تعتبر اللغة الحامل الرئيسي للأعمال الابداعية المكتوبة سواء في القصة القصيرة أو في الرواية أو في المسرح وهي الصيغة التي يراها معظم الكتاب والمبدعين حاضرة في أعمالهم وفي الأعمال العربية عموماً، ويصفونها بالعمود الفقري الذي لا يقل أهمية عن معظم عناصر الكتابة الابداعية.
وقد جاهد معظم المبدعين العرب في بدايات القرن العشرين على المحافظة على اللغة العربية الفصحى لتكون الحامل لأفكارهم والسبيل الذي تتعلق به الأجيال العربية حماية لجيل جديد وللغة هي الحبل الذي يجمع إليه ملايين العرب، وقال عباس محمود العقاد ذات المرة «لغتنا العربية هي أمنا التي يجب ان نحافظ عليها من أي شائبة، تحدثوا بأي لهجة تريدون ولكن اكتبوا بالعربية».
في المسرح اختلف الموضوع عما هو بالرواية والقصة فقد لجأ المسرح للاعتماد على اللهجة المحلية وذلك حتى يتقرب أكثر من الناس أو ربما للعلاقة الحميمة بين المسرح وجمهوره وجدت اللغات الأخرى أو اللهجات الملحية طريقاً سالكاً إليه وهذا ما بدا في القاهرة التي كانت سباقة لاعتماد لهجتها في المسرح والسينما والتلفزيون ثم انتقل إلى باقي الأقطار العربية الأخرى دون ان يتم تجاهل أو إغفال اللغة العربية في بعض العروض الكلاسيكية أو التاريخية، فما هي اللغة التي يجب ان يعتمدها المسرح وما هي وسيلة التواصل بين المسرح ومشاهديه. هل تصلح اللغة العربية في معالجة قضايا واقعية.. أم أن الفصحى تستطيع معالجة الأمر وإيصال الرسالة...؟
الكفة تميل للهجات المحلية
يرى الكاتب الإماراتي إسماعيل عبدالله أن لغة المسرح قد أوجدت الكثير من الآراء حولها وحول استخداماتها ولافتاً أن المسرحيين العرب اختلفوا حول هذا الأمر فمنهم من وجد أن اللغة العربية الفصحى هي الأساس ومنهم من وجد ضالته في لهجات محلية مختلفة، وهنا يعتقد عبدالله أن الموضوع هو من يفرض نفسه ويفرض لغته معه مع ميلان الكفة باتجاه اللهجات المحلية لأنها تستقطب الناس وتجعلهم قريبين بمشكلاتهم وأفراحهم من المسرح، ويشير عبدالله إلى أنه كتب معظم مسرحياته باللهجة المحكية المحلية وثمة نصوص أخرى كتبها باللغة العربية الفصحى، وهو يعتقد أن العامية تستأثر بالحضور وتجعل المشاهدين يعيشون الحدث المسرحي بتفاصيله، دون أن يغفل الدور الكبير المناط باللغة العربية الفصحى وأهميتها، وأكد أن المخرج المبدع ذو العين الثالثة هو القادر على تجسيد كل ايماءة بالنص على خشبة المسرح حتى يكتب له النجاح، وبالتالي ستجد اللغة آفاقاً من التألق بحضور مخرج يعي أهمية النص وكل تفصيل فيه.
العمل يفرض لغته
الباحث الدكتور أسامة أبو طالب من مصر يؤكد ان اللغة المسرحية هي شكل من أشكال التواصل بين مشاهد مفترض وخشبة تجري عليها الأحداث وفي النهاية هناك خيط يوطد هذه العلاقة بين الاثنين شئنا أم أبينا ولعل اللهجات التي يتم الاعتماد عليها هي شكل من أشكال هذا التواصل ولا يعنينا ما تكون طالما هي تؤدي الرسالة وتوصل معلومات تفاعلية وتؤدي غرضها الإبداعي على الأقل.
ولعل الأعمال التاريخية وذات الصيغة الكلاسيكية عن المسرح اليوناني وغيرها يقل حجم الاهتمام بها طالما هي باللهجات المحلية وربما كانت اللغة العربية الفصحى هي الحامل الرئيسي لها والشكل الذي يجب ان تظهر عليه، مشيداً بالتجربة التي قدمها هو في مسرحية الملك لير التي أعدها عن النص الأصلي للكاتب الانجليزي وليم شكسبير وحضرها باللغة العربية الفصحى وقدمها الفنان القدير يحيى الفخراني ولفت عواصم في العالم العربية ولاقت النجاح والتقدير.
العربية حضن دافئ للمسرح
الكاتب السوري فرحان بلبل يؤكد أن اللغة العربية الفصحى هي دليله في الكتابة للمسرح وقد فاقت مؤلفاته الثلاثين وكلها مكتوبة باللغة العربية الفصحى سواء الكتابة للمسرح أو عن المسرح وهو يرى في الفصحى الصدر الرحب الذي يتلقى كل الابداعات ويعبر عنها بأبهى حلة، لافتاً أن الكثير من المسرحيين يرى في اللهجة الجسر الذي يمده للمشاهدين أو للنظارة، كما يطلق على مشاهدي المسرح ولكن هذا الكلام قد لا يكون صحيحاً بل يجب ربما كان فيه جانب من المواربة وفي النهاية اللغة التي تجعل المسرح قريباً من الناس هي اللغة الفصحى التي ترعى حماية اللغة العربية الاصيلة من التدهور وتجعل الناس يقبلون على مشاهدة أنفسهم على خشبات المسارح.
كل اللغات صالحة للمسرح
بدوره يؤكد الفنان جهاد سعد انه قدم اللغة العربية الفصحى والعامية المخففة على خشبة المسرح في العروض التي أخرجها وساهم بها وهو حسب تعبيره لم يجد مشكلة في التعامل مع كلا الاتجاهين أو اللغتين على الخشبة فهي لغات تواصل من لغات العرض المسرحي أصلاً، ووجد سعد ان المسرح يحتاج لكل لغات التواصل لأن اختيار اللغة التي سيظهر عليها العرض المسرحي هي الخطوة الأولى باتجاه العرض المسرحي الناجح، لافتاً ان هناك الكثير من العروض المسرحية التي أخطأت لغتها ففشلت في الوصول إلى الجمهور، وفي النهاية وحسب كلامه يجب على المسرح ان يكون قريباً من الناس من خيار المبدع الناضج سواء خيار الكاتب أو المخرج.
العربية تخلص المسرح من لهجات غير مفهومة
الكاتب الجزائري أمحمد بن قطاف يشير إلى أن اللغة العربية الفصحى تجمع كل المسرحيين العرب إلى مائدتها وهي يجب ان تكون حاضرة في المهرجانات العربية لأن الكثيرين يشتكون أن اللهجات غير مفهومة بشكل أو بآخر وحتى نخرج من هذا المطب يشير بن قطاف ان هناك لغة مخففة هي اللغة التي كتب بها ممدوح عدوان اللغة المسرحية التي تعتمد على الفصحى المخففة المطعمة باللهجات المسرحية المنتشرة في كل أنحاء العالم العربي. مطالباً أن تكون العربية حاضرة دائماً فهي لسان الضاد التي يجمع العرب كلهم وهذا ما يجب ان يقوم به المسرح دون ان يقلل من أهمية العروض الجادة والرصينة التي قدمت حلولاً فنية وفكرية راقية معتمدة على لهجة محلية ما.
