لا يشعر المرء بغربة في بيروت ، غربة المسرح على الأقل الكل يتحدث عن المسرح وثمة حضور خاص للكبار في هذا المشهد الذي ينطوي على مفارقات كثيرة كما هي الحياة ، فالكل يعترف بفضلهم وحضورهم في المشهد المسرحي اللبناني وثمة الكثير من الاشارات والتحولات التي تؤكد أن هناك جيلا مختلفا عن الجيل المؤسس لا يستطيع المرء أن يتجاهله أو أن يتجاهل ميوله المسرحية التي تشكل بمجملها تيارا مسرحيا جديدا في لبنان ، تيارا لا يشبه على الأقل التيارات الدينية والسياسية التي سرعان ما تطبع الآخرين بطابعها .

حينما يلتقي الكبار أمثال أنطوان كرباج ورفيق علي أحمد وروجيه عساف وسميرة البارودي وبول شاؤول تراهم يتحدثون عن علاقتهم بالمسرح والحياة ولا يعجبون بما يثار اليوم في المشهد المسرحي اللبناني ناسبين أي تقصير فيه للمؤسسات الرسمية التي لا يهمها إن انتعش المسرح أم لا فهذا آخر همهم حسب تعبير روجيه عساف في إحدى لقاءاته الصحافية .

أنطوان يتذكر أيام زمان بكل حب وسميرة البارودي تقول لا حول ولا قوة ورفيق يرى في الآفاق شعاعا من ضوء ولكن تبدو الغيوم التي ترخي بظلالها فوق هذا المشهد الذي يشبه الحياة ببيروت ، ومن بيروت يلتقي «الحواس الخمس» ببعض الكبار والرواد المسرحيين الذين يحكون بأسى واقعا مسرحيا يحتاج للكثير من التشجيع والحب والنقود كي يكتب له ولادة جديدة .

التقينا دينا وشذى وسليم من خريجي قسم المسرح في الجامعة اللبنانية ، والقسم فيها أحد اقدم الكليات المسرحية في المنطقة العربية وهذا ما يزيد من كآبة الشباب والكبار في آن معا، معظمهم، معظم الشباب اتجه صوب الصحافة لأنهم لم يجدوا فرصا مسرحية تنعش آمالهم وأحلامهم بأن يكون هناك متسع من الفرص لتنفيذ ما يحلمون به .. تصمت دينا لتقول كنا نتوقع أن يكون هناك مجال نعمل فيه بالمسرح ولكن يبدو أن الحياة لم تترك لنا ما نقوم به والمسرح تحول إلى اسم فقط في لبنان لا يوجد هناك أعمال مسرحية لافتة والذين يعملون بالمسرح في لبنان منذ عشرين عاما وأكثر هم أنفسهم والموجة الجديدة سلكت طرقا أخرى ومن يجد تمويلا لعرض ما فهو محظوظ للغاية ، الأمر ذاته تؤكده صديقتها رشا التي اكتفت بكتابة بعض التقارير المسرحية في إحدى المطبوعات اللبنانية على مبدأ «فشة الخلق» لا أكثر ولا أقل وفي كل الحالات ثمة ما يلفت النظر إلى رغبات بإنجاز شيء ما للمستقبل القريب وهؤلاء الشباب الذين تتشابه أقوالهم وربما أفعالهم يحلمون بالعمل ، بالمسرح بالإخراج والتمثيل والدراماتورغيا ومنهم من أراد أن يقوم بتركيب ديكور وإضاءة وخلاف هذا ولكن لا حول ولاقوة ، يبحثون عن أي شيء يعيد إليهم بعضا من الفائدة التي قضوها في دراسة المسرح أربع سنوات دراسة أكاديمية .

تضحية ولكن ..

