جددت قضية مقتل مخرج الفيديو كليب اللبناني يحيى سعادة صعقاً بالكهرباء، أثناء معاينته لموقع تصوير داخل إحدى محطات القطارات بتركيا، الحديث عن حق الفنانين في الدول العربية في وجود غطاء تأميني يتناسب مع ما يتعرضون له من مخاطر بسبب طبيعة عملهم، كما أعادت تلك القضية للأذهان أمثلة كثيرة وقعت لبعض الفنانين، خاصة الممثلين الذي يتعرضون لإصابات جراء القيام بأدوار تتطلب حركات صعبة أو في أجواء داخل البحر مثلاً وغيرها.. «الحواس الخمس» ناقش القضية مع فنانين ومخرجين ونقاد، والتفاصيل في السطور التالية..

 

حادث وفاة المخرج يحيى سعادة استوقفنا للحظات لعرض بعض المشكلات الناتجة عن إصابات الفنانين مثل جمال سليمان الذي تعرض لكسر في ظهره أثناء تصوير مسلسل «ربيع قرطبة»، ومي عز الدين التي كادت تتعرض للغرق في مشهد من مسلسل «مش ألف ليلة وليلة» لولا تدخل العاملين وإنقاذها، وسولاف فواخرجي أثناء مسلسل «كليوباترا» عندما تعثرت فأصيبت بتمزق في الأربطة، ومحمد الشقنقيري الذي أصيب بجروح في أنحاء متفرقة من جسده عندما كان يؤدي مشهداً يلقي فيه بنفسه وسط حريق، والفنانة غادة عبدالرازق التي أصيبت بالتواء في قدمها أثناء تصوير فيلم «بون سواريه» وغيرها من الإصابات التي شهدها الوسط الفني العربي.

ويعد الفنان أحمد السقا من أكثر الفنانين الذين تعرضوا للإصابة خلال التصوير، نظراً لرفض السقا الدائم التعامل مع الدوبلير في المشاهد الخطرة، حيث أصيب في فيلم «تيمور وشفيقة» باشتعال النيران بملابسه ونجح بمساعدة طاقم العمل في التخلص من هذه الملابس قبل أن تصل النار إلى جسده، وفي فيلم «الجزيرة» أصيب في عينه بشظايا من مسدس فشنك، كما أصيب بالتهاب في الحبال الصوتية وكذلك أصيب في ساقه إثر اصطدامه بباب حديدي في فيلم «ابن القنصل» ومن قبلها أصيب بقطع في الرباط الصليبي في أحد مشاهد فيلم «مافيا».

 

ظروف صعبة

ومع ذلك جدد السقا رفضه التعامل مع الدوبلير لأسباب كثيرة، منها رغبته في معايشة الدور جيداً، وقال «أنا لديّ لياقة بدنية تسمح لي بتنفيذ الدور كاملاً وهذا يجعلني متفاعلاً وكذلك أُفضل أن أؤدي دوري بدون مساعدة أو تدخل»، وأضاف تعليقاً على حادث المخرج اللبناني يحيى سعادة «بالنسبة لهذه المخاطر التي يتعرض لها الفنانون يفترض أن تتوفر لهم وللعاملين في المجال الفني كل وسائل الأمان من أجهزة حديثة ومعدات مناسبة، وأيضاً على النقابات القيام بواجباتها تجاه هؤلاء البشر؛ لأن الواحد منهم عندما يتعرض لإصابة تؤدي إلى حد العجز الكامل يتعرض لظروف صعبة، والفنان بطبعه حساس يرفض التسول أو أن يطلب من جهة دعمه أو استكمال علاجه، ولكن التأمين من الحكومات ومن المنتجين والنقابات ضمان لأي فنان بأن يختم حياته الفنية وهو مطمئن على مستقبل أولاده».

هذا ما دعا المخرج الكبير نادر جلال إلى المطالبة بالتأمين على حياة الممثلين وطالب الدولة بتحمل مسؤولياتها، وقال «هذا يتطلب أيضاً أن تقوم النقابات الفنية بإعداد كشوف وقوائم للعاملين والفنانين في هذا المجال للمطالبة بالتأمين عليهم من قبل المنتجين»، وأشار جلال إلى أن بعض الفنانين تعرضوا لإصابات أو أمراض وفارقوا الحياة دون أن يجدوا السند والعون لغياب التأمين، ولذلك لابد من الاهتمام بالفنان الذي يعد ثروة قومية.

 

مخاطر لا بد منها

وعلق المخرج سعيد حامد على وضع الفنان، مؤكداً المخاطر التي يتعرض لها الفنانون والعاملون في هذا المجال، وقال إن هذا يتطلب وقفة مهمة باعتبارها قضية يجب النظر إليها بموضوعية واهتمام كبير؛ لأنها مخاطر لا بد منها، وعليه يجب أولاً أن توفر الدول العربية الحماية للإنسان الفنان أو العاملين في المجال عن طريق توفير وسائل الحماية مثلما يحدث في الخارج؛ لأننا في أغلب الأحيان نجد الأجهزة والأدوات التي نستخدمها لا تتوافر فيها وسائل الحماية الكافية في ظل عدم وجود تأمين أو تعويضات يمكن أن توفر قدراً من الأمان في نفس الفنان.

