في عام 404 ق.م عندما هزمت أثينا في الحروب (البيلوبونيزية) اختفت الساتيريا السياسية والاجتماعية الى حد كبير من الكوميديا وظهرت أنماطٌ جديدة. كان هذا تاريخاً حاسماً بالنسبة للدراما الإغريقية في العصر الهيلليني، ونقطة تحول حادة في مسار الدراما العالمية، فلم يعد أحد يجرؤ على التطرق لمواضيع سياسية واجتماعية، والسبب هو العقلية الأثينية التي كانت تشترط الوضوح، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تغيرت الظروف السياسية الداخلية بعد أن أفل نجم الديمقراطية الأثينية ، وكان لا بد من أن ينجم جسم غريب على المسرح إنه الرقابة، لم تظهر أعمال تراجيدية جديرة في هذا العصر، وكان السبب يكمن في الرقابة ، ففي عصر أثينا الديمقراطية كان الناس يذهبون لحضور العروض التراجيدية ليس من أجل معرفة القصة التي هي جزء من معتقداتهم ومصدرها واحد لا يتغير - وهو الميثولوجيا اليونانية - بل كانوا يذهبون ليراقبوا كيف سيقوم الشاعر بتأويل الأسطورة واسقاطها على واقعهم الراهن. لم يكن بمقدور الشاعر (في العصر الهيلليني) أن يقوم بهذا العمل نتيجة للرقابة وتضييق الحريات، الأمر الذي أدى الى تراجع التراجيديا.. ولكن هل مات المسرح؟!
سؤال نقتطعه من زمن سابق وحال نشط من خلالها المسرح وقد اهتم المسرح والعاملون فيه على نقل رسائل مختلفة لكل العالم ولكن ما ورثه المسرح الحالي عن المسارح أيام زمان هو الرقابة التي فرضت نفسها على إيقاع الحياة اليومية للمسرح، ولعل الكتاب يعرفون مدى سطوة الرقابة التي يشير الباحث المصري الكبير ثروت عكاشة في إحدى مقالاته المكتوبة عن فن المسرح ألا أحد يجاري المسرح في قدمه وعملقته إلا الرقابة، فيما ولدت الرقابة مع المسرح لتجعل يده قصيرة وخياله قريبا ، وفي أشد حالات ازدهار المسرح في العالم العربي كان سيف الرقيب حاضرا ، سيف تعددت أشكاله وتعدد حاملوه حتى ليظن الممثل المسرحي أنه موجود بين الجمهور نفسه فيرتعد من خوفه ويقلل هذا ما عظيم ما يقدمه عن حال البلاد والرعية ، فيولد مسرح خائف مبتور عديم الثقة بنفسه.
ويقارب ما قاله المربي الكبير عكاشة في كلامه عن المسرح توصيف للكاتب والشاعر السوري أدونيس المعروف عنه اهتمامه بالمسرح وتنظيراته عن الحركة المسرحية العربية في فترات متقطعة أهمها الفترة الـتأسيسية في سبعينات القرن الماضي حين وصف الرقابة على المسرح في إحدى مقالاته المحررة مطلع السبعينات من القرن الماضي بأنها الطوق الذي يقبض على رقبة الإبداع، ولن يكون في يوم من الأيام طوق النجاة الذي ينقذ حال المسرح العربي.
الشرقاوي: وزارات الثقافة خفّضت مستوى الرقابة بتعميمها!
الرقابة ألغت لممدوح عدوان مسرحية «ليل العبيد»
بلبل: الرقابة خلاصة صراع بين الحاكم والمحكوم
يستهجن المخرج والفنان المسرحي المصري القدير جلال الشرقاوي وجود رقابة في المسرح من خلال تصريحات صحافية له متسائلا إن كان هناك بلد في العالم فيه مسرح حقيقي يعرف معنى الرقابة، متمنيا أن يتم إلغاء الرقابة بأسرع وقت ممكن، وساخرا في الوقت نفسه مما تردده وزارات الثقافة بأنها خفضت من مستوى الرقابة ليصبح الأمن العام والآداب..! مشيرا الى أنه بهاتين الكلمتين يستطيع أي رقيب أن يذبح أي عمل فني بحجة الأمن والآداب العامة ، وبأن هناك أشخاصا دون النضج المطلوب والسوية العلمية التي تسمح لهم أن يقوموا بتقييم أعمال مسرحية وفنية كبيرة والحكم عليها بالإجازة أو الإعدام وفي كلا الحالين ليس هناك عدالة.
