المسرح العربي في وضع قلق ، إنه حقيقة لا يعكس حالة الإبداع التي نشأ عليها أو تلك المطلوب منه أن يصل إليها ، ففي كل مناسبة يذكر أن المسرح العربي ليس بخير وتتكرر الحالة تلك في كل اجتماع يحدث بين الفنانين المسرحيين أنفسهم لدرجة أن لقاءات المسرح الرسمية التي تحدث بين أهل الفن سيتمخض عنها حتما نتائج تثير أن المسرح ليس بخير ، مايعكس صعودا الى الهاوية !

حسن .. طالما أن الأمور تمضي بهذا الاتجاه فلماذا لا يتم إنقاذ المسرح مما يعصف به ، ولماذا لا تكون هناك حلول جذرية للخروج من عنق الزجاجة التي لم يستطع المسرح العربي أن يخرج منها حتى الآن ..؟ أسئلة كثيرة ربما تجد إجابات ما في دراسة أو مقال صحافي، وربما ستظل تدور في فلك لا فرارمنه ، وفي النهاية المسرح العربي يحتاج إلى الكثير من الحب حتى يتاح له أن يتمظهر وأن يكون تعبيرا عن طموحات العرب والعاملين فيه ذلك أن المسرح كان في فترة من الفترات تقريرا اجتماعيا وإنسانيا وسياسيا بالغ الأهمية لحال ما يحدث في الساحة العربية وقد كانت مسرحية «حفل سمر من أجل الخامس من حزيران» و«واقدساه» و«الزير سالم» وأعمال الكتاب الكبار الراحلين نعمان عاشور وميخائيل رومان وممدوح عدوان وسعد الله ونوس كلها أعمال ذات دلالات إبداعية و شاهدة على العصر وتاريخا لمرحلة ، فأين المسرح العربي الآن من كل ما ذكرناه ؟ ، سؤال نطرحه على ضيوف ملف المسرح في هذه العجالة لعلنا نصل إلى إجابات شافية وحلولا مبتكرة .

 

يعترف العاملون في المسرح أن الدعم الذي يطال المسرح العربي بسيط للغاية ولا يرقى إلى طموحات النهوض بمستوى لائق له ، ولعل الوصفات السريعة التي تضعها وزارات الثقافة العربية لا تجد صدى لها لأنها لا تعبر بالضرورة عما يتطلبه حال المسرح الذي يحتاج الى علاجات طويلة الأمر وليس لحقن مهدئات آنية ..! الأمر الذي يجعل المسرح العربي في مشكلات مفتوحة لا حل لها وقد أدى تراجع المسرح إلى تناقص عدد المشاهدين وتراجع اهتمام الجمهور فيه ، ومن بين الآراء الواردة تشير إلى انه على قدر أهل العزم تأتي العزائم والأزمة أصلا من المسرحيين أنفسهم الذين غابوا عن المشهد المسرح واكتوفا بالبقاء في موقع المنظرين .

وفي هذا السياق يقول الكاتب العربي الكبير محفوظ عبد الرحمن : إن المسارح العربية ما عادت تضج بالحب والإبداع كما كانت أيام زمان ، وربما هناك فقدان للحميمية فيها قبل أي شيء آخر وهذا انسحب على الإبداع نفسه وكأن المسرحيون أنفسهم ما عادوا يهتمون بأبي الفنون وكأنه ما عاد يعني لهم الكثير الآن ، ومن هنا سنجد أن المسرح العربي عموما صار حاضرا من أجل المهرجانات فقط إذ ما عاد شيء يغري بالعمل في المسرح والمسرح العربي الذي يفقد يوما بعد يوم رموزه والأسماء الكبيرة التي عملت فيه وقدمت له خلاصة روحها غابت هي الأخرى ، وحتى لا يقال أن هناك حالة من التشاؤم نتابع باهتمام بعض المحاولات التي تجعل المسرح يحقق قفزات وانتعاشات ما سواء في مصر أو تونس او سوريا او في بعض دول الخليج العربي .

ويرى الناقد الدكتور مؤيد حمزة الأستاذ الأكاديمي في الجامعة الأردنية أن المسرح العربي ليس في حال جيدة وأغلب العاملين فيه يشكون عدم الرضا عن الأداء العام له ، فثمة فقر على صعيد النصوص المسرحية بالدرجة الأولى والكتاب الذين يرحلون للأسف لا يوجد من يملأ مكانهم من الشباب ، وهذا يدل على نقص في الخيال وضعف في الإبداع ، والحركات الإخراجية الكثيرة التي نتابعها هنا وهناك ومن خلال المهرجانات تحديدا فيها الكثير من المعدات التقنية والفنية المستوردة أصلا من الخارج ومن أوربا تحديدا لذا نجد أن ثمة زخم في العروض المسرحية ولكنها في النهاية غريبة القلب واللسان والطابع وبالمقابل نجد أن العروض تكثر أحيانا في بلد عربي ما دوت آخر ولكن القطيعة تكبر في الجهة المقابلة مع الناس التي لا تجد نفسها في هذا المسرح بل تجد أشياء مختلفة ليس لها علاقة بها ، ولعل المسرح العربي يحتاج إلى تجذر التسمية والمصطلح العربي قبل أي شيء آخر ويجب ان يخوض المسرحيون العرب في قضاياهم وفي جوهر الأزمات التي يعيشون فيها .

