نحو جبال رأس الخيمة، وبالتحديد منطقة «كبدة»، واحدةٌ من أكثر المغامرات رفعاً لنسبة الأدرينالين في الدم على وشك أن تبدأ. قبل الوصول إلى نقطة البداية، لم تكن لديّ أدنى فكرة عمّا أنا مقبلٌ عليه، تدلٍّ بالحبال، يليه عبور للتعرّجات على حدود الهاوية، مشيٌ شاقوليّ، وألعابٌ بهلوانيّةُ لم أكن أتجرّأ لأفكّر بها حتّى في أشقى سنين طفولتي.

في قلب الجبل

لا تترك عوامل الحتّ والتعريّة أكبر معالم الكرة الأرضيّة قوّةً وشموخاً بحالها، فجميعنا نعلم أن تلك الشقوق الكبيرة في الجبال، شأن «غراند كانيون» في الولايات المتّحدة، ليست إلا صنيع قطرات المياه، بمساعدة الريح والغبار، المتّجهة من المناطق المرتفعة نحو المناطق المنخفضة عبر السنين. هذه الشقوق بالذات، هي ساحة مغامرتي هذه، وعلى الرغم من أنّ النظر إليها من مناطق مرتفعة يُمكن أن يثُير الرعب في الأنفس، إلا أنّك ما أن تتّحد مع تلك الصخور، في مسيرك من قمّة الجبل إلى أسفل الوادي، حتّى يُصبح للعظمة والخوف وقدرة الإنسان عندك مفاهيم أخرى، مختلفة عن كلّ ما تمّ تلقينك إيّاه في دروس الجغرافيا.

بدأت الحكاية كلّها عند وصولنا إلى مستودع الشاهين «المركز الوطنيّ للتدريب والمغامرات»، حيث حصل كلٌّ منّا على حصّته من معدّات الهبوط، أحذية السير في الجبال، وبعض الحبال، بالإضافة إلى لباس تعليق، وهو الأهمّ تقريباً لأنّ عمليّة هبوط المنحدرات الأفقيّة تعتمد عليه كليّاً، وخوذة وحقيبة للظهر، توضع كلّ تلك المعدّات فيها، إلى جانب زادنا من ماءٍ وطعام.

الانطلاق

قرابة التاسعة صباحاً، انطلقنا نحو منطقة الجبال في رأس الخيمة، وبعد مسيرة 45 دقيقة بالسيّارة، وصلنا إلى النقطة التي سنبدأ صعودنا منها. وهنا بدأت معالم التجربة تنكشف، فصعود الجبال مشياً على الأقدام من الناحية المتدرّجة، ومن ثمّ الهبوط بواسطة الحبال، لم يعن بالنسبة لي أن تكون تجربتي غنيّة بالأدرينالين. فقد شعرت في البداية بأنّه مجرّد نشاطٍ متعبٍ نسبيّاً، حتّى وصلت مع فرقة المدرّبين إلى النقطة التي كنت، والحقّ يُقال، بدأت أشعر بالندم على ما وضعت نفسي به.

أوّل دفقةٍ من الأدرينالين، رفعت إحساسي بالإثارة والخوف، كانت عند العبور من ممرٍّ ضيّقٍ جدّاً، لا يكاد يتّسع للقدمين مع بعضهما البعض، وعلى الرغم من أنّ المدربين كانوا قد قاموا بتثبيت حبال الأمان، إلا أنّ الشعور بخطورة كلّ خطوة لا يترك مجالاً لمن يعبر تلك الدروب على مشارف الهاوية أيّ مجالٍ للتفكير، إلا بفكرةٍ واحدة، ماذا سيحصل لو لم أكن مثبّتاً، وانزلقت قدمي نحو هذه الهاوية؟

بعد هذه الدرب الممتعة، والتي لم يُرافقنا فيها سوى مجموعةٌ من الماعز وبعض الطيور التي لم أستطع أن أجد لوجودها تفسيراً، وصلنا إلى نقطة الهبوط، وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها الإثارة الكُبرى. عندما قمت منذ اسبوعين بتجربة القفز المظلّي، لم أتوقّع أن أشعر بالخوف في أيّ تجربةٍ أخرى اقوم بها، ولكن ما إن تبدأ الخطّافات بالانغلاق على المسامير المعلّقة بالصخر، وتٌرمى الحبال نحو الأسفل، وتعلم بأنّ هذه الحبال هي سبيلك الوحيد للخروجٍ من مأزقٍ ما، وهي أيضاً صمّام أمانك الوحيد، يٌمكن للدمّ أن يملأ دماغك، وتزداد نبضات قلبك لتعرفك أنّك فعلاً تقوم بتجربةٍ مخيفة وممتعة وفريدةٍ من نوعها.

