لا يختلف أحد على أن أساس أي عمل سينمائي ناجح هو الورق الجيد، أي نص السيناريو الذي يحمل مقومات كل شيء منذ لحظة البداية، وكتابة السيناريو علم قائم يحتاج إلى دراسة وموهبة ومناخ يؤهل للإبداع واكتشاف وجوه تملك المقدرة على التعبير وطرح الأفكار، وهو بلا شك نقطة الانطلاق لأي مشروع أو حراك سينمائي، ولا يمكن إنكار أن الشق الأساسي في أزمة السينما العربية عموما تكمن في كتابة السيناريو التي يستسهلها البعض رغم أنها تعد من أصعب أنواع الكتابة.
في السنوات الأخيرة، بدأ الجميع البحث عن السيناريو الجيد وفطنت المهرجانات السينمائية وشركات الإنتاج إلى ذلك، خصوصا في الإمارات التي تؤسس حاليا لمقومات صناعة سينما بها، ومن ثم تعتبر خطوتها الجوهرية ترتكز في (نص الورق) الذي يبنى على مفرداته كل شيء، فانطلقت المبادرات تلو الأخرى تشجع بالمال والورش الفنية رسم ملامح تزيح شبح الصورة الضبابية عن أفلام مالت إلى دراما التلفزيون أكثر من السينما.
ويبقى التساؤل الملح والضروري، هل تنجح مسابقات السيناريو أو أشكال الورش الفنية الحالية في تحقيق انفراجة كانت ولا زالت مثار جدل للسينمائيين؟، من المؤكد أن حالة (التمرد) للمبدعين الإماراتيين التي ساهمت في تغيير واقع لم يكن موجودا منذ عشر سنوات، وأفرخ العديد من التظاهرات بدءا بمسابقة أفلام من الإمارات ومهرجانات (دبي وأبوظبي والخليج) السينمائيين، عكست ذلك في أفلام تأرجحت بين الجيد والمقبول من خلال محاولات سعت لصنع سينما مختلفة وإن شابها التقليد الأعمى للغرب في أعمال ابتعدت عن الهوية الخليجية (شكلا وطرحا ولغة).
كما أن تلك الفترة التي شهدت وجود أكاديميات متخصصة مثل (نيويورك في أبوظبي، ومانهاتن في دبي) قامت بتفعيل فكرة الورش الفنية لعناصر العمل السينمائي ومن ضمنها (كتابة السيناريو)، لكن المثير للانتباه أن كتاب السيناريو الحقيقيين الآن بالإمارات لا يتعدى عددهم الأربعة فقط هم (إبراهيم الملا ومحمد حسن أحمد ويوسف إبراهيم وأحمد سالمين).
وهذه الحقيقة التي تبدو (حلقة مفرغة) في مسيرة السينما الإماراتية، تطالب بإستراتيجية متطورة لصنع مواهب شابة وتقديم وجوه جديدة في مجال كتابة السيناريو، وبالتالي يجب الاهتمام بإدخال مادة السيناريو في الدراسات الأكاديمية المتخصصة العليا، وفتح معاهد لكتابة السيناريو أو تدريسها في كليات الآداب والإعلام مثلما يتم تدريس كتابة (القصة والخبر والتحقيق والمقال الصحافي)، ويأتي بعد ذلك الإتقان والاحتراف الذي يساعد السينما الإماراتية في دوران عجلاتها برؤية جيدة من خلال ورق يشبه واقع الحال، ويجعل من تلك الأفلام منجزا إبداعيا ثقافيا وفنيا.
ومن المؤكد أيضا أن الأمر يحتاج إلى تشجيع كتاب السيناريو الإماراتيين، وهذا بالفعل متمثل في مسابقة السيناريو بمهرجان الخليج السينمائي الذي يرصد مبلغ 120 ألف درهم لتنفيذ ثلاثة سيناريوهات سنويا، ويعمل سوق دبي السينمائي المبادرة المهمة في مهرجان دبي السينمائي على تسويق وتوزيع تلك الأعمال عربيا وعالميا.
وهناك مسابقة أفلام من الإمارات التي تخصص جزءا من جوائزها لكتابة السيناريو، ومسابقة منحة الشاشة احدى مبادرات هيئة دبي للثقافة والفنون وتبلغ قيمتها 100 ألف دولار أميركي لتطوير مسيرة صناع السينما في الشرق الأوسط عموما، هذا بخلاف دعم وتمويل شركة ايماجينيشن بأبوظبي لتنفيذ 6 أفلام إماراتية طويلة عام 2010.
