يمثل التراث لدى كل الأمم والشعوب الحية حاضنة الهوية، وأحد أهم الأبعاد التي ترتكز عليها الذاكرة الجمعية. والتراث بهذا المعنى يشكل قيمة كبرى ورافعة رئيسة من روافع الحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية الحضارية، ورفدها بكل ما من شأنه أن يسهم في الحفاظ عليها وترسيخها.

 

ولا يعني الاهتمام بالشـأن التراثي بأي حـال من الأحـوال الانكفاء والانغلاق، وعـدم مجـاراة روح العصـر واللحـاق بركـب التقــدم والتطـور، فالأمـم والشعوب تبني حضارتها وتراكم تطورها من خلال المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة وبناء المستقبل على أسس من ثوابت الشخصية الوطنية وبالنسبة للحالة الإماراتية تحديدا، فإن هذه المعاني تحضر بكثافة، فالإمارات التي تنطلق بروح وثابة وخطى ثابتة في مضمار التحديث والتنمية تجابه الكثير من التحديات التي يأتي في صدارتها خلل التركيبة السكانية، وما يتفرع عنه من تحديات تجابه الهوية الوطنية الإماراتية. وما من شك في أن تلك التحديات تستدعي اهتماما متعاظما بشأن التراث الإماراتي وآليات تنشيطه ومستوى حضوره من خلال النشاطات والفعاليات المختلفة؛ حتى تظل الأجيال الإماراتية موصولة بثوابت شخصيتها الحضارية، وتنطلق في بناء نهضتها بعين تبصر الماضي وأخرى ترنو إلى المستقبل.

وتعد المهن والحرف الشعبية القديمة التي مازالت تمارس حتى وقتنا الحاضر أو التي اندثرت، جسراً عظيماً لربط الماضي العريق بالحاضر المشرق، فهي حرف ومهن تجسد أصالة الآباء والأجداد وتذكر بتاريخهم المجيد وبنتاجهم الإبداعي الإنساني الضارب في القدم، والمتمثل في الصناعات اليدوية والحرف التقليدية في وقت افتقرت فيه أيامهم لوسائلنا العصرية الحديثة، وفي سبيل خدمة التراث والمجتمع، خصوصا أن العديد من أبناء الأجيال الجديدة يجهلون أسماء ودلالات الكثير من الحرف والمهن التقليدية التي تشكلت منذ زمن بعيد.

ومن جانب آخر تعتبر الحرف والصناعات التقليدية جزءاً مهماً من الثقافة المادية في تراثنا الشعبي وأهميتها تأتي من كونها لصيقة بكل ما له علاقة بأوجه حياتنا المتعددة على مر العصور، وحتى يستمر تدفق الأصالة فينا لابد أن نكون همزة وصل حضارية جيدة لهذه النقلة الاجتماعية في ثقافتنا، وأن نتمكن بنجاح من وصل الماضي بالحاضر، وبالمستقبل، وككل البلاد المتحضرة التي تشبثت بدور الصانع المنتج.

وقد طورت الدولة هذا الدور وأعلت من شأنه، حيث اكتسبت الحرف التقليدية أهمية خاصة لارتباطها إما بموسم الغوص لاستخراج اللؤلؤ أو باستمرار الحياة الاعتيادية لمجتمع الإمارات البسيط في ذلك الوقت، وكل منها كان مجال عمل لمختلف الفئات التي تفننت في معطيات البيئة المحلية كمواد خام لهذه الصناعات وابتكرت الأدوات والمعدات التي حولت بها هذه المواد الخام إلى منتجات تفي بمتطلبات العيش، وتنم عن قدرات فائقة مع التصميم والتشكيل والتنفيذ المتقن الذي لا يخلو من الإبداع والجمال والحس الشعبي.