بين دهاليز مهنة المتاعب التي لا تنتهي أعباءها بدءا من الميدان ، حيث السعي وراء خبر جديد،و تقرير يهم الناس وإعداد تحقيق يسلط الضوء على قضية مجتمعية انتهاء بالمكتب وانخراط الصحافي في «مطبخه الخاص» ليسترسل أسلوبا شائقا في عرض كتابات يكسب بها مهنيته ، ناهيك عن رصيده من الجماهيرية الإعلامية بما يضفيه من مصداقية على مايكتبه..وبين عمل الإعلامي في الوسيلة المرئية الذي لا يكتمل جُهد ظهوره على الشاشة إلا من خلال فريق إعداد،فما يأتي على لسان المذيع في معظم البرامج كلام معدّ مسبقا بجهود المعد،ويبقى في النهاية أن لكل مذيع نصيباً خاصاً من الكتابة والإعداد التلفزيوني..إذن فبين عمل المذيع والصحافي قواسم مشتركة وأخرى مختلفة..اتفاق على توصيل ما يفيد الناس وإن اختلفت الوسيلة،واختلاف في الظهور وفرصة اكتساب قاعدة جماهيريةلاسيما وأن المذيع يحظى بفرصة أكبر ليتعرف الجمهور عليه،فيما يكتفي جهد الصحافي بذكر اسمه .. تفاصيل اكثر حملتها سطور الملف التالي ..

 

تقول الزميلة الصحافية ميرفت الخطيب بجريدة الخليج : في كثير من الأحيان يشتهر الصحافي أكثر من قرينه الإعلامي في الوسيلة المرئية ، في حين يستطيع الإعلامي الإذاعي أيضا أن يحقق شهرة ويُكون قاعدة لا يستهان بها أبدا والدلائل واضحة في هذا الصعيد ، مُضيفة : سأتحدث هنا عن تجربتي،فبما أنني محررة استطعت بفضل الله تعالى ثم خبرتي الكبيرة في مهنة المتاعب الوصول الى الناس،وتكوين علاقات طيبة معهم،ويظهر هذا جليا حينما أخرج للأماكن العامة حيث يعرفني الناس وكما أشرت سابقا بحكم الاختلاط بهم.كما تؤكد الخطيب أن الكاميرا لا يمكن اعتبارها مقياسا لتحقيق النجومية أو الجماهيرية مثلا ، فهناك نقاط كثيرة لا يغفل عنها أي عاقل !

وترى الخطيب أن عمل الصحافي أهم من عمل المذيع أو المذيعة اللذين لا يظهرا على الشاشة إلا بمساعدة فريق إعداد،مُنوهة الى أن المعد في أغلب القنوات الفضائية يبقى الأساس في أي برنامج تلفزيوني،فكل ما يظهر هو نتاج أفكار المعد،فكل التفاصيل المتعلقة بالصورة لا بد أن تكون مكتوبة على الورق،و في النهاية يأتي المخرج ليضع بصماته الفنية ليظهر المذيع على الشاشة الفضية بمجهود لا يقارن بما يبذله الصحفي الذي ينزل للميدان ويقابل الناس ويتعرض لمواقف كثيرة بهدف الحصول على خبر أو إعداد موضوع،مسرعا بخطاه بعد ذلك إلى مكتبه لتبدأ عملية الانخراط الكتابة.

الصحافيون مهمشون جدا

يقول الإعلامي حامد بن كرم في مؤسسة بينونه للإعلام: «هل سمعتم بعجوز تقرأ جريدة مثلا ؟! » ، مضيفا : إن الصحف مخصصة لفئة معينة فقط وهي الفئة المثقفة،في مقابل أن التلفزيون يستطيع المجتمع بما يحتضنه من شرائح مختلفة مشاهدة ما يعرضه..كما أن المذيع يُعرف من خلال شكله أما الصحافي فيُعرف باسمه فقط ! ، مؤكدا أن الصحافيين مُهمشين في الظهور الإعلامي، متطرقا الى أن هناك نقطة وصل بين الصحافيين والتلفزيون ويتضح هذا من خلال وجود الصحافة في البرامج التلفزيونية،حيث بات هذا في ازدياد مستمر ومهما اختلفنا على هذه الزيادة وهذا الكم الهائل من البرامج والصحافيين إلا أنها لاشك أثرت البرامج وأثرت الإعلام وعملت على فلترة المذيعين ومقدمي البرامج والصحافيين أيضا وخلقت جوا من التنافس ولاشك أن البقاء للأصلح والأهم أن المستفيد الأكبر من كل هذا هو المشاهد.