 

التأمين على الفنانين

بينما ناشد الفنان شريف منير الفنانين القيام بواجباتهم نحو أنفسهم وعدم انتظار جهة لحل مشكلات الإصابات والأمراض التي يتعرضون لها أثناء عملهم، وأن يقوموا بالتأمين على أنفسهم تأميناً شاملاً على الحياة، وقال منير إن الفنان بالفعل يتعرض لمشكلات كثيرة في حياته الفنية نتيجة للضغوط العصبية التي قد تؤثر على صحته مستقبلاً، وكذلك الفنان يتعرض لإشعاعات أثناء التصوير وإصابات أثناء أداء المشاهد، ولدينا كثير من الأسماء التي تعرضت لإصابات أو أمراض منهم من قضى نحبه ومنهم من جلس في منزله ينتظر الرحمة، وآخرون ساعدتهم بعض الظروف لتجاوز محنتهم؛ ولهذا أناشد كل فنان أن يؤمّن نفسه بنفسه، وإذا قامت الدولة أو المنتجون بهذا الدور فهذا أمر حسن، وإذا لم يفعلوا فليس بالضرورة انتظارهم.

وقالت الفنانة سلاف فواخرجي: للأسف نحن نتعرض لمخاطر كثيرة، وقد حدث بالفعل لي حادث أثناء تصويري مسلسل «كليوباترا» عندما تعثرت قدمي، ولكن الله سلَّم، وكانت الإصابة تمزقاً في أربطة القدم فقط، ولذلك أعتقد أن على المنتج التأمين على الفنان والعاملين في العمل خلال فترة التصوير؛ حتى لا يتعرض الفنان لإصابة يمكن أن تبعده عن العمل فيفقد فرصته ويضيع أجره، خاصة أن الفنان يحتاج في حالة الإصابة إلى مصاريف العلاج وربما السفر إلى الخارج، وكل ذلك يجعله متوقفاً عن العمل فترة طويلة.

 

أمراض نفسية وعصبية

على الصعيد ذاته، قادنا د. محمد المهدي استشاري الأمراض النفسية والعصبية إلى منطقة أخرى، موضحاً أن أخطر ما يتعرض له الفنان غير الإصابات الضغوط النفسية والعصبية، خاصة أن بعض الفنانين كل تفكيرهم منحصر في إبراز مواهبهم وإمكانياتهم الفنية أو أداء أعمال كثيرة في أوقات متقاربة عبر ساعات عمل كثيرة تفوق المعدل المطلوب الذي يفترض ألا يتعدى ثماني ساعات، وكل هذه العوامل تؤدي لآثار سلبية في حياتهم الصحية قد تجعلهم شخصيات عدوانية، وكثيراً ما يكونوا منفلتين في تصرفاتهم، بالإضافة إلى احتمالات كثيرة لتعرضهم لإجهاد في القلب، وهذه الأمراض كفيلة بأن تعجل برحيل الفنان عن الحياة أو العمل، حيث يتعرض لضغوط شديدة نتيجة الإجهاد وإشعاعات التصوير والحركة المكثفة جداً في أداء المشاهد، ولذلك يحتاج إلى عناية كبيرة واستشارات مستمرة مع متخصصين في مثل هذه الأمراض.

 

الفنان مظلوم

أما الفنانة نادية الجندي فأكدت أن الفنان مظلوم رغم أن أغلب الناس تنظر لعمل الفنان وكأنه عمل ناعم يصنع نجومية ناعمة ومرفهة، ولكن في حقيقة الأمر نحن نعاني جداً، وأحياناً ما نتلقاه من أجور لا يكفي لحل مشكلة من مشكلات التمثيل التي تتلخص في الإصابات والتداعيات الأخرى، فيجب على الدولة أن تعيد تقييم الأمر؛ لأن الفنان يمثل ضمير الشعب وصاحب رسالة مهمة تجاه المجتمع، فكيف يموت الفنان وهو لا يملك أي شيء! فكثيرون تعرضوا للمرض أو الإصابة وانتهت حياتهم المهنية بالانزواء خلف الأضواء، ولا أحد يسأل عنهم، ولا يمكن حل هذه المشكلات إلا بتدخل الدولة والنقابات الفنية للتأمين على حياة الفنانين وتخصيص معاشات شهرية لهم بعد تقاعدهم.

 

تجاهل وانزواء

إلى هنا تؤكد د. عزة كريم أستاذ علم الاجتماع أن الفنان هو نجم وقدوة في نظر الجماهير من الصعب أن يتحمل التجاهل من الدولة أو زملائه أو من المجتمع إذا كان مريضاً أو مصاباً، خاصة بعد انحسار الأضواء عنه وفقده كل ما كان يتمتع به من اهتمام وهتاف وتصفيق، وهذا في أغلب الأحيان يقود الفنان إلى الاكتئاب ثم العزلة حتى مغادرة الدنيا. وقالت إن الفنان بعد اعتزاله الفن نتيجة الإصابة تتجاهله الصحافة باعتباره ليس لديه جديد يقدمه أو تصريح صحافي تجد من خلاله معلومة، فحتى أقرب أصدقائه من الوسط الفني لا يزورونه بحجة انشغالهم، والجمهور لا يحييه بنفس التحية التي كان يجدها خلال عمله، فيصبح العامل الاجتماعي أيضاً عاملاً مهماً من خلال التواصل مع هؤلاء بالاتصالات والزيارات والدعوات وغيرها، وكذلك على الدولة أن ترعى هؤلاء عند الكبر أو المرض وتوفر لهم ما يعينهم على قضاء باقي حياتهم في أمان، وهم أنفسهم عليهم التحرك المحدود في الكتابة للصحف وإبداء الآراء حول الأعمال المطروحة حسب خبرتهم والمشاركات الاجتماعية عامة، وكل هذه العوامل لا بد منها، خاصة أن الفنانين يعملون بدون تأمين أو اهتمام رسمي يضمن لهم حياة كريمة.