صناعة الأفلام تحت مظلة الإنتاج السينمائي المشترك جميلة ومفيدة في الوقت نفسه، لأن هذه النوعية من الأعمال يتوافر فيها فرصة الاطلاع على مواهب وأفكار وآراء الجانب المشترك في ذلك العمل وإقامة علاقات طيبة ومثمرة مع الفنانين الآخرين، خصوصا إذا كان مخرجه أجنبيا فيضمن لهذا العمل الانتشار الواسع لأنه يعرض في أكثر من بلد سواء أكان عربيا أم أجنبيا، بخلاف مشاركته في مهرجانات سينمائية تسلط الضوء عليه فنيا وتستعرض قضاياه وأطروحاته.

ومثال على ذلك فيلم «20 سيجارة» للمخرج الإيطالي أورليانو آماديي، عرض في برنامج «ليال عربية» بمهرجان دبي السينمائي، ويتمحور حول عملية تفجير استهدفت عام 2003 مقرا للوحدة الإيطالية في مدينة الناصرية في العراق، ويروي حكاية اورليانو آماديي نفسه، عندما كان في الثامنة والعشرين من العمر، يعيش مع والدته في روما ويذهب إلى العراق للمشاركة في تصوير فيلم وسط الصحراء العراقية، لكنه يجد نفسه بعد ساعات من وصوله وقد بات هدفا لانفجار شاحنة عند الموقع العسكري الإيطالي في الناصرية، ولم ينج أحد إلا هو ويصاب بجروح خطيرة جراء الانفجار، لكنه لا يدخر في فيلمه أيا من تفاصيل إصاباته البالغة، ويقدم دراما قوية قاسية يوثق فيها معاناته في سبيل التعافي، متجنبا في أثناء ذلك السقوط في فخ الجدل السياسي العقيم أو التنديد المبتذل بالحرب مكتفيا بالتركيز على العنصر الإنساني في هذه القصة المريعة والصادمة والمشوقة.

ورغم انه وضع كتابا إثر تلك التجربة يتكلم فيه عن الاعتداء والعاصفة الإعلامية التي أثارها، لكنه يرى أن فيلمه «20 سيجارة» لا يمثل أي موجة جديدة للسينما الإيطالية، هو قريب منها تقنيا وفنيا لكنه يعكس تجربته الشخصية التي ذهب من خلالها إلى العراق بأفكار محدودة فتغيرت حياته بالشكل الكامل.

ويؤكد اورليانو آماديي أنه لا يسير وراء موضة هوليوود في استخدام العراق مسرحا لأحداث أفلامها، لأنه في عمله هذا لا يتحدث عن العراق بل يرصد ما تعرض له داخل أرضها وخرج منه كسيحا يسمع بأذن واحده.

وحول تجربة فيلمه يقول آماديي: خرجت بأشياء كثيرة على الصعيد الفكري والسيكولوجي، حيث صارت أفكاري بعد الحادث مرنة وأكثر تنظيما ومقدرة على استنباط ردود الأفعال، ولأني فقدت في التفجير العديد من الأصدقاء فأصبحت إنسانا غير سعيد لكنني عاطفي أكثر من قبل.

ولا يستغرب آماديي من وجود أعمال سينمائية كثيرة في مهرجانات عربية ودولية تتحدث بلغات مختلفة وتستعرض ما يحدث في العراق من حكايات وقضايا حاليا وتلقي الضوء على هذا الشعب ومعاناته تحت وطأة ما يتعرض له.