ويضيفــ : إن مهنة الإعلام قبل كل شيء عبارة عن رسالة،وليست قضية استوديو وميكرفون وقلم،فالمذيع أو الصحافي الذي لا يحمل هَم هذه الرسالة الإعلامية حريّ به أن يترك هذه المهنة لمن يقدر رسالتها وعليه أن يتجه لمهنة أخرى تحقق مآربه الشخصية.

السلطة الرابعة تدعمنـا

ويختلف رأي الإعلامي ياسر البنــــاي في قناة دبي الرياضية حول هذا الموضوع، قائلا : بصراحة لولا الزملاء الصحافيين لما كانت لنا إطلالة بين الفينة والأخرى على صفحات السلطة الرابعة..ولكنني في نفس الوقت أوضح أن الصحافيين عموما حقهم مهضوم في الظهور الإعلامي،إذ يكتفي ظهورهم بأسمائهم فقط من خلال الموضوعات التي يكتبونها،وربما يمرُ عليها الناس فيقومون بقراءتها ويعرفون اسم الصحفي،وربما يمرون على كامل الموضوع مرور الكرام ! إلا من هم أصحاب المقالات والأعمدة الثابتة،ففرصة تعرف الناس عليهم هنا تكون بلا شك ، مضيفا : ليس كل من قدم مادة إعلامية على الشاشة تألق وبات يعرفه الناس،لأن ما يضمن وصوله للناس أساسا هي الاحترافية،والاحترام،والموهبة،والعلم،تقديم مواد متميزة. 

ثورة ورق وطفرة فضائيات.. مكاتب صحافية عبارة عن خلايا نحل لا يهدأ لها بال، واستوديو في حالة من التوتر لأنه على الهواء.. صحافيون ومذيعون يبذلون جهدا كبيرا، كل منهم على طريقته، لتحقيق فائدة الجمهور القارئ والمشاهد، والأهم من ذلك تقديم مضمون إعلامي يحترم العقلية التي تعد ذكية جدا وعلى نضج ووعي بالحاصل والواقع، وعلى قدرة أيضا على التقييم.

النجومية للإعلام المرئـي

الفنان والإعلامي مرعي الحليان - كاتب عمود في جريدة «البيان» لا يتفق مطلقا على أن للمذيع فرصة أكبر للظهور الإعلامي ومساحة أوسع للانتشار الجماهيري، فعلى حد قوله: لا نخفي أبدا أن للقلم جانبا كبيرا من الجرأة التي تلفت الجمهور باختلاف شرائحه.. فبحجم وثقل ما يكتبه أي صحافي يستطيع الانتشار لا محالة من النطاق المحلي وصولاً للإقليمي، مضيفا: هناك بعض الكُتاب الأجانب لهم شهرة كبيرة ونجومية واسعة انطلاقتها قلم مميز في طرحه، مشيرا الى أن الصحافي هنا يستطيع أن يكون نجما بجرأته وقلمه، ومستواه الفكري والثقافــي وطرحه المتعلق بهموم الناس وقضاياهم، فالمسألة هنا فيها (نسبة وتناسب).

ويستطرد قائلا: إن العاملين في الإعلام المرئي، لاسيما المذيعون، يعملون في وسيلة تخلق منهم نجوما في وقت قصير ، ولكن النقطة التي يجب ألا نغفلها هنا أنه يدخل في الإعلام المرئي عمليات تجميل، كما أنه بإمكان برنامج أن يصنع مذيعا أو مذيعة.. إلا أن نجومية هؤلاء تتركز على مواصفات جمالية وطلة معينة إلى جوانب جوانب كثيرة، منها عدم التصنع، والإلمام بجميع الأشياء المحيطة، ويكون على درجة من الوعي والثقافة، وبعد جميع هذه الجوانب الأخلاقية يأتي عامل الشكل والمظهر كما أسلفت في الذكر.. ويبقى في يومنا الآن أننا نعيش عصر الصورة، فبالتالي تتوهج النجومية لصالح الإعلام المرئي.

للشاشة حضور خـــاص

ويؤكد سالم محمد نائب مدير الأخبار في شبكة الإذاعة العربية أن العاملين في مجال الإعلام المرئي لهم نجومية كبيرة تفوق أصحاب الأقلام.. حيث للشاشة حضور لا يقارن أبدا بالجمهور القارئ الذي يجهل في كثير من الأحيان شكل الصحافي، مكتفيا باسمه المنشور على الورق فقط!، مضيفا: ومع هذا يبقى لبعض الزملاء الصحافيين تأثير في المجتمع، خاصة أصحاب الأعمدة الصحافية فهم الذين يعرفهم الناس ربما لأن لهم ظهور مميز في الصحيفة.. ومن جانب آخر، يوضح سالم محمد أن الإعلامي سواء كان صحافيا أو مذيعا، يجب أن يكون على قدر المسؤولية المهنية بحيث يستشعر قيمة ما يقدمه للجمهور من فائدة.. مع ضرورة استيعاب مقومات صياغة الرسالة التلفزيونية والإذاعية والصحافية، وكيفية استخدام كل عنصر فيها، لأن هذه العناصر تسهم في التعبير عن أفكاره ومعلوماته ومشاعره وكل ما يريد توصيله للمستمع والمشاهد والقارئ.

