكرتنا، وهي تلاحقنا أينما ذهبنا، ومن الملاحظ أن حياتنا غزتها العديد من أساليب الدعاية والإعلان عبر عدة وسائل إعلامية من إذاعة وتلفزيون وفضائيات متعددة وسينما وصحف ومجلات ومواقع إلكترونية وهواتف نقالة، بل حتى شوارعنا، مشيرا الى أنه من الواضح أن المعادلة بين الإعلان التجاري الجيد والإعلام النوعي إن جاز التعبير معادلة صعبة التحقيق، والسؤال المطروح: إلى أي مدى استطاعت فضائياتنا العربية أن تنجح في تحقيق رسالتها الإعلامية الهادفة بالشكل الذي يلبي طموحها ويرضي جمهورها وإن كان (رضا الجمهور غاية لا تدرك)؟!

 

الإعلانات تتوغل

يقول نواف محمد راشد - مدير الموسيقى في إذاعة الخليجية: إن تحدثنا بنظرة واقعية ومنطقية فإن الإعلان التجاري مهم جدا للإعلام بل هو مقياس نجاح الإعلام في كثير من البرامج الإذاعية والتلفزيونية ومن دونه فإن آلية عملها غير دقيقة وليست سليمة# لأنها تدل على عدم وجود أثر للإعلام على الجمهور ، مضيفا: ولكن الصدمة في توغل الإعلانات التجارية لاسيما من قِبل الشركات الكبيرة والعملاقة في وسائل الإعلام باختلافها، الأمر الذي أتاح لها قوة لا تحدها حدود، وبالتالي فُرشت لها السجادة الحمراء بأن تكون شريكا أساسيا في كل ما يعرض على الشاشة الفضية والفضائية وما يبث عبر أثير الإذاعات، وعلى أوراق الصحف أيضا.

وتابع: والنقطة التي يجب أن نُركز عليها هنا هي مدى الانزعاج الكبير من الجمهور من كثرة الإعلانات التي تنفرهم، ولا يترددون مقدار ذرة بأن يكبسوا على زر «الريموت كونترول» للتحول لمحطة أخرى ، موضحا أنه-على سبيل المثال- في الولايات المتحدة الأميركية إذا ما تم عرض مسلسل مدته نصف ساعة، فإن القانون لا يسمح ببث إعلانات أكثر من إحدى عشرة دقيقة، وبهذا تصبح المدة الصافية للمشاهد تسع عشرة دقيقة من البرنامج، أما في فضائياتنا العربية فوقت الإعلانات مفتوح وذلك للحرص على الكبير على تحقيق الربح المادي الذي يأتي في الأولوية دائما.

 

الإعلان التجاري والربح المادي مهم،والإيرادات المالية مهمة أيضا ، ولكن يأمل الجمهور ألا يكون هذا على حساب قيم المجتمع ، فهناك بعض الإعلانات التجارية التي تحرص الشركات فيها على إبراز أهمية الُمنتج وذلك على حساب مبادئ معينة ، لذا فما يجب ألا نغفل عنه هنا أن المعيار الذي يجب أن ترتكز عليه الفضائيات العربية في بثها للإعلانات التجارية هو ما يتناسب مع الذوق العام والآداب العامة وما يمليه عليه ديننا من مبادئ والتزامات أخلاقية قد تكون غير مجدية للشركات الإعلانية.

 

يتخطى الحدود الجغرافية

تقول فاطمة الظاهري - مذيعة في مؤسسة دبي للإعلام : إن الفضائيات أصبحت الأكثر انتشاراً من ذي قبل،فالإعلان يصل إلى شريحة أكبر وفي حدود جغرافية أوسع ، موضحةأن هناك شركات إعلانية كثيرة تسعى فعلا إلى فرض سياسة معينة من أجل توفير الإعلان ولكن هذه السياسة قد تختلف مع سياسة معظم الفضائيات والإذاعات والصحف لأن لتلك النوعية من الوسائل الإعلامية برامج ورسائل تسعى جاهدة إيصالها للمجتمع بكل شرائحه وهي لا تنسجم في كثير من الأحيان مع توجهات الشركات الإعلانية أو لا تأتي ضمن اهتماماتها الأساسية التي تتركز غالبا في البرامج الترفيهية..مشيرة أيضا إلى أن الجمهور من حقه أن يرفض الإعلانات غير الهادفة،أو أخرى لا تناسب مجتمعنا وطبيعته..كإبراز المرأة أو استخدامها كسلعة تجارية، أو برسائل تؤدي إلى هدم النشء «كإعلانات السجائر» والإعلانات التي تلمح إلى بعض الهوايات الخطرة.

