لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الكبير الذي تقوم به إدارة متابعة المحتوى الإعلامي في المجلس الوطني للإعلام بالدولة، خصوصا في مجال الأفلام وهو المعيار الأبرز لمعرفة درجة الرقابة على ما يشاهده الجمهور ويتفاعل معه في مجتمع يحتوي مزيجا من الجنسيات والثقافات المختلفة، مستخدمة شعار (لا نمنع كل شيء ولا نسمح أيضا بأي شيء) فسياسة المنع لم تعد مفيدة الآن، فمن يرد مشاهدة أي شيء يستطع بلمسة زر على الكمبيوتر أن يقوم بعمل (داونلود) من الانترنت لأي مادة (فيلميه) أو غيرها ويشاهدها دون تدخل رقابي.

وهذا ما يدفع إلى طرح تساؤل مهم عن الرقابة على الأفلام في بعض الدول، تحت مظلة وجود تصنيفات يراها البعض مرتبطة بالعمر وليس الأخلاق ذلك المبدأ الأساسي والمنشود في كل بلدان العالم، وتلك التصنيفات (العمرية) وليست (الأخلاقية) هي ما دفعت المجلس الوطني للإعلام متمثلا في إدارة المحتوى الإعلامي إلى التفكير جديا في عمل (تصنيفات) جديدة يجرى دراستها حاليا مع الاتحاد الأوربي وبعض الدول المتقدمة في هذا المجال، من أجل الوصول إلى صيغة تعتبر الأولى في منطقة الشرق الأوسط تتناسب مع المجتمع العربي بعاداته وتقاليده وتوجهاته، وسوف يتم الإفراج عنها خلال الشهور القليلة المقبلة.

وتعكس مشاكل اللوائح والقوانين الحالية ما يثير هاجس عمل الرقابة في بعض الدول ويجعلها متشددة أكثر مثل الكويت، وتتحرك تحت ضغط الخوف من كل شيء وفي مقدمتها تابوهات (الجنس والسياسية والدين) والتي تفسر المنع أو حذف بعض المشاهد وتمرير البعض الآخر مع وجود لافتة (للكبار فقط) مثلما يحدث في لبنان ومصر، ووراء تلك اللافتة تأتي أيضا تصنيفات أخرى موجودة في الإمارات وبعض دول الخليج مثل (G، + 13، فوق 15، وفوق 18)، وهي قريبة الشبه من مستويات التصنيف في أميركا والتي يتم تقييم الأفلام من خلالها كالتالي:

(G) يمكن للأطفال مشاهدة الفيلم وحدهم وجميع أفراد العائلة من كل الأعمار.

(PG) من الأفضل مشاهدة الفيلم بإشراف الآباء حيث ان بعض أولياء الأمور قد يرغبون في تجنب أبنائهم بعض المشاهد البسيطة أو أن هناك بعض التساؤلات للأطفال عن مشاهد معينة ولكن بصفة عامة يمكن لجميع أفراد الأسرة مشاهدة الفيلم في أمان تام.

(PG-31) ضرورة إشراف الآباء على مشاهدة الفيلم خاصة لمن هم دون الثالثة عشرة عاما، لأن الفيلم رغم انه لا يحتوي مشاهد عنيفة أو جنسية إلا انه قد يحوي بعض الألفاظ الخارجة أو بعض مشاهد التعري البسيطة مثل ملابس النوم أو ملابس السباحة ولكنه يظل بصفة عامة مأمونا بالنسبة للمشاهدة الأسرية.

(R) يجب أن تتوقع وجود مشاهد عنف أو مشاهد جنسية واضحة بها، وفي هذه الحالة ممنوع على من هم دون السابعة عشرة أو الثامنة عشرة مشاهدة هذه الأفلام دون رقابة ولا ينصح بأن تجتمع الأسرة عند مشاهدة مثل هذه الأفلام لأنها تحتوي كثيرا من الحرج.