أما الأستاذ الدكتور سامح مهران رئيس أكاديمية الفنون في القاهرة فيؤكد أنه يجب ألا ننظر إلى جميع الدول العربية على أنها حالة متجانسة، فكل دولة لها ظروفها وخاصيتها وبالتالي متغيراتها، صحيح أننا نتشابه في الظروف لكن لا يمكن أن نتطابق في هذه الظروف، وبالتالي يعتقد أن مصر نفسها مرت بتحولات كبيرة جدا على مستوى التعامل مع المسرح ولكن الأزمة تكمن في انعدام الحركة النقدية المواكبة والقادرة على الإضاءة، وبالتالي فإن معظم التجارب المسرحية تظل على الهامش، ويشير أنه نفسه كان جزءا من الهامش الثقافي المسرحي في مصر لسنوات طويلة، وذلك يعود طبعاً إلى موضوع النقد، فالواضح أنه ينبغي على النقد أن يكون سباقا على العملية الإبداعية بأن يمهد الطريق أمام الأشكال الجديدة للإبداع وبالتالي يمهد الطريق أكثر لكيفية تلقيه وهذا ما لا يحدث.. نحن لدينا أزمة نقدية عنيفة، لأن نقاد الصحف مع احترامي لهم ليسوا نقاداً!.

من جهته يعترف المخرج التونسي عز الدين قنون أن المسرح العربي ينقصه الخوض في مغامرات جديدة حتى يحقق جانبا من الإبداع الذي يطال أبو الفنون في كل أنحاء العالم فهو فن لا تجدي معه حالة الثبات أو الوقوف على أفكار ورؤى فنية واحدة بل على العكس هو يحتاج أكثر من من كل الأجناس الأدبية والفنية جميعها إلى التطور والى التعايش مع متطلبات الحياة الجديدة ولا يمكن لمسرح اليوم أن يخاطب الناس والجيل الجديد بمنطق السبعينات أو الثمانينات من القرن الماضي لا على العكس هناك الكثير من المواضيع الفنية والفكرية التي يستلزم على المبدع التقاطها بالصورة والكلمة من أجل إبراز حضور المسرح وأهميته وكل فن لا يخضع للتطور والتجديد هو فن لا يحمل بذرة الابتكار لذا سيظل غريبا عن جسد الواقع والحياة والمسرح العربي الآن لم يستطع أن يخرج فنيا وفكريا من لبوس الماضي والحياة التي أصبحت جزءا من الذاكرة ، المستقبل ينادي المسرح العربي منذ زمن ولا شك أن المستقبل لن ينتظر طويلا قبل أن يمضي ويترك وراءه الكسالى والمنظرين .

وأكد الدكتور حبيب غلوم أن المسرح العربي يعاني بالدرجة الأولى من غياب الدماء الشابة التي تدعمه وتجعل من حضوره ضرورة في المشهد الثقافي العربي ولعل ضعف الإمكانات المادية وعدم قدرة المسرح على اللحاق بركاب التلفزيون ماديا على الأقل قاد العملية المسرحية العربية للتراجع فالفرق شاسعا بين ما يحصل عليه الفنان ذاته في التلفزيون وما يناله في المسرح وفي النهاية لا بد من إيجاد صيغة ما للترغيب للعمل في المسرح ومن المقلق حقا أن تكون هناك مسارح خاوية لا ناس فيها وأن يكون هناك ممثلون عاملون في المسرح عاطلين عن العمل او كتابا يكتبون مسرحياتهم ويركنوها على الرف ، نأمل حقيقة أن تمتد يد العون للمسرح العربي ليس في بلد واحد بل في كل مكان بحيث لا يكون هناك تفاوت بل انتعاش مسرحي يعيد الناس للمسرح .

 

الشارقة تطلق الهيئة العربية للمسرح

قبل ثلاث سنوات أطلق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مبادرة مهمة في عالم المسرح العربي وربما كانت مبادرة هي الأولى من نوعها عالميا بإحداث الهيئة العربية للمسرح والتي تجمع تحت لوائها كل الدول العربية وتقدم دعما ما لكل الحركات المسرحية العربية التي من شأنها تطوير آلية العمل بالمسرح العربي ، وقد أخذت هذه المبادرة على عاتقها إنعاش المسرح العربي وإنعاش المسارح التي ما عادت تنهض بالحركة الفنية والفرية كما كان الحال عليها أيام زمان ، وتم في اجتماعات تأسيسية جرت في الشارقة التعرض لهذا الأمر ووضع الأسس والنظام الداخلي لهذه المبادرة التي أحدثت لها مكاتب إقليمية وأمانة عامة مقرها الشارقة . وبدأ صدى هذه المبادرة بالانتشار عربيا وانتعشت آمال المسرحيين بولادة مهرجان عربي للمسرح يقام كل عام في بلد ما وها هو يعيش بعد أيام قليلة الدورة الثالثة له في بيروت بعد القاهرة وتونس .