حين كانت الأرض تبسط ذراعيها للناس فيفترشون كرمها ويكتفون بظل عريش من السعف أو بيت صخري يختبئ في حضن جبل لم يكن للطب باختصاصاته وأدويته وأجهزته المتطورة حضور في حياتهم، فليس هناك طبيب بالمعنى الذي نعرفه الآن.

ولم يستعينوا بصيدلية أو أدوية، الا ما يوفره العطار أو تقدمه الأرض من أعشاب ونباتات، وقد كانت البساطة تكتنف حياتهم، فللأمراض علاجات تعلموها بالخبرة وتجارب السابقين.

لذا حين يعود الحديث إلى طبيب الماضي وكيفية التغلب على الأمراض يذكر كبار السن أن الحياة كانت بسيطة والأمراض كانت تعالج بالأعشاب أو الوسم، والدعاء هو الأساس؛ فالله سبحانه وتعالى هو الشافي، والعلاج بالأعشاب الطبيعية هو جزء من المعتقدات الشعبية.

وهو يتميز عن بقية المعتقدات بارتباطه بالصحة والمرض، ويتعامل به الكثيرون حتى الآن لمواجهة مشكلاتهم الصحية في ضوء الخبرات والتجارب العديدة المستمدة من البيئة. مر الطب في الإمارات بمراحل عديدة من طب تقليدي قديم إلى طب إسلامي، والذي ضم خبرات وتجارب الأطباء المسلمين من عرب وعجم، ثم ظهور الطب التقليدي أيضا الذي اختلطت به الكثير من التجارب الجاهلية مثل الزار والسحر والحروز.

كما أن هناك أيدي خبيرة قد احترفت مهنة الطب الشعبي في الإمارات وعلاج كثير من الأمراض، واعتاد عليها الجميع في السابق كما كـان للمرأة دور كبير في هذا المجال فعولجت الكسور و الجروح والقروح والأمراض بشتى أنواعها ، وخصوصا اللصة المعروفة بداء السرطان، بالأعشاب.

وبالكي في مواضع من جسد الإنسان والحيوان وكان العلاج ناجحاً وعجيباً غريباً. وهناك اساليب من العلاج ساد مجتمع الإمارات ولا تزال هذه الأساليب إلى اليوم محتفظة بخصائصها ومميزاتها.

كالفصد والحجامة والختان وتجبير الكسور والعلاج بالرقي والتعاويذ، وتشير إلى أن البيئة المحلية لها تأثيرها الكبير على أساليب الطب الشعبي ومواده فالسدر والرمث والأشخر والتمر واللبن وغيرها، جميعها أدوية شعبية يعرف الطبيب الشعبي فوائدها والحالات المرضية التي تفيد فيها.

 

القائمون بالطب الشعبي

القائمون بالعلاج الشعبي في الإمارات هم المطببون، أي الذين كانوا يمارسون مهنة الطب بالوراثة، والخبرة والمعرفة والتجربة الذاتية، والمطبب هو المعالج الذي يستخدم طريقة معينة يمارسها وتصبح مهنته ومصدر رزقه في بعض الأحيان.

والأطباء الشعبيون في الإمارات هم الممارسون لفنـون الطب التقليدي، وهناك فرق بين طبيب المدينة وطبيب القرية، والطبيب في البادية عن الطبيب في القرى الجبلية. ويمكن ملاحظة الاختلاف بين هؤلاء في مصادر الثقافة الطبية الشعبية، ومستوى التفكير والمعرفة في كل مجتمع من المجتمعات الإماراتية القديمة.

وهذا الاختلاف في درجة الخبرة والإلمام بالأساليب والطرق العلاجية يرجع إلى التكوين التاريخي والبيئي لكل نمط من الأنماط السكانية المختلفة في مجتمع الإمارات القديم. وكذلك يرجع إلى نوعية التخصص العلاجي الشعبي.

فمثلاً يلاحظ أن العلاج بالكي أكثر انتشاراً في المجتمعات القروية البعيدة عن مجتمع المدينة؛ فهناك رجال في القرى تتوافر لديهم خبرة واسعة في الكي، لذا عندما يوصف الكي لمريض ينصحونه بأن يذهب إلى (كواي) متخصص في قرى الجبال عند (البداة)، أو يقولون له اذهب إلى البادية. وهناك أيضاً وصفات علاجية يمارسها أطباء البادية أكثر من أطباء المدينة، لذا فإنهم ماهرون فيها أكثر من سـواهم .