عمليّة الهبوط

تتمّ عمليّة الهبوط باستخدام تقنيّاتٍ مختلفة، إما ان تنزل بنفسك، أو أن تنزل بمساعدةِ صديقٍ ما، أو أن تنزل بالاعتماد على الحبال المعلّقة بمسامير مثبّتةٍ في الصخور. وعمليّة النزول هذه، على اختلاف تقنيّاتها، تعتمد بالأساس على الثقة، الثقة بالنفس والشريك والحبال. فقبل أن تتدلّى نازلاً المنحدر المرتفع، وكانّك تسير بشكلٍ شاقوليّ، عليك أن تثق بقدرتك على القيام بهذه المهمّة، أن تُبقي قدماك مرفوعتين، ويداك متشبّثتين بالحبل لتعطي لنفسك المساحة التي تحتاجها مع كلّ خطوة. وإذا ما كان نزول المنحدر يتطلّب مساعدة أحد الشركاء، لا بدّ أن تكون على ثقةٍ كبيرة بهذا الشريك، وإلا لن تتمكّن من الهبوط بحبل يقوم هو بتثبيته وإرخائه خلال عمليّة نزولك.

من أكثر تقنيّات الهبوط متعةً، هي تقنيّة «فيا فاراتينغ»، والتي ابتكرها الإيطاليّون بالأساس في الحرب العالميّة الثانية، بعد أن فقدوا الكثير من جنودهم بسبب الانزلاقات التي حصلت وهم يُحاولون عبور الممرّات الجبليّة الضيّقة. وتعتمد هذه التقنيّة على قيام شخصٍ خبيرٍ ومتمرّس بتثبيت كلّاباتٍ في نقاطٍ قويّةٍ بالصخور على طول الممرّ، ومن ثمّ يمررّ حبلاً عبر هذه الكلّابات على طول الممرّ، ليكون هذا الحبل هو ارتكاز الأمان الذي يلجأ له الجنود كيلا يسقطوا ويفقدوا أرواحهم، وهذا بالضبط ما قام المدرّبون بفعله قبل عبوري أحد المنحدرات الطويلة والمتعرّجة.

عند أوّل منحدر، لم يكن من السهل عليّ أن أتّخذ الخطوة الأولى، عملاً بأنّني طلبت من المتدرّبين أن أكوّن أوّل الهابطين، لأنّ مجرّد رؤية أحدٍ ما يقوم بتلك العمليّة قبلي، كان كفيلاُ بأن يُخيفني لدرجةٍ قد تمنعني من القيام بالتجربة نفسها. ولكن بعد كلمات التشجيع التي أتحفني بها رئيس المدرّبين، والقليل من نظرات الملل من المدرّبين الآخرين، اتّخذت الخطوة الأولى دون أن أنظر نحو الأسفل. في اللحظات اللاحقة، خطرت لي العديد من الأفكار السيّئة، كان يُقطع الحبل مثلاً، إلا أنّني ألقيت بثقلي على حمّالة الأمان الملفوفة حول خصري، وشعرت بتوازنٍ كبير. فمن الواضح أن إجراءات الأمان التي يقومون بها، لا تضمن السلامة فحسب، ولكن عندما يُفكّر المتدرّب بالتجربة بشكلٍ علميّ، يعلم ان هنالك توازناً في القوى، وأنّ هبوطه، حتّى لو كان شاقوليّاً، ليس أصعب من مسيره العادي نحو سيّارته، أو نزوله الأدراج.

مع كلّ خطوةٍ نحو الأمام، تسهل العمليّة، ويغلب ميزانُ الإثارة على الخوف، عند هذه النقطة بالذات، شعرت بأنّ ما أقوم به هو حقّاً شيءٌ استثنائيّ، بل وإنّه أشبه بدرسٍ صعب تعلّمت منه أن الخطوة الأولى دائماً هي الأكثر صعوبة.