يدرك الفنان المسرحي رفيق علي أحمد أن هذا الجيل لديه فرص ولكنها لن تأتيه على طبق من ذهب ، فكل شيء في الحياة يستحق التضحية فكيف إذا كان الأمر مرهونا بالمسرح والفرص تحتاج إلى من يبحث عنها ، لافتا إلى أنه مع جيله لم يحصلوا على ما يريدون ببساطة لقد واجهوا ظروفا صعبة في المسرح قبل أن ينتشروا ويحققوا نجاحات ما ، ملمحا الى أن الوضع المالي الآن أفضل والناس صارت تدفع لحضور المسرح حتى لو كان مسرحا تجاريا وأيام زمان كان هذا الأمر أضعف مما هو الآن ، مشيرا الى أن لوزارة الثقافة دور حيوي وفعال في تنشيط العمل المسرحي ودعمه ماليا ، إذ أن المسرح لن يكتب له الاستمرار في ظل ظروف مادية غير موضوعية وتوفر المال يجعل للعمل بالمسرح جدوى ، اذ من غير المعقول أو المقبول ألا يكون هناك مردود مادي للعمل في المسرح .

الرائد المسرحي اللبناني القدير انطوان ملتقى حض الشباب على عدم الاستسلام ، فدائما حسب تعبيره هناك مشكلات تواجه الشباب ودائما كانت العوامل مهيئة لإبعادهم عن الساحة ولكن عليهم ألا يستسلموا .

ويعتقد الفنان الكبير أنطوان كرباج أن الجهود التي تبذل للارتقاء بالمسرح اللبناني منذ نحو عشر سنوات وحتى الآن هي جهود متواضعة ولا ترقى لمستوى الطموحات ، التلفزيون يحقق قفزات كبيرة في موضوعات برامجية ومنوعاتية ولكن المسرح لا يحقق قفزات مماثلة على الرغم من أن المسرح يحمل الكثير من بذور التغيير والمسرح اللبناني بكل الأحوال كان له حضور واسع في السابق ، أما الآن فهو ليس كذلك والأسباب تتعلق بالجانب المادي بالدرجة الأولى ، ناهيك عن غياب دور الأكاديميات بشكل مباشر ومعظم الخريجين يذهبون باتجاه الإعلام وليس الفن اي صوب التلفزيون وما يحدث للمسرح في لبنان حرام . .

خطى بطيئة

الأمر ذاته تؤكده الفنانة شادية زيتون التي تشير إلى أن المسرح في لبنان يمشي بخطى بطيئة صوب المستقبل وينقصه فعليا الكثير من الدعم المادي والمعنوي بحيث يتاح له ان يخرج من عنق الزجاجة ويطير باتجاه الفضاء ، وترى الخبيرة في مجال السينوغرافيا شادية زيتون ان التمسك بمبدأ المسرح التجاري قد غيب فعالية الشباب وخبراتهم التي اكتسبوها من الدراسة الأكاديمية متمنية حقيقة أن يكون هناك دعم ما للمسرح اللبناني من قبل القطاع الخاص بالدرجة الأولى إذ أن الدولة لا تستطيع أن تقوم بدعم الحركات المسرحية الشابة لأسباب يطول شرحها ، ولكن هذا لا يعفيها من خلال وزارة الثقافة أن تضطلع بدور ما في العملية المسرحية الشبابية ذات الصلة بالمسرح اللبناني بشكل مباشر .

وبدوره يرى الكاتب والمخرج المسرحي القدير ريمون جبارة أن الخريجين الشبّان ويعني خريجي الجامعات هم الأمل لمسرح الغد. ويعتقد جبارة أن ما يحصل للمسرح اللبناني وكأنه تصفية حسابات مع الوعي والنضج والاحساس بالمسؤولية والانسانية ولعل هناك الكثير من التفاصيل التي لها علاقة بعدم الوعي هي السائدة الآن بين أوساط بعض العالقين بالمسرح منبها ان حركة الجيل الواعي قادرة بشكل او بآخر على دعم العملية المسرحية في لبنان .ويؤكد جبارة أن غياب المشاهد الجاد والواعي أثر سلبا على حركة المسرح اللبناني بشكل او بآخر قائلا أنه كان الحزبيون وأساتذة الجامعات هم جمهور المسرح، أما اليوم، ويا وللأسف، لم تبق هناك جامعات ولا أحزاب، فالطبيب مثلا الذي يتقاضى يوميا 20 الف دولار... ما إلو خلق يحضر مسرح .