الكاتب السوري فرحان بلبل له ما يزيد عن ثلاثين مؤلفا مسرحيا وهو مخرج من أصحاب البصمات المسرحية في المسرح السوري وله باع كبير في التعاطي مع الرقابة المسرحية التي يرى أنها دخلت في حيثيات الكاتب المسرحي العربي والذي غالبا ما يعرض للجوانب الرقابية في نصه الإبداعي قبل أن يبدأ فيه أصلا ،و يرى بلبل أن الرقابة تشكل طرفي صراع بين الحاكم والمحكوم. ويؤكد أن المسرح واحد من أخطر مناطق الاحتكاك المتوتر بين الحاكم والمحكوم لأنه جماهيري يعمل على حشد مئات الناس في مكان واحد ثم يوحدهم في بوتقة المقولة الفكرية والسياسية التي يوجهها العرض المسرحي الذي ينفذ إلى العقول والقلوب ولأنه يعاد يوماً بعد يوم يزداد التوحد مع تلك المقولة مما يمهد للنقمة التي قد تتصاعد إلى الذروة حتى تصل إلى التحرك الجماعي وأضاف أن المسرح ماكر لأنه يتحايل على ما يريد قوله فلا يكاد السياسي المتسلط يتمكن من القبض على أقواله وأفعاله إلا بصعوبة .. لهذا كانت مراقبة المسرح من أشد أنواع الرقابة. ولا تقف مراقبة المسرح عند السياسيين فقط بل يتعداه إلى أصحاب التزمت الأخلاقي والديني وبهذا الشكل تتسع جبهة خصومه الذي يتكاتفون عليه ومن وراء الطرفين يقف رجال المال يمولون الحملات على المسرح ورجاله.
ولعل الرقابة بالمسرح العربي تحيط به منذ نشأته مع تعدد آلياتها وتنامي مظاهرها المختلفة ، وهنا يمكننا أن نتذكر مارون نقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنوع وهم الذين مهدوا الطريق لكل الحركات المسرحية العربية اللاحقة وفي ثلاثة بلدان عربية مختلفة هي مصر ولبنان وسوريا لم يسلموا من الرقيب وأوقفت بعض أعمال لهم لكثرة الناقمين عليهم سواء المستعمر التركي أو الفرنسي أو الانجليزي.
وفي الوطن العربي عانى الفنان محمود صبحي من بتر أجزاء من مسرحياته أثناء عرضها للمرة الأولى بمطالبة من الرقابة ، وكذا الأمر بالكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان الذي لم يرخص لعدة مسرحيات له أن تجسد على خشبة المسرح ومن بينها مسرحية «ليل العبيد» وحدث ذلك أيضا مع مواطنه الراحل فواز الساجر الذي أوقفت مسرحيته توراندوت أو مؤتمر غاسلي الأدمغة لبريخت قبل أيام من بدء عرضها على واحدة من خشبات مسارح دمشق.