في المسير نحو نهاية الشقّ الجبليّ، تكرّرت عمليّات الهبوط باستخدام الحبال، وكان المدرّبون يشدّدون عليّ لأشرب الماء عند كلّ استراحة. فمع الإثارة والخوف، يُمكن للإنسان أن ينسى حاجته للماء، وبالتالي أن يُصاب بالجفاف والصّداع قبل الوصول إلى المكان الذي انطلق منه.ومن الأشياء التي تعلّمتها في هذه التجربة أيضاً، أنّ الصُحبة يُمكنها أن تحوّل المسير بين الصدوع الجبليّة الوعرة، وهو المكان الذي قضيت يوميّ في هبوطه، إلى نُزهةٍ ممتعة، فالمدرّبون وصلوا إلى مرحلةٍ من الثقة بالنفس لدرجةٍ جعلتهم يُطلقون فكاهةً ما مع كلّ عمليّة هبوطٍ صعبةٍ أو خطرة، علّهم لاحظوا القلق والارتياب على وجهي، والذي كان واضحاً للغاية، لذا حاولوا أن يخفّفوا عنّي باقتباساتهم عن المسلسلات الكوميديّة الأجنبيّة، أو بالحديث عن السيّارات أو الرياضة وغير ذلك.قبل نهاية الدرب، ومع آخر هبوطٍ باستخدام الحبال، طلب منّي المدرّب أن أتخلّى عن حمّالة الأمان لأنّني قد عبرت منطقة الخطر، ولم أعد بحاجةٍ لاستخدامها، إلا أنّه أوصاني بإبقاء خوذتي للمزيد من الآمان في حال التعثّر أو السقوط، ولكنّني لم أستمع له، وأزلت عنّي الخوذة عن رأسي فوراً، خصوصاً وأنّها كانت بثقل الجبل الذي هبطّه فوق رأسي.مع الوصول إلى خطّ النهاية، تمكّنت من رؤية السيّارات التي أحضرتنا إلى مكان التجربة، وعندها فقط تنفّست الصعداء، وتأكّدت من أن هذه التجربة، ليست فقط مغامرةً ترفع هرمون الإثارة في الدم، بل إنّها درسٌ تعلّمت منه الكثير، ولن يٌفارق ذاكرتي ما حييت.

الطعام

يصطحب كلّ متدرّب وجبته معه، والتي يجب أن تتضمّن كميّةً كافيةً من الماء، ويُفضّل المحاليل الغنيّة بالأملاح المعدنيّة، إلى جانب الشطائر المحتوية على مواد لا يُمكن أن تفسد بسبب حرارة الجو، ويُنصح دائماً باصطحاب المواد المالحة لكي توقف أيّ إحساسي بانخفاض الضغط قد ينتج عن الجهد المبذول.

المدرّبون

يتضمّن فريد المدرّبين مجموعةً من القياديين، والذين بتمتّعون بخبرةٍ طويلة في المجال الذي يدرّبونه. إلى جانب سجلّهم المتميّز بالإنجازات الناجحة في مجال تطوير الأداء، والإلهام النابع من روح فريق العمل.

المعدّات

تعتمد هذه التجربة بالأساس على المعدّات التي يحملها كلّ مُغامر في حقيبة ظهره. وتتضمّن مجموعة المعدّات هذه حمالةً للأمان، وحذاء تسلّق الجبال، وخوذة واقية، وحبل أمان، بالإضافة إلى خطّافات ومعدّات تعليق معدنيّة اختصاصيّة بتقنيّات الهبوط المختلفة.

الشاهين

إيماناً منهم بأهميّة التغيير في حياة المواطنين والمقيمين في دولة الإمارات، عبر برامج تدريبيّة متعلّقة بالنواحي القياديّة والتنظيميّة والمهارات الشخصيّة، تسعى شركة الشاهين (المركز الوطني للتدريب والمغامرات)، لإطلاق برامج استثنائيّة هدفها التطوير على الصعيد الإنسانيّ الشخصي بغاية بناء جيلٍ مشرق.

الموقع

يأخذ المسير طريقه في قلب جبال رأس الخيمة، بمنطقة كبدة، والناحية تلك تُدعى الرمس على طريق شعم. وفي آخر الطريق، لدى الهبوط إلى أسفل الوادي، يُمكن رؤية المساكن القديمة لقبيلة «الشحوح»، قاطني جبال رأس الخيمة.