مراهنة على المستقبل

الأستاذ الجامعي والمخرج والكاتب جان داوود فيعتقد كثيرا أن المراهنة على الجيل الحالي في المسرح اللبناني هي مراهنة على المستقبل بحال من الأحوال ولا بد أن ينتصر الشباب في معركتهم لإثبات وجودهم ، مشيرا الى أن الشباب عليهم أن يتحلوا بالصبر ، فالفرص الإبداعية ستأتيهم عاجلا أم آجلا ، ولفت داوود الى أن المسرح اللبناني في ظل تراجع العملية المسرحية الجادة فيه قد خسر الكثير مما يمكن أن يسميه المرء الجيل الطموح والخريج الحديث من الجامعة المسرحية أو الأكاديمية العليا المختصة بالمسرح وبالتالي هو خسر الآفاق الحقيقية في التغيير والتي تعتبر أمرا طبيعيا في المسرح ، اذ ان التغيير هو سنة الكون ولا بد من هذا التغيير من أجل الحفاظ على جوهر المسرح ، مشيرا الى ان في لبنان جيلا واحدا عاملا في المسرح الآن عدم وجود أجيال يهدد الوضع العام للمسرح اللبناني .

للفنانة الشابة جوليا قصار رأي مختلف فيما يخص حضور الشباب في المشهد المسرحي اللبناني ، اذ ان من واجب المخضرمين ان يدافعوا عن حضور الشباب في المشهد المسرحي اللبناني ودعمهم وتشجيعهم بكل السبل والامكانيات المتاحة وبأن جزءا من عزلة الشباب وغيابهم عن الساحة العملية مرده بشكل او بآخر لغياب الدعم المعنوي لجيل الشباب الذين يعول عليهم أن يقوموا بدور المحرض على تقديم أفكار وخيالات مسرحية وفنية جديدة .

ولا يخفي الرحابنة صناع المواهب والنجوم

للمسرح الغنائي اللبناني علاقات أخرى مع أنماط من الفنون مستوحاة من الثقافة الشعبية اللبنانية ،ساعدت في نشأته وتطوره وعندما بدأ ينتشر المسرح في لبنان ومصر وسوريا كان لا بد له أن يستعين بالموسيقى والغناء . ولدينا نماذج على ذلك: مسرحيات النقاش، وأبو خليل القباني، وسلامة حجازي، وسيد درويش ، وغيرهم

وترتبط الثقافة الشعبية ارتباطا وثيقاً بالتراث الذي يتناقل اجتماعياً ويصمد مع الزمن عبر المناقلة الشفاهية والرواية والحكاية الشعبية.

البداية الرحبانية المسرحية كانت بالاسكيتش في عام (1949) عندما التقى الأخوين رحباني مع صبري الشريف ، فقدما السكتش الإذاعي الأول »بارود هربوا« وفيه برزت شخصية (سبع ومّخول وأبو فارس) وغيرهم ،وقد ظهرت هذه الشخصيات فيما بعد بالكثير من الأعمال الرحبانية , ومن ثم أنتجوا برامجاً أخرى كـ (حلوة وفيلا وأنتوبيل ) و(مسرح الضيعة ) و(براد الجمعية) وغيرها. أنتج الرحابنة (عاصي ومنصور ومعهم فيروز ) خمس وعشرون مسرحية غنائية استعراضية شكلت منعطفاً هاماً في تاريخ وواقع المسرح الغنائي اللبناني وربما العربي . ومن أشهر هذه المسرحيات :(بياع الخواتم ،بترا، صح النوم ،المحطة، الشخص ،يعيش يعيش ، لولو ، ميس الريم ، الليل والقنديل ، أيام فخر الدين ،وغيرها.) ويمكن للمتابع لأعمال الرحابنة تصنيف هذه الأعمال من حيث الانتماء البيئي والموضوع واللافت في هذا السياق أن الرحابنة كانوا يعتمدون اعتمادا كليا على الوجوه الشابة وكانوا يدفعون لهم مبالغ جيدة ، ويعتبر الرحابنة صناع حقيقيون للمواهب الشابة والنجوم في المشهد المسرحي اللبناني الذي لا ينسى حضورهم وتأثيرهم على الساحة المسرحية في لبنان ، الرحابنة صناع حقيقيون للمواهب في لبنان .