هل هناك من يدعم سعر تذكرة المسرح في الإمارات، وهل هناك شباك تذاكر يغري النجوم بالاستمرار في تقديم العروض المسرحية..؟ سؤال لا بد منه في مشوار البحث عن صيغة مسرح حقيقي تدعم ما حققته الحركة المسرحية في الإمارات لجهة التحضير لاستحقاقات مقبلة ، ودائما حينما يذكر موضوع شباك التذاكر تقفز معه إشارات تعكس استياء صاحبها من هذا الموضوع، وعلى العموم التذاكر وشباك التذاكر موضوع لا يستطيع المرء الخوض فيه دون أن يخوض في مشكلة التعاطي مع الشأن المسرحي من قبل عشاق المسرح أصلا، وعلى الرغم من قلة المتابعين للنشاط المسرحي المحلي، إلا أن هذا لا يعني ألا يكون هناك ثمن للدخول، ولو بسعر زهيد، فهذا أضعف الإيمان، ودليل على أن الدخول للمسرح ليس سياحيا ولا مجانيا، بل هو ببدل مادي ولو كان بسيطا، وثمة من يقول إن المسرح أساسا يحتاج إلى الدعم وإلى أن يتم الترويج له بشكل أو بآخر، وبالتالي فإن الدخول المجاني هو الإجراء الأكثر نجاحا لجعل الناس تحب المسرح وتقبل عليه بحيث يكون ميدانا للعائلة العربية، ولن يؤثر ثمن التذكرة في تعاطي الناس مع المسرح، بل على العكس، عندما يكون مجانا ولجميع الأعمار سيتيح المجال أمام حضور حاشد للمسرح ..وبين هذين الرأيين ثمة الكثير مما يمكن الخوض فيه في هذا السياق، من قبل العاملين في هذه المهنة مخرجين وممثلين وكتابا .

لم يعرف المسرح الرسمي في الإمارات حلا لموضوع تذكرة الدخول إلى العروض المسرحية التي تقدم عادة تحت عنوان «المسرح الجاد»، ولم يكن بالإمكان على ما يبدو فرض أسعار تذاكر على المسارح الجادة خشية أن يكون هناك عزوف من الناس عن مشاهدة العروض المسرحية، وبالمقابل فإن الكثير من العروض التي تقدم في المهرجانات المسرحية التي تقام في الإمارات مثل مهرجان الإمارات لمسرح الطفل أو مهرجان دبي لمسرح الشباب أو أيام الشارقة المسرحية الاحترافية أو مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، كلها على الإطلاق تقدم لجمهور حر، دون أن يكون هناك أدنى تحمل من قبل المشاهد لدفع سعر البطاقة المسرحية التي تعتبر جواز مرور للحضور ، ورمز من رموز التواصل بين المشهد والمسرح، وهكذا قد لا يجد المرء نفسه مضطرا للدفع من أجل العبور، بل الحضور مجاني وللجميع، وثمة رأي طريف لأحد الفنانين المسرحيين يقول إن حضور العروض المسرحية بات ضعيفا في السنوات الماضية، وهذا ليست له علاقة بسعر البطاقة، لأن العروض مجانية أصلا، بل لأن الطعام الذي يقدم عقب العروض ما عاد يلبي طموحات المشاهدين، فهم يحبون المناسف، وليس العصائر والسندويشات..!

وعلى الرغم من طرافة هذا الكلام، إلا أنه يعتبر حقيقة في نسبة حضور الفعاليات المسرحية والتعود على عدم دفع ثمن تذكرة دخول للمسرح أسوة بما يحدث في السينما. وهذا العام على سبيل المثال قدم المنتج الفنان أحمد الجسمي تجربة مسرحية «عجيب غريب» والمأخوذة أصلا عن مسلسل تلفزيوني ناجح يحمل الاسم نفسه من تأليف جمال سالم ، وقد نجح الجسمي في استقطاب الجمهور المسرحي بحيث استطاع أن يعيد لشباك التذاكر مجده وحضوره أيام زمان، والغريب العجيب أن سعر التذكرة وصل لغاية 500 درهم، والإقبال كان واضحا على هذا العرض في معظم المناطق التي عرضت فيها المسرحية في الإمارات، معيدا مجد المسرح التجاري لخشبة المسرح الإماراتي.