وقيام شركة براميديا الخاصة بالإعلامية نشوى الرويني الإعلان بداية 2011 عن مسابقة للسيناريو تبلغ قيمتها 10 آلاف دولار، ومن ثم لم تعد المشكلة في الدعم والتمويل، بل أصبحت متعلقة أكثر بالنتاج البصري ومرتبطة بالسيناريو ومقدرة الأعوام المقبلة على ضخ دماء مبدعة تضيف المتعة والفكرة والمعلومة وتصنع فنا سينمائيا متميزا.
ويرصد (الحواس الخمس) في السطور التالية آراء صناع الأفلام والنقاد ومسؤولي شركات الإنتاج الخاصة حول معطيات ومعوقات كتابة السيناريو باعتباره منصة حيوية للنمو، وبالتالي الارتقاء بمكانة السينما الإماراتية.
تعتبر مسابقات السيناريو من أوائل المبادرات التي تهدف بشكل مباشر إلى تشجيع كتاب السيناريو الإماراتيين لإبراز قدراتهم الإبداعية في مجال السينما، وذلك من خلال جوائز نقدية موجهة أصلا لتنفيذ تلك الأعمال، كما شهد هذا العنصر الإبداعي بعض النمو الجزئي متمثلا في إقامة ورش فنية لتشجيع المواهب.
لكن هناك بعض الانتقادات والملاحظات التي تحتاج إلى وقفة تصحيح (علمية وتقنية وفنية) في محاولة للإسهام بثراء الحركة السينمائية شكلا ومضمونا داخل الدولة. يرى الناقد السينمائي بشار إبراهيم أن صناعة الفيلم الجيد تبدأ من «الورق»، بل يذهب الكثيرون إلى أن السيناريو هو الأساس، تماما إلى الدرجة التي تفضي إلى أنه من الممكن صناعة فيلم رديء من سيناريو جيد، ولكن لا يمكن صناعة فيلم جيد من سيناريو رديء.
ويضيف بشار قائلا: السيناريو هو الأساس الذي تقوم عليه النجاحات التي تحققها السينما، ولعل الكثير من أزمات السينمات داخل المنطقة العربية وإخفاقاتها يمكن إحالتها إلى مشكلة السيناريو، حيث تفتقد الكثير من الأفلام لتوفر السيناريو الجيد الذكي والمحترف الذي يمتلك البناء الحسن والسياق والسرد.
ويعود ذلك إلى حقيقة أن غالبية من يكتب السيناريو هم ليسوا من المحترفين، ليسوا ممن درس فنون السيناريو ولا علومه، فمن يكتب السيناريو هم إما المخرجون أنفسهم، أولئك الذين لم يدرسوا السيناريو، أو بعض الأدباء الذين انتقلوا من حقول القصة والرواية إلى حقل السيناريو، وثمة عدد من الشعراء أو المسرحيين وحتى بعض الهواة الطامحين للسير دخول الوسط السينمائي، دون أن ننسى إقدام بعض المنتجين على تجربة حظوظهم أيضا في هذا المجال.
ويتابع بشار فيقول: وفي فيض هذا المشهد وفوضاه، ينبغي الانتباه إلى نشوء ونمو وتطور مشروعات عديدة، أخذت على عاتقها الاهتمام بهذا الجانب من العملية السينمائية، من خلال مشروعات تضع نصب العين التأسيس والتطوير والدعم لعملية كتابة السيناريو وتأخذ هذه المشروعات أشكالا مختلفة، أكثرها تبسيطا وراحة بال، هي تلك التي تأخذ شكل «المسابقة» إذ تتوقف هذه عند حدود استقبال مجموعة من السيناريوهات المتنافسة وتشكيل لجان لانتقاء الأفضل بينها، ومنحه الجائزة.
والشكل الآخر من هذه المشروعات والأكثر عملية بينها هو ما يأخذ طراز «الورشة»، كما يحصل في مهرجان دبي السينمائي الدولي إذ لا يتم هنا الاكتفاء باستقبال السيناريوهات ومنحها «جوائز»، بل يحصل أن تنضم نخبة مختارة من كتاب السيناريو في إطار «ورشة عمل» يتم تدريبها على أيدي خبرات محترفة (أجنبية غالبا)، فتكون غاية الورشة تطوير مهارات الكتّاب وقيادتهم على دروب امتلاك ناصية الاحتراف في بلورة الفكرة، ومن ثم معالجتها وبناء الشخصيات وصولا إلى بناء السيناريو بالطريقة الصحيحة.