(NC-71) هذه الأفلام قليلة الوجود، تحتوي على مشاهد جنسية صارخة وفاضحة وشاذة وقد تجد بها مشاهد بالغة العنف قد تؤثر كثيرا على الشباب وتعتبر الأفلام من هذا التقييم ممنوعة منعا باتا في الدول العربية.

ومن خلال تلك التصنيفات يخشى الاتجاه (المحافظ والمتشدد) فكرة الذهاب إلى صالات السينما، رغم أن الجمهور السينمائي العربي تغير كثيرا ولم يعد الجمهور نفسه الذي كان يدخل دور العرض في الخمسينات إلى الثمانينات، كما أن بعض صالات السينما تقدم معلومات مطبوعة عن الأفلام المعروضة تحتوي فكرة سريعة عنها وتصنيفاتها الرقابية، بخلاف دور الإعلام المقروء والمسموع والمرئي وتسليطه الضوء على تلك الأفلام وما تتناوله شكلا ومضمونا.

وزادت خلال السنوات الأخيرة المطالبات بتصنيفات أخرى للأفلام جراء التأثير القوي للسينما وشددت على أن لا تكون المشاهد الجنسية أو الخوف من (الدين والسياسة) هي المعايير الأبرز فقط، بل يجب أن يتم إدراج حزمة من التقييمات ضمن العوامل المستخدمة، مثل النص والكلمات البذيئة والإيحاءات وشرب الكحول والتدخين وتعاطي المخدرات والعنف والدماء والقتل والمشاهد الفاضحة، كأساس لتقييم الأفلام السينمائية. صوفي السطور التالية يرصد (الحواس الخمس) آراء صناع الأفلام والنقاد والمتخصصين حول معطيات ومؤشرات تصنيفات الرقابة في ظل السماوات المفتوحة وثورة تكنولوجيا الانترنت التي سمحت بكل شيء وأي شيء.

ناشد عدد من المتخصصين ونقاد الأفلام وصانعيها إدارات الرقابة والمحتوى الإعلامي والفني في الدول العربية، العمل على استخدام تصنيفات جديدة أكثر انفتاحا مع وضع ضوابط تتلاءم مع المجتمعات العربية وما تحتويه من ثقافات وتوجهات مختلفة، مشيرين إلى أن ذلك سوف يحد من تأثير الفضائيات المفتوحة والمشفرة ويقلل من خطورة ما تبثه أو ما هو موجود دون رقابة من أفلام فاضحة ومثيرة وأكثر عنفا على شبكة الانترنت.

يقول جمعة عبيد الليم، مدير إدارة متابعة المحتوى الإعلامي بالمجلس الوطني للإعلام، وهي الجهة الوحيدة المخولة بمراقبة الأفلام داخل الإمارات، إن التصنيفات المستخدمة حاليا هي تصنيفات عالمية معدلة وفق معايير تتناسب مع أعراف الدولة، مؤكدا أن الإدارة تدرس في الشهور المقبلة تصنيفا جديدا يتم مناقشته الآن داخل لجان متخصصة في (الدين والسياسة والأمن والاجتماع وعلم النفس) وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، حيث يتم الاستفادة كذلك في هذا المجال من تجارب سابقة ناجحة في بعض دول الاتحاد الأوروبي.

اللوائح والقوانين

نوه جمعة إلى أنه في ظل اللوائح والقوانين الحالية تتم مراقبة الأفلام قبل طرحها في دور العرض، من خلال لجنة تتكون من 6 أشخاص جميعهم متخصصون في مجال السينما يلتزمون بمعايير هدفها مصلحة الجمهور والمجتمع، موضحا أن دور العرض التي لا تلتزم بالمحاذير يتم استدعاء صاحبها على الفور وإنذاره، وقد تصل العقوبة في بعض الأحيان إلي إغلاق السينما، أو سحب الرخصة إذ يوجد تنسيق مع جهات أخرى مثل الشرطة والبلدية ودائرة التنمية الاقتصادية.

