باتت الكثير من موروثاتنا القديمة تنافس آخر صيحات الموضة الحديثة، ولم تعد حبيسة المتاحف وإدارات التراث، ومن هذه الموروثات التي ترتدي ثوب الحداثة «البرقع» وهو زينة المرأة الإماراتية، ويعد حجابا تقليديا مكملا لزي المرأة الإماراتية، وكاد أن يندثر لولا الصحوة التي جعلته يرتدي ثوب الحداثة، ولم يعد مقصورا على كبار السن، كما أسهم الشباب في الترويج للبرقع عبر تزيين سياراتهم به وتعريف الفتيات بجماله وبوصفه إرثا إماراتيا يجب الحفاظ عليه.
«الحواس الخمس» رصد هذه المظاهر التي تحتفي بالبرقع، وكيفية تطوره وصولا لمركز متقدم لاهتمام فتيات هذا اليوم بعدما كان حكرا على كبار السن والمتزوجات فقط. «البرقع» مفردة تراثية قديمة كانت مرتبطة بزينة وملابس المرأة الخليجية وشديدة الالتصاق بزيها الشعبي، حيث كان لزاما على الفتاة أن تستر به وجهها عندما يعقد قرانها، أو كما يقال في اللهجة الإماراتية المحلية «تملك». وهذا البرقع كان يميز بين الفتاة والمرأة، وبالتالي درجت العادة قديما بألا تخلعه المرأة أبداً حتى عندما تخلد للنوم، ويرجع ذلك إلى سكن الأسرة الممتدة كلها في مكان إقامة واحد، بدءاً من كبير العائلة حتى صغيرها، وكان غير مستحب أن تكشف المرأة عن وجهها حتى على أقاربها؛ فكان البرقع سترا واحتشاما. وبتطور الأوضاع وتبدل الأحوال بدأ شكل البرقع يتغير، ويدخل عليه العديد من الأمور الجديدة سواء في نوعية الأقمشة أو في طريقة التصميم أو الإكسسوارات المكملة له، وعلى الرغم من هذه التغييرات، إلا أن موضة ارتداء البراقع قد اختفى بريقها كثيرا عما كانت عليه في السابق، وأصبح ارتداؤها مقتصرا على السيدات الكبيرات بالسن.
صناعة البرقع قديما لم تكن تكلف كثيرا أي بمعدل درهم أو نصف الدرهم، أما اليوم فسعره يتراوح بين عشرة و50 درهما. أما المواد التي يصنع منها البرقع فهي قماش يعرف «بالشيل»، ويتميز بألوانه المتعددة الأصفر والأخضر والفضي والأحمر والبنفسجي والأسود، وهذه الأقمشة كانت تدهن البشرة بألوان لكونها غير مبطنة خاصة في الزمن الأولي فكانت حمرة القماش تعطي الخدود لونا جميلا، لذا كان من العيب أن تخلع المرأة أو الفتاة برقعها حتى لا يبدو وجهها مصبغا بالألوان. ويتكون البرقع من الجبهة، وهي الخط المستقيم الذي يقع بداية البرقع من أعلى، والذي يقطعه السيف إلى قسمين متساويين، وهناك عيون البرقع الخاصة بالعينين، الخرّة وهي الانحناءات النازلة والممتدة من الجبهة وحتى آخر فتحة العين من الجانبين.
والسيف عبارة عن عصا مصنوعة من عذق النخيل أو جريدة تهذب جيدا وتدخل من منتصف الجبهة الى آخر البرقع ويكون موقعها في منتصف البرقع، وخد البرقع وهو القطعة التي تغطي الوجه وتكون كبيرة أو صغيرة حسب طلب المرأة، وأخيرا الشبوق وهي الخيوط التي تثبت على طرفي البرقع من جهتي اليمين واليسار، وغالبا ما تكون من شعر الماعز أو صوف الغنم وقد تكون من خيوط البلاستيك أو من خيوط الرزي الملونة. من جهة أخرى هناك مسميات متنوعة للبرقع منها لفة زعبيل، الجسر المقطع، وبرقع عيماني «عجماني» وبرقع العوامر نسبة لقبيلة العوامر، وبرقع شرقاوي، وبرقع دبي وغيره.