ولا يخفي آماديي المصاعب التي تعرض إليها في تمويل هذا الفيلم من هيئة الثقافة بإيطاليا وتلفزيون (الراي)، فيقول: تعتمد الأفلام بشكل عام على الوضع الاقتصادي والسياسي، وإيطاليا تهتم أن يكون هناك مردود مالي للأعمال التي تمولها، ولأن المواضيع التي تتعلق بالشرق الأوسط لا يكون عليها أي إقبال جماهيري، ومثال ذلك عرض في ايطاليا فيلم لبناني يحمل عنوان «لبنان» حصل على جائزة من مهرجان فينسيا لكنه للأسف لم يلق النجاح المتوقع في شباك التذاكر، وأعتبر نفسي محظوظا للحصول على تمويل من هيئة الثقافة الإيطالية قبل تغيرها بأسبوع. طبعا أنا حريص على مشاركة الجمهور في دول مختلفة لتجربتي في العراق، هذا ما يشير إليه آماديي، ويضيف: منذ أربعة شهور وأنا أتنقل بفيلمي «20 سيجارة» في مهرجانات مختلفة حول العالم، ويترك تأثرين على الجمهور الأول عاطفي لأن الناس تخرج منه متأثرة وباكية مما حدث، والثاني سياسي ويختلف الردود حوله حسب توجهات واهتمامات الجمهور السياسية في كل دولة.

«أزهار كركوك» فيلم آخر لفت الأنظار إليه في «دبي السينمائي»، وهو من إنتاج إيطالي سويسري عراقي، وهو ناطق باللغة العربية والكردية والإيطالية مع ترجمة باللغة الإنجليزية، أخرجه الكردي الإيراني فاريبورز كامكاري، من إنتاج فبريزيا فلزيتي وتصوير ماركو كاروسي وموسيقى ماريو ترونكو، أما البطولة فكانت للممثلة الفرنسية المغربية الأصل مرجانه علوي.

قُدِّم الفيلم بعرضه العالمي الأول في الدورة الأخيرة في مهرجان روما السينمائي 2010 وتم عرضه مؤخراً في الدورة السابعة لمهرجان دبي السينمائي الدولي، وقد تزامن بدء عرض الفيلم في الصالات مع صدور الكتاب المقتبس من الشريط.

الفيلم الروائي الإيطالي الكردي يحمل أيضاً رابطاً ثقافياً أعمق يتجلى في نقل الإيقاعات الإيطالية لرائعة شكسبير (روميو وجولييت) إلى العراق في ثمانينات القرن الماضي، حيث تدور أحداثه في كردستان العراق في الثمانينيات، وهي الفترة التي انهمك صدام فيها بشن حملة منظمة لإبادة الشعب الكردي.

في روما، حيث تدرس الطب تتعرف (نجلاء) الفتاة العراقية التي تنتمي إلى أسرة بغدادية غنية ومقربة من الديكتاتور العراقي، على زميل دراستها الكردي الشاب «شيركو» الذي يهوى السياسة، وتولد بين البطلين علاقة حب مفاجئة لكنها غير كافية لمنع الشاب من العودة إلى كركوك لمواجهة القمع الذي يخضع له أبناء بلده، تتحدى نجلاء إرادة عائلتها وعاداتهم حول المفاهيم الذكورية، وتتتبع خطى حبيبها وتمر عبر رحلتها إليه بفظاعة السجن والتعذيب والانتهاكات الجسدية.

قصة الحب هذه أشبه بفسيفساء مفعمة بالشاعرية والألم تجسد الظروف الصعبة التي تعاني منها مدينة كركوك التي تتمتع بأكبر عدد من آبار النفط العراقية ما جعلها موضع نزاع دائم بين العرب والأكراد.

أراد المخرج من خلال أحداث الفيلم إلقاء الضوء على أهمية وجود نساء يتمتعن بالشجاعة في المجتمعات العربية المسلمة، وقال فاريبورز كامكاري في لقائه مع (الحواس الخمس): «لقد عرفت عدداً كبيراً من النساء في العالم الإسلامي يمتلكن قوة التغيير ويكافحن يومياً ضد قوانين اجتماعية قاسية»، وأضاف كامكاري الذي كتب أيضاً السيناريو «يتحدث الفيلم عن امرأة لا تخضع للقوانين المفروضة على النساء العربيات، بل تسعى لتغييرها مضحية بنفسها بدافع الحب، والفيلم حاول إلقاء الضوء على واحدة منها ، فهل نجح في الوصول إلى هدفه؟».