ويؤكد الليم على أهمية التصنيف المعتمد في الإمارات، مشيرا إلى وجود قرار بعدم السماح للشباب دون الـ18 سنة بدخول الأفلام التي تصنف فوق 18، ويضيف: إذا حدثت تجاوزات نقوم باستدعاء الشخص المعني في السينما لإبلاغه تحفظنا على الفيلم، وفي إحدى المرات تم إيقاف فيلم جراء عدم حذف مشهد معين، كما تم إغلاق السينما لمدة 3 أيام.

دور الرقيب

من جهته أكد الناقد السينمائي كمال رمزي أن الرقابة تعتبر انعكاسا لواقع المجتمع سواء ايجابيا أو سلبيا، فالرقابة موجودة في العالم كله ولكنها تختلف من دولة لأخرى، فعلى سبيل المثال الرقابة في أميركا تختلف عن إيران التي تمتلك معايير مختلفة تماما، كما نجد أن دولا مثل فرنسا وبريطانيا تمنع عرض أفلام بالرغم من أنهما من بلاد الحرية والديمقراطية ولكن لابد من وجود رقابة في العالم كله، ولكن الاختلاف هو من يقوم بدور الرقيب الجهات الشعبية أم السلطات الحكومية؟، فرقابة السلطات الحكومية هي السائدة في دول العالم الثالث وهي تراقب كل شيء من أجل الحفاظ على النظام السياسي والأخلاق والعادات، أما في الدول المتقدمة فالاتحادات والجهات الشعبية هي الرقيب، وهناك شيء اسمه «التصنيف»، يجب العمل به وتطويره بما يتناسب مع المنطقة العربية.

منطق اجتماعي

أما الناقد الفني طارق الشناوي فيقول: في كل دول العالم تلعب الرقابة دورا مؤثرا في الحماية الاجتماعية وهذا هو دورها الأول رغم أنها في العالم العربي عادة لا تلعبه، ولكن في العالم الأوروبي فإن التصنيفات تخضع هناك لمنطق اجتماعي وليس رقابيا سياسيا يفرض نفسه عند السماح بالعرض العام من خلال هيئة لها منطقها وقواعدها الاجتماعية وليست الرقابية، فبعض الأفلام ممنوع عنها الأطفال وبعضها يشاهدها مع أحد أفراد الأسرة، مثلا في أفلام الرعب والعنف ينبغي أن تتم الإشارة إلى ذلك حتى لا يدخل المشاهد فيلما وهو غير مهيأ نفسيا أو فكريا.

هدف التقييم

ويقول المنتج السينمائي محمد حفظي من خلال تجربته في الدراسة ببريطانيا وزياراته المتعددة إلى أميركا، ان هدف التقييم في السابق كان التخلص من مشاكل الرقابة أما هدف التقييم اليوم اقتصادي بالدرجة الأولى، فالمنتجون مثلا لا يرغبون بأن تصنف أفلامهم تحت (NC-71) لأن ذلك يعني لهم فشلا تجاريا والسبب أن نوعية هذه الأفلام من النادر والمستحيل أن تنجح فـي شـبـاك التذاكر، كما أن معظم صالات السينما تمنع عرض هذا النوع من الأفلام والقنوات التلفزيونية لا تعرض دعاياتها، لذلك بعض المخرجين يضطر إلى حذف بعض المشاهد من فيلمه من أجل خفض التقييم إلى الدرجة (R)، مع العلم أن هذا النوع من الأفلام ( NC-71) عددها قليل قد لا يتجاوز المئة فيلم، أما التصنيف (G) أصبح مرتبطا في الأذهان بأنه موجه للأطفال أساسا ما يجعل البالغين يصدون عنه وخاصة المراهقين لذلك يضيف بعض المخرجين الكلمات البذيئة بشكل متعمد حتى يرفع التقييم إلى فـئـة أعلى، وعموما هذا التقييم أو التصور من منظار الثقافة الأميركية التي هي بالطبع تختلف شكلا ومضمونا عن الثقافة العربية.