بدايات
أول من اخترع البرقع
اختراع البرقع جاء نتيجة لحيلة فتاة مطيرية، كاد والدها يزوجها لخاطب غريب ناظرها بالمنزل والفتاة لا ترغبه، ولا تقدر على عصيان والدها؛ فجاءت والدة ذلك الغريب لترى الفتاة، فتعمدت الفتاة المكر وشوهت نفسها، بان وضعت على وجهها قطعة قماش سوداء، وثقبت لعيونها فتحات غير منظمة تفزع الناظرين، ولفت حول ساقيها قطعة قماش بيضاء مهملة من الأسفل وتظاهرت بالبلاهة لدى مقابلة والدة الخطيب، وعند اكتشاف والدها لحيلتها اقسم بان هذا البرقع والسروال هما لبسها ما دامت حية، وكان هذا حوالي عام 1870 للميلاد.
تاريخ
دخول البرقع إلى الخليج
دخل البرقع الى منطقة الخليج قبل ما يزيد على قرنين من الزمان، حيث كان مرافقاً لهجرة النساء من سيراف (بندر ظاهر)، (بندر لنجة)، حيث كانت تلبسه المرأة، وأثناء هجرتهن إلى المناطق الساحلية في الدول الخليجية، وعملن في الدور، واختلاطهن بالأهالي فقد ادخلنه معهن إلى المنطقة، وبمرور الزمن انتشر لبسه بين عامة النساء بحكم التنقل والتجارة بين تلك الدول.
آلية
صناعة البرقع
يصنع من قماش الشيل، وهو القماش الأساسي لصناعة البرقع يجلب خصوصاً من الهند، وقماش (ضوء الجافلة) الذي يجلب كذلك من الهند، وهو نسيج متين يستخدم في صناعة «البرقع»، يتوافر منه ثلاثة ألوان الأحمر الأغلى ثمناً، والأصفر، والأخضر. وكذلك قماش البطانة لتثبيت البرقع وامتصاص العرق، كما يستخدم الشبق وهو عبارة عن خيط لونه فضي او احمر او الذهبي لتثبيت البرقع على الرأس. كما يستخدم السيف وهي عصا خفيفة تأخذ شكل المستطيل، وتوضع في وسط البرقع لتثبيته، وتكون على الأنف حين يتم ارتداؤه، وهناك اشبيدان، وهو صندوق لحفظ أدوات الخياطة وهما الإبرة والخيط، وأخيرا المصقلة، وهي صدف تستخدم في صقل الصقل والتلميع.
أنامل الصغار تصنع براقع الكبار
كدأبه دوما في الحفاظ علي التراث وتوعية الأجيال بماهية التراث كان متحف الشارقة للتراث حضورا فاعلا في كل الفعاليات الترفيهية والتعليمية ليبث من خلالها عبق التراث، ومنها كانت دورة نظمت أخيرا للتعريف (بالبرقع) وتعريف الصغار به وكيفية صناعته وارتدائه، حيث كشفت المحاضرة أن كثيراً من بناتنا الصغيرات يجهل كيفية التعامل مع البرقع بوصفه زيا شعبيا مهددا بالاندثار لذلك جاءت محاضرات ودورات متحف الشارقة للتراث في توقيت مناسب اشبع فضول الصغيرات وابدين سعادة كاملة في اجادة صناعة وارتداء البرقع.
استيحاء الموضة من التراث
«نظارة البرقع» آخر صيحات الموضة في الاسواق الاماراتية، وهي ابتكار اماراتي خالص بنسبة 100%من احدى الشركات المحلية التي تقدم هذا الابتكار الذي لاقي رواجا كبيرا، لاسيما انها تجمع بيع الأصالة التراثية ومواكبة اخر صيحات الموضة، حيث وصفت بانها ابتكار عملي للحفاظ علي البرقع من الاندثار، لان البرقع التراثي كان ارتداؤه مقصورا في السابق على المتزوجات في بعض مناطق الدولة خصوصا في السواحل، أما (نظارات البرقع) فهي متاحة لكل الأعمار خصوصا الفتيات.