مبادرات المهرجانات
أما السينارست محمد حسن أحمد ـ وهو من بين الكتّاب الذين ساهموا في صناعة الفيلم الإماراتي، ولديه وجود سينمائي مهم من خلال تأسيسه مجموعة فراديس السينمائية وتقديمه أفكارا جديدة، وبقاؤه داخل مجال الكتابة دون الذهاب إلى الإخراج وتفرغه الكامل ليهتم بتفاصيل أفلامه التي حصدت 24 جائزة حول العالم أبرزها في روتردام وايطاليا وفرنسا وسان فرانسيسكو والمغرب العربي وروسيا والأردن ونيويورك.
ومن تلك الأعمال (آمين، سماء صغيرة، عرج الطين، عرس الدم، تنباك، بنت مريم، ريح، مساء الجنة، مريمي وسبيل) وينتظر حاليا فيلمه الروائي الطويل (ظل البحر) ـ يؤكد قائلا:
إن مبادرات مسابقات السيناريو التي بدأها مهرجان دبي السينمائي عام 2006، ثم انتقلت إلي الخليج السينمائي وفعلها بعد ذلك مهرجان أبوظبي السينمائي من خلال مسابقة أفلام من الإمارات، تعد محاولات جادة في إطار دفع حراك صناعة الأفلام بالدولة، لكنها تحتاج إلى القفز على مستوى الفيلم القصير لتشمل الأعمال الطويلة، أما ما تقدمه الشركات الإنتاجية الخاصة فهو يستلزم مهارات التمكن والاحتراف .
وهي عناصر لا تزال عن البعض في مرحلة التدريب والدراسة ولم تصل إلى التفرغ التام والاعتماد على الكتابة في العيش دون وجود وظيفة، وبالتالي تأتي السيناريوهات ضعيفة لا تتناسب وقوة المنافسة التي جعلت عدد كتاب السيناريو عندنا لا يتعدون أصابع اليد الواحدة وهو أمر يتطلب إعادة نظر من المسؤولين والمبدعين أنفسهم الذين بعد فترة يبتعدون تدريجيا عن العمل في مجال السينما وينسحبون لأسباب كثيرة أهمها الزواج ومسؤوليات الحياة.
ورش فنية
وحول فكرة الورش السينمائية، يقول محمد حسن: يحتاج هذا الموضوع أيضا إلى وقفة خصوصا أن فترة إقامة تلك الورش قصيرة (أسبوع أو شهر) ويستغلها البعض ممن اشتركوا فيها لإيهام الآخرين في سيرتهم الذاتية بأنه درسوا أو تخرجوا من أكاديمية نيويورك أو مانهاتن، وهو ينافي الحقيقة التي لا تعدو مجرد استغلال الطرفين بعضهما البعض، دون نتيجة فعلية وملموسة .
وبالتالي أرى ضرورة إنشاء معاهد متخصصة تدرس عددا من السنوات عناصر صناعة السينما وعلى رأسها كتابة السيناريو الذي يعتبر علما قائما بذاته قبل أن يكون موهبة، وهذا لا يلغي الورش الفنية التي ترتقي بمستوى الكفاءات ونحرص عليها في المجموعات السينمائية التي نعمل من خلالها، رغم اختفاء الكثير منها خلال السنوات الأخيرة ولم يتبق تقريبا سوى مجموعتي فراديس وبراجيل.
وفرة الأفلام
ويرى المخرج الإماراتي هاني الشيباني أن الوفرة في عدد الأفلام السينمائية المنتجة في الإمارات خلال السنوات الأخيرة كبير نسبياً وخصوصاً في مجال الأفلام القصيرة والوثائقية، أنجزها عدد من طلبة الإعلام والاتصالات وهواة ومحترفون، وهي بدايات تتلمس طريقها تارة في التجريب وأخرى في الحكاية والتصوير وغيرها في الموسيقى.
وهو أمر يبعث على التفاؤل في عملية صناعة الفيلم السينمائي دون وجود قواعد علمية وتقنية صحيحة، وفي جانب آخر فإن كثرتها ربما يولد في المستقبل طفرة نوعية تنتج عن تراكم الخبرة والأفلام والتعرف على التجارب العربية والعالمية في هذا المجال من الأفلام.
