لن يتكرر في عال ضي وحتى يومنا هذا، لم تستطع أي فنانة مهما كان اسمها وخبرتها ونجوميتها أن تقدم دور الحماة، كما قدمته الراحلة ماري منيب، التي يقول عنها النقاد انها طراز فريد لن يتكرر في السينما العربية، فهي لم تكن جميلة الجميلات، لكنها استحوذت على قلب الجمهور بملامحها التي تشع طيبة وحناناً، ولاتزال قفشاتها وعباراتها تتردد بين الناس، خصوصا الجيل الحالي «انتي بتشتغلي إيه»، «انتي سواقة» وغيرها من الإفيهات الرائعة التي تعبر عن موهبتها وقدراتها الإبداعية.. «الحواس الخمس» رصد ملامح تجربة ماري منيب أو ماري سليم حبيب نصر الله، قبل أن تعلن إسلامها، على هامش ذكرى ميلادها.

ولدت ماري منيب في 11 فبراير 1905 بمدينة دمشق السورية، وقدمت إلى مصر في طفولتها مع أسرتها، لتستقر في مدينة شبرا بالقاهرة، وكان والدها من كبار التجار، لكنه توفي بسبب خسارته تجارته بعد سنوات قليلة من قدومه إلى مصر؛ لتفقد الأسرة السند والعائل، الأمر الذي دفع الطفلة ماري وقتها للبحث عن عمل وهي في سن الثانية عشرة، فاضطرت للعمل في ملاهي روض الفرج مع شقيقتها «أليس»، وتعلمت أصول الرقص وشاركت بعدها في أوبريت «العشرة الطيبة» إخراج عزيز عيد وألحان سيد درويش في دور «ست الدار» وشاركت في هذا العمل بالرقص والتمثيل والغناء؛ ما دفع الباحثين للقول ان هذا الأوبريت كان المحطة الأولى الأهم في حياة الفنانة الكبيرة.

هي والريحاني

ووفقا لما أورده د. عمرو دوارة، الذي تناول سيرتها الذاتية في مطبوعة «هؤلاء أضحكونا»، فإن ماري منيب وشقيقتها الكبرى أليس التحقتا بالعمل بفرقة مصطفى أمين بكازينو «دي باري» خلال الحرب العالمية الأولى «1914-1919» وبعدها التحقت بفرقة الفنان علي الكسار، وبسببها تملكت الغيرة الفنانة زكية إبراهيم؛ ما دعا ماري منيب إلى ترك الفرقة والالتحاق بفرقة «أمين عطا الله» وفي عام 1918 سافرت مع الفرقة إلى الشام وهناك توثقت العلاقة بينها وبين زميلها بالفرقة الممثل فوزي منيب فتزوجا، ومنذ ذلك الوقت غيرت اسمها إلى ماري منيب وبعد زواج دام 6 سنوات أنجبت ماري ولديها فؤاد وبديع. وقد ظلت ماري محتفظة بلقب زوجها فوزي منيب، حتى بعد أن انفصلت عنه وتزوجت المحامي فهمي عبد السلام.

ولكن كانت نقطة التحول الحقيقية في حياة ماري منيب هي انضمامها لفرقة «الريحاني» عام 1933، ورغم أن بعض الباحثين والمؤرخين أشاروا إلى أن ماري تركت فرقة الريحاني عام 1935 وانتقلت إلى فرقة «رمسيس» التي أسسها يوسف بك وهبي التي كانت تعد من أكبر الفرق المسرحية في ذلك الوقت، فإن آخرين أكدوا أنها لم تترك فرقة الريحاني مطلقا بل كان يستعان بها فقط في أعمال محددة مع التزامها مع فرقة الريحاني، ففرقة رمسيس استعانت بها في بعض الأعمال المسرحية مثل «بنات الريف، رجل الساعة، نجم هوى».

ثنائيات سينمائية

وخلال تجربتها المملوءة بالإبداع والتحدي بدأت ماري منيب تفرض وجودها وتستقطب جمهورها وذاع صيتها وبدأت تطرق أبوابا أخرى في مجالات التمثيل، فعملت بالسينما التي شهدت تألقها وبدأت شهرتها الحقيقية ونجحت في خلق ثنائيات مع عبدالفتاح القصري وإسماعيل ياسين وفريد شوقي، وكانت ثنائيات كوميدية تركت بصمة مهمة في تاريخ السينما بمصر.

ويجمع المؤرخون والباحثون على أن ماري منيب رغم التحاقها بفرقة الريحاني في ثلاثينيات القرن الماضي بعد تجارب طويلة، فإن مدرسة الريحاني هي التي أصقلتها ورسمت لها الشخصيات الكوميدية التي تتناسب مع إمكانياتها الفنية على يد نجيب الريحاني والكاتب بديع خيري، وقدمت أنماطا جديدة اختاروها لها فأضافت لها وقدمتها بطريقتها الساخرة الساحرة التي انحاز لها الجمهور، خاصة في أدوار السيدة الشعبية ذات اللسان السليط، وكذلك شخصية العانس الشمطاء المتصابية، وغيرها من الشخصيات التي قدمتها.