رقابة المجتمع

ويعتبر المخرج داوود عبد السيد، أن الرقابة المجتمعية التي يمارسها أفراد المجتمع أقوى وأكثر تأثيرا من الرقابة المؤسسية، ويستطرد قائلا: وهي غالبا تقف أمام تقديم صناع الأفلام لأعمال فنية، خوفا من نظرة المحيطين بهم إليهم، وبالتالي أدعو إلى العمل على تحديث المجتمع وإشاعة روح التحرر، وهي مهمة ليست بسيطة ولا تتم في فترة قصيرة، بل تحتاج إلى سنوات طويلة، وأرى أن السينما العربية شهدت في السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في المعدات والتجهيزات الفنية والتقنيات، ولكن في مقابل ذلك شهدت تراجعا في مساحة الحرية المتاحة.

عصر مفتوح

ويؤكد المخرج خالد يوسف أن الرقابة قاتلة للإبداع ولابد من إلغائها، فهي بمثابة قصور في الفكر وليس لها منطق، لأننا نعيش حاليا في ظل عصر مفتوح كما أن وسائل الإعلام تحث على الحرية، ويضيف قائلا: لو قمت بعمل ولم يرض الجمهور فهو الوحيد القادر على أن يوقفني وليس غيره.

ويشير خالد إلى أن الجمهور حر وليس من حق أي أحد أن يحجر عليه ويلعب دور الوصي ويحدد له ما يجب أن يراه وما لا يجب أن يتلقاه، وقبل عصر الانترنت، كانت اراء وتعليقات المشاهدين والقراء على السينما والفنون عامة، لا تنشر في الصحف والمجلات بدون إعادة تحرير (سياسي، اجتماعي وديني)، ومع بداية الانترنت وانتشار منتديات الحوار، والمواقع التي تمنح القراء الفرصة للتعليق على موادها، بدأت مرحلة جديدة من علاقة الفنون العربية وصانعيها مع الجمهور العربي، ويكفي تصفح التعليقات لأي موضوع سينمائي للاطلاع على جزء بسيط من هذه الظاهرة، والتي تحتاج إلى دعم وحوار للحد من تأثير الجانب السلبي فيها والموجود كذلك في بعض الفضائيات المفتوحة والمشفرة.

وعي الجمهور

ويرى ياسر الصفدي مدير سينما (غراند بحيرة) بالشارقة أن هناك وعيا كبيرا لدى الجمهور، وتشددا من قبل بعضهم بخصوص موضوع التصنيف، مؤكدا انه لا يوجد آباء أو أمهات يريدون أن يصبح أطفالهم مقلدين لنجوم الأفلام في التدخين أو العنف مثلا، ويضيف قائلا: نحن نأخذ بعين الاعتبار نوعية الفيلم ونستخدم الإعلانات داخل صالات السينما للتنويه عن ذلك مع الجمهور، والتصنيفات بشكل عام حتى الآن معتدلة وجيدة، ولدينا فريق عمل من أربعة وعشرين شخصا متخصصين في التعامل مع الجمهور، وقد تم إخضاعهم لدورات تدريبية من أجل المتابعة اليومية ومعرفة ردود الأفعال، لأن السينما نشاط ترفيهي وحاجة إلى هدوء نفسي واستيعاب فكري.

تصنيف المشاهدة

وعند مخرج إحدى دور السينما كان اللقاء بمجموعة من الأطفال لم يتجاوزوا السادسة عشرة من العمر، وطرحنا عليهم سؤال: هل رأيتم تصنيف مشاهدة الفيلم؟، وكان الرد السريع: بصراحة لا نهتم كثيرا بتصنيف المشاهدة فعندما نأتي إلى صالات السينما نستعرض الأفلام وما يستهوينا نحضره دون تردد وبتحايل على بعض العاملين في قاعات العروض.

عكست هذه الإجابة ثقافة تصنيفات الأفلام عند الأطفال رغم أهميتها، وهي حالة عامة لدى جمهور السينما في العالم العربي تحتاج إلى وقفة مستنيرة وفهم أكثر يتناوله (الحواس الخمس) في ملفات مقبلة.