سينما محلية
ويعتبر الشيباني الذي يدرس الماجستير في السينما باستراليا حاليا، أن ابرز ملامح التغيير التي شاهدتها الساحة السينمائية خلال الأعوام الماضية هو مبادرات ومسابقات كتابة السيناريو والتي تؤكد على الالتزام بتطوير الجيل المقبل من صناع الأفلام في الإمارات، انطلاقا من هاجس صناعة سينما محلية تمتلك كافة أدواتها المهنية وأولها كيفية صناعة سيناريو ذي حبكة قوية يقود إلى تقديم فيلم جيد.
أزمة نصوص
وتقيم الإعلامية نشوة الرويني مبادرة شركتها لمسابقة السيناريو قائلة: قبل منتصف تسعينات القرن العشرين، كانت المعضلة الكبيرة التي تواجه الأعمال الفنية العربية، هي تبرير المخرج أو القائم على هذا العمل بنقص التمويل، وماذا بعد تبني غالبية المهرجانات السينمائية ووزارات الإعلام في الوطن العربي إنتاج معظم الأفلام والمسلسلات العربية؟،
لم يظهر على السطح عمل فني نستطيع أن نقول أنه سيبقى في ذاكرة المشاهد العربي إلا ما رحم ربي، قلة من الأعمال الفنية والتي لا تتناسب مع الميزانيات الضخمة والمرصودة لها، وهنا أيقنت أن هناك أزمة «نص»، فأعمالنا الدرامية تفتقد لـ «الحدوتة»، وبات المشاهد قاب قوسين أو أدنى بين الأفلام الكوميدية التي لا تحمل أية قيمة فكرية وبين مسلسلات السير الذاتية.
وزاد يقيني عندما قمت مؤخراً بإنشاء أقسام خاصة في «بيراميديا» تتولى إنتاج الأعمال الدرامية والسينمائية مثل «بيراموفيز» و «بيرادوكس» وهما يختصان بدعم الحياة السينمائية العربية بشكل خاص والأمة العربية وثقافتها بوجه عام.
ومن خلال محاولاتهما المستمرة لإثراء وتعزيز المواهب المحلية والعربية في مجال صناعة الأفلام، اكتشفنا أن الكثير من الأعمال السينمائية المشاركة مقدمة من الشباب وفي معظمها أعمال على مستوى راق، وبالتالي هناك الكثير من الطاقات المبدعة والتي لا نعلم عنها إلا القليل.
وتواصل نشوى قائلة: وفي ظل وجود مبادرات أخرى من مهرجانات السينما في أبوظبي ودبي، أؤكد أن مسابقة «بيراميديا» على نهج هذه المبادرات حتى وإن اختلفت في الشكل والمضمون، فهي مسيرة وضرورة ملحة تحتاج إليها صناعة السينما في الإمارات والوطن العربي.
تقنيات الكتابة
وتعلق على مسألة الاحترافية في كتابة السيناريو فتقول: تقنيات كتابة السيناريو يمكن تعلمها، لكن عملية الكتابة نفسها شيء صعب فهي ثقافة وتخيل، وهوليوود جعلت من كتابة السيناريو مهنة بمعايير وقواعد صارمة، تتضمن الكتابة وإعادة الكتابة، عبر عمل جماعي يختلف كثيراً عن ما يحدث في معاهد السينما بالشرق الأوسط.
والكتابة للشاشة تحتاج إلى إعادة تثقيف ذهنية وبصرية لكتاب السيناريو بغرض تمكينهم من أبجديات الصورة، وإذا توافرت معاهد أو جهات على نفس المستوى، فلتكن خاصة وأن الطلب على السيناريوهات يتجاوز العرض الموجود.
تفوق الإمارات
وحول رصدها لحراك السينما في الإمارات تقول نشوى الرويني: على الرغم من حداثة عهد السينما في الإمارات، إلا أن المتابع لها يلمس تغييراً جذرياً وتطوراً ملحوظاً.
ويمكننا القول بأنها متفوقة خليجياً وعربياً وتحتل المراتب الأولى فهناك العديد من الاعمال السينمائية الناجحة وخلال السنوات القليلة الماضية بدأت السينما الإماراتية تأخذ مكانة وبرزت على المشهد السينمائي العربي إمكانية أن تحتل الإمارات مكانة كبيرة في أذهان المخرجين العالميين، والدليل على ذلك اختيار المخرج العالمي براد بيرد دبي لتصوير أحدث أفلامه.