 

اندهاش غير

أما زاهر هرموش المذيع في إذاعة العربية فيقول: صراحة..أستغرب من بعض وسائل الإعلام التي تقدم برامج لا تتناسب مع رؤى شركات الإعلان التي تقدم بين فترة وأخرى دراسات حول مدى جماهيرية هذا البرنامج أو ذاك ومدى تأثيره إعلانيا،وفي كثير من الأحيان تصل سيطرة بعض الشركات الإعلانية إلى اختيار اسم البرنامج،أو اختيار المذيع ، مؤكدا أن سطوة بعض الشركات الإعلانية ساهمت في تحويل بعض البرامج والمسلسلات الدرامية إلى سلعة يحكمها سياسة العرض والطلب التي تفرضها الإعلانات بعد أن خرجت المسألة من نطاق خدمة فنية ، موضحا أن الفضائيات يشاهدها كل بيت،ولهذا لابد أن تحرص الشاشات العربية على بث رسائل توجيهية تربوية وتثقيفية في المقام الأول..فالتلفزيون في حد ذاته يعتبر جهازا خطيرا جدا لما يمكن أن يحدثه من أثر بالغ في نفوس الناس من خلال كلمة أو صورة،فلا بد من السعي إلى التأثير الجيد فمن السهل أن تهدم ولكن من الصعب جدا أن تبني.

 

الإعلان بات مؤثرا

«بدأ الإعلان يخطو خطوات ثابتة للانتشار والنشاط..كلمات أكدت عليها الإعلامية سوزان أبو دف في مؤسسة دبي للإعلام،قائلة : إن الإعلان اليوم يؤثر على الإعلام بشكل أكبر من أي وقت مضى،لأن معظم وسائل الإعلام سواء كانت مكتوبة أو مرئية أو مسموعة أصبح المحرك الأساسي لها هو المدخول من الإعلان،وبالتالي تحاول كثير من الشركات زيادة نسبة الإعلان على حساب المضمون..مضيفة : إن علاقة الإعلام والإعلان كلاسيكية وقديمة..

فكلما كانت الوسيلة الإعلامية قوية لم تتردد الجهات والشركات الإعلانية حينها للتوجه والتقدم نحوها..والأمر الذي يجب الإشارة إليه هنا هو أنه حينما تقوم الصحيفة أو القناة التلفزيونية أو الإذاعية بإلغاء فقرة أو جزء من برامجها من أجل إفساح المجال للإعلان هنا يقوم الجمهور فورا بمهمة البحث عن قناة أخرى قليلة الإعلان،ولكن بالمقابل في بعض الأحيان قد لا ترقى بعض وسائل الإعلام ذات الإعلانات القليلة إلى طموح الجمهور.

 

حلبة سباق

يقول الإعلامي عبدالله حمد : أود التطرق هنا في الحديث عن إعلانات الصحف،فهناك شركات وجهات إعلانية تتجه دائما إلى الصحف أو المطبوعات الصحفية عموما للوصول للشريحة المستهدفة من ترويج إعلانها،واللقطة الأهم هنا أن تكلفة الإعلان في المطبوعات أقل والاستهداف مضمون..ومقارنة بالإعلان في الفضائيات فإن الإعلان فيها يكون ذو تكلفة عالية..

ومن جانب آخر يشير عبدالله بأنه هناك إعلانات لا تناسب مجتمعاتنا العربية وقد تنضوي على شيء من الخطورة في إدخال مفاهيم خاطئة ودخيلة على مجتمعاتنا لكن أصحاب الوسائل الإعلانية لا يلتفتون إلى هذا الجانب فما يهمهم هو الحصول على أكبر كم من الإعلانات مهما كلفهم الدفع المادي ! موضحا في نهاية حديثه : بأن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان بأن الإعلانات التجارية أصبحت أحد أهم مصادر الدخل المادي لمعظم المؤسسات الإعلامية،وتتسابق بل تتنافس للاستحواذ على نصيب أكبر من سوق الإعلانات بكل الأساليب والطرق الإعلانية بطريقة إبداعية ابتكارية.