ليس معروفا على وجه التحديد متى وجدت أول مرة أكاديمية مسرحية احترافية في الوطن العربي، ولكن رسميا يفترض أن المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر كان السباق بين المعاهد الأكاديمية المسرحية العربية، حيث أنشئ المعهد العالي لفن التمثيل عام 1930 واستمر عاما واحدا ثم أعيد افتتاحه بقرار من وزير الشؤون الاجتماعية في مايو 1944 وكانت مدة الدراسة به ثلاث سنوات.

في 21 أبريل 1947 أصدرت وزارة المعارف العمومية والتي أصبح المعهد تابعاً لها قرارا وزاريا يقضي بأن الدراسة في المعهد بقسميه الإلقاء والتمثيل والنقد والبحوث الفنية أربع سنوات وبالتالي يعتبر المعهد المصري هو الأول عربيا وله فضل الريادة في تقديم خبرات مسرحية مختلفة في المشهد المسرحي والفني العربي بحيث أتيح للخبرات المسرحية العربية المصرية وغير المصرية التي درست فيه التخرج من القاهرة والمشاركة في تفعيل المشهد المسرحي العربي وإدخال الوطن العربي في التجربة المسرحية الاحترافية العالمية.

ولكن أين أصبحت المعاهد العالية للمسرح في الوطن العربي، وإلى أين تمضي خطط المناهج المسرحية وهل هي لائقة بالمستوى المسرحي العربي؟ سؤال يجيب عنه بعض رؤساء أكاديميات المسرح العربي عبر هذه السطور في هذا الملف..

 

 

«المعاهد المسرحية العربية صارت تخرّج أجيالا تذهب للعمل في التلفزيون، لقد لحق العار بالمعاهد الاحترافية وتاريخها الطويل في التصدي لتقديم أهم الأعمال المسرحية العربية، صار الزير سالم أسطورة مسرحية وتحولت أعمال الكاتب الكبير وليم شكسبير إلى معلقات للقراءة فقط لا يوجد ممن يحفزه لعب دور هاملت أو الملك لير او ريتشارد الثالث..

وفور الانتهاء من سنوات الدراسة لن يلتفت الخريج الذي قضى أربع سنوات في دراسة مناهج مسرحية احترافية لن يلتفت لأي من تلك الأسماء، هذا هو حال كل الأكاديميات المسرحية العربية وإذا خرج المرء باستثناء واحد أو أكثر من بين الخريجين فهو خلاف القاعدة التي كانت أصلا استثناء.. كان الله في عون المسارح العربية»..

 

هذا ما يقوله أحد المسرحيين العرب في حديثه عن حضور الأكاديميات المسرحية العربية الآن، لافتا إلى تغير الحال لما كان عليه وضع الأكاديميات المسرحية في السابق، موجها لتصحيح مسارها بدلا من الحديث عن إغلاقها.

ولعل الأجيال التي تتسرب بعد الدراسة أو أثنائها للتلفزيون عبر بوايات المعاهد لا يترك مجالا للحديث عن خريجين في المسرح أو عن أجيال تغذي دور العملية المسرحية في الوطن العربي ولا بد هنا من الإشارة إلى أن التجربة السورية كانت سباقة بتوظيف كل خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في السنوات العشر من تخرج دفعاته المسرحية حتى تجعلهم يشتغلون بالمسرح مع تفرغهم الكامل كي لا يتعرضوا لأي ضغوطات مادية وكانت تلك المبادرة حينها فالا حسنا في الاشتغال بالمشهد المسرحي السوري.

ويؤكد الدكتور حسن عطية العميد السابق للمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة أن حال الأكاديميات العربية أصبح متحولا باتجاه تقديم مواهب للعمل في أماكن غير المسرح وما أكثرها وما أضعف المسرح حينما يهجره أبناؤه وفي كل الحالات لا يوجد من يعمل بالمسرح إلا من يحبه ويعشق العمل به.

وأشار عطية إلى أن دور المعاهد المسرحية العربية أهم وأرقى بكثير مما نجده الآن بل ربما كانت السنوات الماضية معبرا حقيقيا عن دور المعاهد لا سيما فترة الستينات والسبعينات وحتى فترة مبكرة من الثمانينات حينما كان ينظر للتجربة المسرحية على أنها السيف الفصل في تحديد هوية العاملين في المسرح ومدى موهبتهم.