البرقع لايزال متوارثا
توضح الوالدة أم محمد من المدام ان البرقع يعد في كثير من مناطق الدولة من المظاهر التي لا غنى عنها بعد عقد القران أو بعد إتمام مراسيم العروس، حيث يكون البرقع من الأمور المهمة والتي يجب على الفتاة بعد الزواج أن تضعه على وجهها أمام أهل زوجها وأثناء المناسبات والولائم، ويتم تحضير برقع العروس قبل وقت كاف من قبل أهلها، ويتم التنسيق مع من لهن دراية بتفصيل البرقع ويتم تصميمه بإتقان.
20 لوحة تراثية تفصل البرقع
تعتبر أيام الشارقة التراثية التي تنظم سنويا من قبل إدارة التراث في دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة من اهم الوجهات التي يقصدها محبو التراث والذين يريدون التعرف إليه، لذلك كان جناح البرقع في المعرض التراثي ضمن فعاليات ايام الشارقة وجهة لكثير من الفتيات المواطنات، حيث تعرفن إلى كيفية صناعة البرقع، إضافة إلى معلومات تفصيلية وتاريخية عبر 20 لوحة مكنت الجميع من التعرف إلى مسيرة وتطور صناعة البرقع، فضلا عن الكثير من الدورات التعليمية طوال فترة المعرض.
الفريج
عندما جاءت «العيايز» وطلوا علينا في الرمضانات الماضية، أعادوا تسليط الضوء على هذا الملمح التراثي الذي لم نعد نراه إلا في مهرجانات التراث والاحتفالات الشعبية. فهذا البرقع لم تعد ترتديه حالياً سوى كبيرات السن، واللاتي لا يزلن يتفنن بصناعته بأيديهن بأشكال وألوان وأنواع عديدة؛ فقد تربو الأنواع على العشرين نوعاً: لفة زعبيل، الجسر المقطع، وبرقع عيماني «عجماتي»، وبرقع العوامر «نسبة لقبيلة العوامر»، وبرقع شرقاوي، وبرقع دبي وغيرها.
زينة في الأفلام الوثائقية
حظي البرقع بدعم كبير من صناع السينما حينما قدم في مشاهد من الفيلم الوثائقي ( on the road) حيث تظهر سيدة في كثير من مشاهد الفيلم وهي ترتدي العباءة الإماراتية مع البرقع، وهو الامر الذي جعل الكثيرات ممن تابعهن الفيلم خصوصا من خارج الدولة للتساؤل عن هذا الزي، وهذه التساؤلات كانت بمثابة فتح حوار حول البرقع وجماله، ولماذا غاب عن الشارع الإماراتي ولماذا لا تحرص الفتيات على ارتدائه في الوقت الراهن، وبذا يكون الفيلم الوثائقي وبمشاهد عابرة قدم خدمات كبيرة للترويج عن البرقع وحمايته كتراث اماراتي اصيل.
زينة شبابية
لم يعد البرقع زينة للفتيات وكبار السن من النساء، بل تعداه ليكون زينة شبابية وهو ما لم يخطر بالبال، لكنه واقع يؤكد مدى تمسك شباب الامارات بالموروثات الشعبية، حيث اصبح البرقع زينة لسيارات الكثير منهم، وعن هذا الامر يقول الطالب الجامعي حسن آل علي انا واحد ممن يتخذون من البرقع زينة لسياراتهم ونهدف من وراء ذلك الي تعريف بناتنا بهذا الموروث الاصيل الذي يقاوم الاندثار لان البعض منهن لا يعلمن عنه شيئا وبذا نكون قد أسهمنا في الحفاظ عليه وتوعية فتياتنا بأهميته.
في تصاميم معاصرة
مي خلفان، موظفة، ومن المهتمات بالموضة والتراث معا تقول انها لاحظت أخيرا ان كثيرا من المصممات خصوصا المواطنات منهن يقمن بإدخال البرقع في كثير من التصاميم، وهو مرداف للأناقة الاصيلة، وهو امر من شأنه ان يدعم التوجهات الداعية للحفاظ علي البرقع من الاندثار، وتضيف أنها وكثير من بنات جيلها يحرصن علي اقتناء تلك التصاميم ليس لأنها تراثية فحسب بل لأنها ايضا فيها جماليات معاصرة وتواكب احدث صيحات الموضة.