تأثير الصحافة مهم

وتقول حليمة الملا الصحافية في مجلة «مرامي»: المذيع والصحافي يؤديان نفس الدور أو المهمة الإعلامية ولكن يختلفان في طريقة التوصيل أو الوسيلة التي يعملان بهـا.. ونحن هنا لا نختلف أبدا في أن تأثير التلفزيون يعتبر أكبر من الصحيفة، لاسيما وأن عامل الصوت والصورة يكملان بعضهما البعض في نسبة التأثير. مضيفة : الصحافي يحتاج لوقت كبير جدا حتى يترك بصمة راسخة في ذهن القارئ، وهذا لن يكون إلا من خلال دقة عمله المهني وقوته في التأثير بما يكتبه على نفس القارئ..

وتؤكد الملا وبلا مُبالغة أوضحُ أنه من الممكن أن يؤثر موضوع صحافي ما أكثر من تأثير برنامج معين. مشيرة في الوقت نفسه: يبقى أن عدد مشاهدي القنوات الفضائية أكثر من جمهور الثقافة القرائية، خاصة وأن للمشاهد مطلق الحرية في مشاهدة ما يرغب به وفي أي وقت كالرياضة والاقتصاد والثقافة كما تمر عليه أيضا وجوه كثيرة.. أما القارئ فيكتفي فقط بسحب الصفحات التي يرغب بقراءتها من الصحيفة.

وعمومـــا يستطيع الإعلامي (المذيع-الصحافي) من خلال المعايشة الكاملة للواقع المحيط به، وإحساسه بمشكلاته وقضاياه واهتماماته أن يلمح الأفكار التي تتناسب مع سياق برنامجه أو تخصصه في الصحيفة.. وتعتبر المتابعة الدائمة لوسائل الإعلام المختلفة، والقراءة للكتب المختلفة، والدراسات التي تقوم بها مراكز البحوث والجامعات.. كل هذه تمثل روافد مهمة لخلق أفكار جيدة، لأن الفكرة هي «رأس مال الإعلامـــي» فالجمهور بحاجة لكل ما هو جديد ومبتكر ويكره التقليد والروتين الإعلامي.

السلطة الرابعة

ويشير محمد سالم مدير برامج إذاعة الخليجية والمذيع فـي مركز الأخبار الى أن الموهبة موجودة في كل شخص إعلامي، سواء كان مذيعـا خلف الشاشة أو صحافياً صاحب قلم، ولكلاهما طريقته وأسلوبه في الشهرة والانتشار ، مضيفــا: من الخطأ هنا أن نقلل من قيمة القلم الذي يكمن فيه جُل الإبداع والابتكار، وكثيرة هي الأقلام المحلية التي نحرص على متابعتها والقراءة لها، فكاتب العمود أو المقال يُنظر له بمنظار كبير جدا، فيكفي أنه يقرأ له الوزير..متسائلا : فمَن مِنا لا يقرأ لفضيلة المعيني وسامي الريامي وميساء راشد غدير ؟

فلكل منهم أسلوبه الذي يميزه في الطرح، إلى جانب قوتهم في التأثير من خلال توصيل ما يكتبونه من أفكار وقضايا وغير ذلك.. فالكاتب إذن يستطيع اختراق نطاقه المحلي من خلال استخدامه لوسائل التكنولوجيا، وعلى رأسها الشبكة العنكبوتية، لينتشر خليجيا وعربيا أيضا.. ومن جانب آخر، يرى محمد سالم بأنه فـي ظل فورة الفضائيات، وطفرة البرامج التي تقدم عليها، باتت مسؤولية المذيع أيضا أصعب بكثير، وذلك لمحاولة خلق تميّز واضح وجذب مشاهد ملّ البرامج المنسوخة والمقلّدة، لاسيما وأن العمل الإعلامي عموما ممتع، لأنه متجدد وخال من الرتابة، وهناك حيوية خاصة عند الحديث مع قضايا وأمور تهم الجمهور.. وهذا بحد ذاته يجعلنا نستشعر أهمية دورنا كإعلاميين.