كان يخجل من يقف على خشبة المسرح ويخطئ بحركة أو بنبرة أو إيماءة، أما الآن فليس هناك أي خجل بل ربما هناك وقاحة بالتعاطي مع المسرح ولكن الكلام لا يشمل الجميع بالطبع هناك مواهب احترافية وشبان يحبون العمل في المسرح ويسعون لتحصيل الشهادات العليا بالمسرح.

ويأمل الدكتور حبيب غلوم الإماراتي الوحيد الذي تحصل على شهادة عليا في المسرح منذ نحو اثنتي عشرة سنة، في تفعيل دور المعهد العالي للفنون المسرحية الموجود في الشارقة بحيث يتاح للإماراتيين الشباب الدراسة فيه.

مؤكدا أنه أول من سيدّرس فيه ومن سيضع خلاصة المعلومات التي حصل عليها أثناء دراسته بالخارج بين يدي أبناء البلد أفضل من أن يسافروا للخارج لتحصيل شهادات مسرحية عليا في فن المسرح.

وتمنى أن تبدأ الدراسة فيه ولو كان معهدا متوسطا لسنتين ثم يتم تطويره ليكون أربع سنوات ويمضي حاضرا ومنافسا للمعاهد المسرحية العربية الأخرى والساحة الإماراتية تحتاج لهذه المعهد الآن أكثر من أي وقت مضى وكل الدورات الأخرى التي تقام هنا وهناك لن تؤسس لما يمكن أن يفعله المعهد وشهادات التقدير والمشاركة لن تكون بديلا عن شهادة دراسية موثقة ومدعومة بسنوات من التعب والجهد والقراءة.

ويؤكد الدكتور عجاج سليم عميد المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا كلام الدكتور حسن ولكنه يلفت إلى ضرورة أن يكون هناك محفزات دائما لطالب المسرح والخريج في آن معا للعمل في المسرح وربما المحفز المادي هو الأفضل في حالات كهذه مطالبا بأن يكون هناك أجر أعلى يعطى للممثل المسرحي في أحد الأعمال المسرحية التي يؤديها.

ومؤكدا أن الحالة المسرحية لن يكتب لها العودة إلى أيام زمان من النشاط والاجتهاد ما لم تدعم ماديا لأن الخريج يتجه للتلفزيون لإغراءات مادية فقط، وأشار سليم أن الموسمين الماضيين شهد عودة لجيل المخضرمين في المشهد الفني السوري للمسرح ولفت أن هناك مشاريع لتخريج طلاب المعهد من قبل أساتذة اختصاصيين ونجوم في مهنة الفن مثل غسان مسعود .

وفايز قزق وجمال سليمان وغيرهم من الأسماء الكبيرة لافتا إلى تجربة إخراج عرض تخرج السنة الرابعة في المعهد من قبل الفنان المتألق عبد المنعم العمايري في عرض سيليكون الذي لاقى حضورا إبداعيا لافتا في مهرجان دمشق المسرحي ومهرجان المسرح العربي في بيروت.

ويرى الدكتور مؤيد حمزة الأستاذ المساعد في الجامعة الأردنية لمادة المسرح أن هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه عن حال الجامعات والمعاهد الأكاديمية المسرحية التي توفر فرصا للشباب لدراسة المسرح.

وأشار حمزة إلى أن وضع الجامعة الأردنية وتقديمها دراسات مسرحية قد عوّض بعض الشيء عن غياب المعهد العالي، مؤكدا أن الساحة الأردنية والعربية قد استفادتا إلى حد كبير من هذه الجامعة التي تعنى بتدريس مناهج مسرحية متطورة وأشار حمزة إلى أن أحد عيوب المعاهد الأكاديمية في العالم العربي أنها لا تطور في المناهج المسرحية الموجودة فيها وفق تطورات الفن المسرحي في العالم .

وهذا الفن يخضع لتطورات جديدة ولنظريات متقدمة في المسرح والفضاء والتقنيات وبالتالي فإن المناهج القديمة على أهميتها قد لا تكون كافية أي أنها يجب أن تكون حاضرة شرط أن تكون إلى جوارها مناهج أخرى تحقق لها التكامل في التعاطي مع مناهج حداثوية، وأشار حمزة إلى أن الساحة الخليجية فيها معهد اختصاصي يتيم هو المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت .

وهو فعليا على الرغم من الإنتاج المسرحي الطيب إلا أنه غير كاف في الساحة الخليجية التي صار فيها الكثير من المهرجانات والفعاليات المسرحية التي تحتاج إلى فعالية وعناصر جديدة لو تنهض بهذه التظاهرات.