ورغم هذا التنوع في الأداء، يرى النقاد أن دور الحماة هو أكثر الأدوار التي علقت بذهن الجمهور، فلا ينسى أحد المشهد الذي جمع بينها وبين خطيبة ابنها لبنى عبدالعزيز في فيلم «هذا هو الحب»؛ لتختبر قوتها فتقوم بشدها من شعرها للتأكد من أنه حقيقي، وتطلب منها كسر المسكرات بأسنانها؛ لتتأكد من قوتها.

وبعد وفاة نجيب الريحاني عام 1949 تحملت ماري منيب مسؤولية الفرقة مع بديع خيري، وقدما عددا من المسرحيات الناجحة، وظلت في فرقة الريحاني 30 عاما لم تتوقف خلالها إلا في الفترة من 1962 ـ 1964؛ لخلافها مع بديع خيري وبعدها عادت إلى الفرقة بعد زوال أسباب الخلاف.

شاركت ماري منيب خلال عملها في فرقة الريحاني في أكثر من 60 مسرحية تابعها جمهور عريض عشق أعمالها، وأصبحت من أهم الشخصيات الفنية التي جعلت الجمهور يُقبل بقوة على مسرح «الريحاني».

ولكن كانت أول بطولة مطلقة لها هي مسرحية «إلا خمسة» عام 1945 التي قامت فيها بتجسيد شخصية السيدة التركية العجوز.

صدق فني

ومن أهم ما لفت نظر الباحثين والنقاد أن ماري منيب نجحت بقوة دون أن تعتمد على أنوثتها أو جمالها أو جمال صوتها في الأداء، لكنها كانت تعتمد على صدقها الفني وقدراتها الأدائية على تجسيد كل الشخصيات، وكذلك خفة ظلها الطبيعية وسرعة بديهتها وحضورها الطاغي.

وبالرغم من عدم تلقي ماري منيب أي قدر من التعليم أو التدريب في فن التمثيل فإنها استفادت من كبار المخرجين الذين عملت معهم، وكذلك قامت بتوظيف منهجها بشكل جيد، حيث قامت بتوظيف ملهاة التهريج والمكايدة دون إسراف أو الخروج أو استخدام النكات اللفظية الجارحة أو الحركات الجسدية الخارجة.

وعلى الرغم من حرصها الشديد على احترام النص، إلا أنها كانت تصبغ على كل شخصية تؤديها «لزمة طريفة» سواء من خلال جملة حوارية أو حكمة أو مثل شعبي أو توظيف قطع الإكسسوارات الشخصية، وكل ذلك بطريقة لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى من أي ممثلة في عصرنا الحالي.

وبعد تجربة غنية توفيت ماري منيب في21 يناير عام 1969 بعد عودتها من المسرح مباشرة، وكان آخر فيلم قدمته من ضمن أكثر من مائة فيلم في حياتها هو فيلم لصوص ولكن ظرفاء عرض عام 1969 قبل وفاتها بأيام، كما تضم قائمة أفلامها الأخرى فيلم أمير الشعب وهو أول فيلم سينمائي لها عام 1934، «العزيمة» 1939، سي عمر 1941 لعبة الست 1946 بياعة اليانصيب 1947، بابا أمين 1950، حماتي قنبلة ذرية 1951، الحموات الفاتنات 1953، عفريت إسماعيل ياسين 1954، أم رتيبة 1959.

تاريخ مسرحي

من المسرحيات التي قدمتها خلال عملها بفرقة الريحاني «قسمتي، الدنيا لما تضحك، الشايب لما يدلع، ما يعرفوش يكذبوا، ما حدش واخد منها حاجة، ثلاثين يوم في السجن، أحب حماتي، لزقة إنجليزي، ابن مين بسلامته، وراك والزمن طويل، إبليس وشركاؤه، حماتي بوليس دولي، سلفني حماتك، عريس في إجازة»، هذه الأعمال مجرد أسماء ضمن أكثر من 60 مسرحية مع فرقة الريحاني.

وعملت ماري منيب مع عدد كبير من النجوم في مراحل مختلفة: نجيب الريحاني، عبدالفتاح القصري، حسن فايق، استيفان روستي، ميمي شكيب، زوزو شكيب، محمد الديب، محمد شوقي، اسكندر منسي، محمود لطفي، فيكتوريا، حبيقة، سراج منير، عباس فارس، سعاد حسين، عدلي كاسب، أديب الطرابلسي، ومن الأجيال التى تلت جيل الرواد نجوى سالم، جمالات زايد، عادل خيري، هدى زكي، حسين عبدالنبي، فريد شوقي، محمد عوض، إبراهيم سعفان، سهير الباروني، نيللي، أحمد مظهر، وغيرهم ومن المخرجين عزيز عيد، نجيب الريحاني، يوسف وهبي، بديع خيري، سراج منير، عدلي كاسب، عبدالعزيز أحمد، عادل خيري، نبيل خيري، حافظ أمين، عبدالمنعم مدبولي.