وأكد الجسمي في حديثه مع «الحواس الخمس» أن جمهور المسرح التجاري يختلف عن جمهور المسرح الجاد، وعلى كل الأحوال المسرح يحتاج للدعم والمشاهدة، وهو يؤمن أن سعر التذكرة يجب أن يكون حاضرا في كل المسارح، فهي تعطي الارتياح بالنسبة للممثل وللعاملين في المسرح أساسا بأن جهدهم لم يضع سدى، وهم قادرون على إيجاد عائد مادي بشكل أو آخر، ولعل المسرح قد لا يتاح له أن يتطور في حال لم يتح للعاملين فيه الشعور بالجدوى، ولأجل هذا دعم المسرح الرسمي والجاد بتذكرة ولو كانت زهيدة أمر وارد، كما يحدث عادة في بعض الدول العربية، إذ إن دخول المسرح يحتاج إلى دعم مادي ولو بسيط ، وعن تجربة عجيب غريب يشير الجسمي أن هذا نوع خاص من المسرح هو مسرح هادف واجتماعي يقوم على الكوميديا وإسعاد الناس، وهو على العكس من المسارح الجادة، ولأجل هذا نجد أن الناس تتشوق لرؤيته ومشاهدته والضحك والفرح، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لذا كان ثمة قرار أن تكون تجربة «عجيب غريب» المسرحية امتدادا للتجربة التلفزيونية، ولله الحمد نجحنا في هذا الأمر، ولايزال «عجيب غريب» يتلقى الدعوات للمشاركة في أرجاء الإمارات بنجاح شديد. ويأمل الجسمي أن تتكرر هذه التجارب لأنها تشكل دعما للممثل الإماراتي وللمسرح المحلي بشكل عام .

وبدوره يؤكد الفنان مرعي الحليان أن سعر التذكرة هو أول شكل من أشكال احترام المشاهد للمسرح الذي يقبل على مشاهدة أحداثه ومتابعة أبطاله ونجومه المفضلين، وبالمقابل ليس مطلوبا من المسرح الجاد أو الملتزم تقديم عروض مجانية، بل يجب أن تكون بأجر ولو بسيط، المهم ألا تكون مجانية بالكامل، وأعتقد بأن هذا الموضوع سيؤتي ثماره بالمستقبل، وأدعي أن كل العروض التي قدمناها لمسرح الطفل من خلال المسرح الحديث كانت مثمرة، وكانت البطاقات تباع بالكامل وعلى مدار عدة أيام ، لقد أظهرت هذه العروض أن سعر التذكرة ليس بالأمر الصعب، وهو أمر يمكن الرهان عليه بالنسبة للمشاهد الإماراتي في العروض التجارية أو الكوميدية ان جاز التعبير. وأشار الحليان إلى أن المسرح الجاد سيصل إلى سعر عادل للتذكرة في حال اقتنع القائمون على تلك المسارح بضرورة وجود سعر تذكرة مع كل عرض مسرحي.

المخرج الفنان حسن رجب الذي كان أحد أبرز المخرجين الذين جذبوا الناس إلى عروضه بالمسرح التجاري، أكد أن سعر التذكرة أمر لا بد منه في المسرح، ولكن في ظل مسرحيات تقدم بالمناسبات ولجمهور معروف فإن سعر التذكرة كمن يفرض ضريبة على المهتمين والعاملين بالمسرح لدخول المسرح، لأن هؤلاء هم جمهور المهرجانات الحقيقية بالإمارات، وبالتالي لن يكون هذا الحل مجديا، المهم هو تعويد الناس على حضور مسرحيات خاصة ومتميزة، وتحوز صفة الإبداع، وقبل البحث عن الجمهور وسعر التذكرة يجب البحث عن عروض يقبل عليها الجمهور، والمسارح الجادة لا يمكن مقارنتها بالمسارح الكوميدية أو التجارية، بل على العكس، علينا البحث عن نبض الجمهور في العروض التي تقدم على خشبات المسارح قبل البحث عن سعر التذكرة .

رسميا يرى الكاتب جمال سالم عضو مجلس إدارة جمعية المسرحيين في الإمارات أن سعر التذكرة هو إحساس بالجدوى من قبل الطرفين المبدع والجمهور، وبغير هذا الاحترام لا يمكن للعملية المسرحية أن تستقيم، وفي النهاية تعتبر الإمارات الأميز عربيا في هذا السياق، حيث لا يوجد سعر لتذكرة الدخول للمسرح، وهذا نادرا ما يحدث في المنطقة العربية، أظن بأن المسرح حينما يؤهل نجوما للعمل فيه أو حينما يكون صانعا للنجوم فإن المشاهد سيتابع هؤلاء النجوم، وسيحرص على أن يدفع لهم ثمن تذكرة، وما يحدث مع بعض المسارح التجارية يحصل مع المسارح الجادة، ويصبح الأمر مفتوحا على فضاءات إبداعية وإنسانية وفنية جديدة، ولكن الأمر عموما يحتاج إلى الوقت وإلى الرهان على هذا الأمر والإيمان بأنه سيغير من الخارطة المسرحية المحلية، وهذا يتزامن بالطبع مع تقديم أعمال جادة وتحترم ذائقة المشاهد بالدرجة الأولى، وإلا فلا داع لسعر التذكرة.