ردود الفعل التي صدرت بعد العرض كانت دافعا للحديث مع صناعه حول تجربة الفيلم وتمويله من إيطاليا وسويسرا وعدد من المحطات التلفزيونية.

يقول كامكاري: اخترت موضوع فيلمي عن الشرق الأوسط، لأنني عشت ونشأت في كردستان وأردت أن أقدم عملا للجمهور العالمي عن بلدي من الداخل، وليس مجرد عن الشرق الأوسط ظاهريا كما يحدث من وجهة نظر المخرجين الغربيين، وهذه المنطقة أصبحت نقطة حوار مهمة آخر سبع سنوات والجمهور العالمي يهتم بمعرفة أشياء أخرى عنها، وأتعرض في عملي لفترة الثمانينات لأنها غير متداولة في كثير من الأعمال التي تتعرض لما حدث في العراق بعد 2003، دون التوقف وتسليط الضوء على الفترة السابقة التي دفعت إلي ما آل إليه الوضع حاليا.

وحول تجربة تمويل الفيلم، قال كامكاري: وجدت صعوبة في الحصول على دعم لأن الهيئات الثقافية الأوربية تحب أن تمول أفلاما تفضل أن تكون بلغات وعلى أرض أوربية، ولأن الفيلم يتحدث بالعربية والكردستاني ومصور كاملا في العراق فلقد واجهت عراقيل كثيرة، ولكونه عمل كلاسيكي بمواصفات عالمية ربما يكون هذا هو الدافع الذي ساعد على أن يلقى ترحيبا مع بعض الجهات.

وتتناول مرجانه علوي التي قامت بأداء دور «نجلاء» في «أزهار كركوك» رحلتها مع الفيلم وعالم التمثيل قائلة: أنا من أصل مغربي وأعيش في فرنسا منذ عشر سنوات، وهذا رابع عمل سينمائي لي حيث شاركت من قبل في فيلم مغربي وفرنسي وألماني وكانت أدواري بها ليست محورية، ومن ثم فإن دور نجلاء مختلف شكلا ومضمونا يتعرض لامرأة قوية تضحي من أجل من تحب، وتعلمت أجل هذا الدور اللهجة العراقية والكردية وعشت في مناطق أحداثه لمدة شهر قبل التصوير، وقصة الحب في هذا العمل قوية وتظهر شجاعة المرأة العربية في المحن وحين تقرر أن تقذف بنفسها في مواجهات شرسة مع عدو لا يرحم لتفتدي حبيبها من المجازر التي يتعرض لها.

أما فبريزيا فلزيتي منتجة «أزهار كركوك» فتعلق قائلة: النقطة المحورية في هذا الفيلم بخلاف التمويل كان التصوير داخل العراق، وكنت أتخيل أننا سنعاني من عراقيل لوجستية في إنتاجه لكن العكس حدث وتم الانتهاء من تنفيذه في الوقت المحدد، وعرض في أكثر من 90 صالة عرض بإيطاليا، ولاقى نجاحا وتجاوبا من الجمهور لأنه يتعامل مع قصة الحب بشكل واضح، ورغم كونه إنتاج مستقل وهي نوعية من الأعمال أصبحت تعاني من إيجاد التمويل بالإضافة أن الرقابة عليها أكثر في بعض الدول، لكننا من خلال شركة توزيع كبيرة في إيطاليا اسمها «مادوسا» استطعنا طرحه بالأسواق والحصول على دعم الصحافة والإعلام في أوروبا للأفلام المستقلة، لأنها تشترط لهذا الدعم المسترد أن يعرض العمل في 8 دول أو أكثر، ويساعد هذا الدعم في الترويج والدعاية للفيلم.