ويرى الكاتب والمسرحي المغربي عبد الكريم برشيد أن الرقابة في المسرح في العالم بشكل عام لم تقف عند حدود السياسة والدين فحسب بل وتطورت في مسرح القرن السابع عشر لتتجلى في شكل الرقابة الفنية، دون أن نغفل بالطبع عن أن الرقابة في هذا العصر قد اشترطت وجود أخلاقيات معينة في المسرحيات ولم يحقق المسرح الفرنسي في عصر النهضة الأوروبية إنجازات عظيمة تذكر، نتيجة الحروب الدينية والإقطاعية التي لم تتوقف تقريباً طوال القرن السادس عشر. ويشير برشيد في سياق حديثه عن موضوعة الرقابة في المسرح مشيرا أنه كان وما زال بحاجة إلى تربة خصبة والى مناخات متعددة من الحب والاستقرار حتى يتاح له أن يتبلور ولن يكتب له أن يستمر ويتألق إلا في أجواء مفتوحة من الحرية والديمقراطية الحقيقية ، ولطالما كان المسرح مقياسا ومعيارا دقيقا لمقدار الحضور والعمق التطور والحضارة في المجتمعات التي زارها هذا الضيف الجميل ، وكل المسارح في العالم على حد تعبير برشيد فيها سطوة الرقابة بشكل أو بآخر ولكن في الوطن العربي هناك رقابة إلى جانب القمع والاضطهاد وثمة الكثير من الأسماء التي تعرضت أعمالها للإعدام بسبب رؤيا متخلفة من أصحاب قرار غير مسؤولين مشيرا إلى أن هناك حكايات كثيرة لا يتسع المجال لسردها ضمن هذا السياق حول آلية تعاطي الرقابة مع الابداعات العربية، وليس أبلغ من صورة مشروخة للمسرح في بلدان تدعي الديمقراطية والحرية. ولعل قمع المسرح يشكل قمعا مباشرا للإنسانية وللواقع لأنه صورة مختصرة ومعبرة عن الواقع والحياة والإنسانية بأجمل تمظهراتها اليومية.
ويؤكد الكاتب والمخرج الأردني غنام غنام أن هناك مساحات مفتوحة من الحوار فيما يخص العمل المسرحي بين ما هو ممنوع وما هو مسموع، والممنوع في مكان قد لا يكون ممنوعا في مكان آخر ولا شك أن الكاتب المسرحي حينما يكتب يضع في اعتباراته أن لا يقترب من الثالوث المحرم الذي تربت عليه مجتمعاتنا العربية بحال من الأحوال وفي حال أراد ان يدنو ولو قليلا عليه أن يقوم بالمناورة والتحرك ما بين الأسطر بحيث لا يستطيع الرقيب أن يمسكه، هي لعبة للاحتيال على كل أشكال الرقابة ربما هي تشكيك بمقدار ذكاء الرقيب الذي قد لا يعرف ما يكتب وربما هي مناورة وشيفرة بين الرقيب والكاتب على أن يدون الأول أفكاره ورؤاه في نص إبداعي في حين يمرر الآخر ما يدور في ذاك النص دون أن يساهم هذا في موت القطيع أو فناء الذئاب.
ولفت غنام الى أن معاركه مع الرقابة تكاد تكون بسيطة للغاية ليس لأنه مسرحه بالظل لا على العكس بل لأنه اختار أن يشير إلى أماكن الخطأ دون أن يشير بإصبعه إليها وهكذا توصل مبكرا وفي مراحل مبكرة من العمل بالمسرح إلى خيوط خفية في التعاطي مع الرقابة بالمسرح.
رقابة المستعمر
كان المسرحيون أنفسهم يستفزون المستعمر إذ جعلوا في مراحل زمنية مبكرة من القرن العشرين من فتح بلاد الشام الإسلامي ومن الحروب الصليبية مادة أساسية لموضوعاتهم المسرحية في مصر وسوريا وكان خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي أبرز الشخصيات التي دارت حولها المسرحيات التاريخية في هذين البلدين. وتحدث عن بعض الدراسات التي تناولت تاريخ المسرح العربي في مصر وعن ذلك الصدام ما بين المسرح وبين سلطات الاحتلال من ذلك ما جرى لمسرحية « دنشواي» لمؤلفها حسن مرعي التي لاحقتها السلطات مرة بعد مرة كما عانى فرح أنطوان من العنت السلطوي حين تقدم بمسرحيته« السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم». أما في سورية ، فالمسرحيون كانوا يقدمون النص إلى قلم الرقيب فيعود النص وقد حفل بالحذوفات والتغييرات أيام المستعمر الفرنسي.
