من أبرز العوامل الرئيسة التي أسهمت في تحديد نوع وطبيعة الحرف والصناعات التي امتهنها الإنسان قديماً في الإمارات عامل البيئة وعناصرها الأولية وأسلوب الحياة الاقتصادية المعتمدة على صناعة الغوص والزراعة. وعلى الرغم من انتشار جملة من المهن والحرف في أوقات معينة إلا أن بعضها مهدد بالانقراض، وآخر يستأذن الرحيل.

لهذه العوامل مجتمعة تنوعت الحرف والصناعات التقليدية في المجتمع الإماراتي للإيفاء بمستلزمات النشاطات المختلفة التي كانت تعج بها الإمارات طوال تاريخها من غوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك والزراعة وحركة تجارية نشطة استقطبت أعداداً هائلة من أهالي المناطق والبلدان المجاورة ممن يبحثون عن الرزق، كل هذا أدى إلى إيجاد عدد كبير من الحرفيين منتشرين داخل المدن الكبيرة، حيث عرفت أسواق سميت بأسماء الحرف التي تمارس فيها كسوق الحدادين وسوق التناكة وسوق الصاغة وسوق الجص وسوق الطواشين وغيرها من المسميات التي تدل على اتساع رقعة الحرف وزيادة عددها، كما أن هناك أسواقاً خارج المدن استقطبت الأعداد الكبيرة من المزارعين وأصحاب الحرف البيئية والذين يأتون ببضاعتهم لبيعها على أهالي المدن، انتشرت هذه الصناعات التقليدية لدقة صناعتها وجمالها ومنها الفخار والنسيج والسلال والحصر وغيرها. كلها شواهد ثابتة على تقنية الصناعة التقليدية وأهميتها، حيث استطاعت تلبية حاجة السوق آنذاك، أما اليوم فتعتبر الحرف والصناعات التقليدية جزءاً مهماً من التراث الشعبي الإماراتي، وتأتي أهميتها من كونها لصيقة بكل ما له علاقة بأوجه الحياة المتعددة التي شهدتها المنطقة على مر العصور، وتنمي الحرف التي ازدهرت في الإمارات عن طبيعة سكانها الذين كانوا صناعاً مهرة، وكانت صناعتهم مرتبطة بوسائل حياتهم اليومية التي ارتبطت بالبر والبحر، فكانوا يصنعون القوارب والبسط والحلي والسيوف والخناجر.

وقد عرف الإنسان الإماراتي منذ القدم صناعات عديدة شكلت ضرورة أساسية تساوت بالمأكل والمشرب، حيث كانت تلبي معظم حاجات السكان، ولعبت البيئة وعناصرها الأولية دوراً ملحوظاً في تحديد نوع الصناعات والحرف التي امتهنها الإنسان الإماراتي قديما، كانت هذه الصناعات التقليدية مهددة بالزوال والانقراض، إما لأن أصحابها الذين قطعوا شوطاً كبيراً من العمر صاروا قاب قوسين أو أدنى من الرحيل عن عالمنا وإما نتيجة التغيرات الهائلة التي طرأت على أنماط العيش وأساليب الحياة في المجتمع أو بسبب غزو المنتجات الأجنبية. ومن أمثلة تلك المهن التراثية:

 

الكفافة

هي مهنة قص وخياطة البرقع، فقد كانت المرأة تشتري طاقة من قماش النيل الذهبي المائل للسواد والمستورد من الهند وايران، ثم تقوم بقصه بنفسها وكفه باستخدام ابرة صغيرة وخيوط سود لتبدأ المرأة أولا بقص القماش على شكل مربع كبير، ثم تحدد مكان (السيف)، وهو الخط المستقيم البارز الذي يقسم البرقع الى نصفين متساويين، ثم يقص مكان العينين كفتحتين اتساعهما حسب رغبة المرأة وسنها، ثم تقوم المرأة بكف فتحتي العين بشكل كامل ثم تخاط الجبهة وهي الخط العريض الذي يكون موضعه على الجانبين عند ارتداء البرقع. لقد كانت النسوة يجدن كفافة البرقع الا القلة منهن، لذلك كانت تسمى الواحدة منهن «قريظة براقع» تقوم بكفافة وتفصيل البرقع مقابل ثمن معين لمن لا تجيد ذلك، بعد الانتهاء من كفافة البرقع كاملا، تقوم المرأة حسب رغبتها وسنها بقص البرقع عند الاطراف السفلية بتغيير زاويتي المربع الى خطين منحنيين.

 

نساجة الكاجوجة

تستخدم في النسيج، وهي مصنوعة من مادة مشابهة للألمنيوم والمكونة من جزأين، سفلي، يكون القاعدة، وعلوي يتمثل في وسادة بيضوية مصنوعة من القطن توضع على القاعدة، وفي السابق كانت تحشى بنبات «الأرى»، وهو نبات صحراوي يشبة القطن استخدمه العرب قديما لحشو الوسائد، تثبت خيوط الخوص على الوسادة وتنسج عليها المرأة (البوادل) بأحجامها المختلفة والتلي بأنواعه المتنوعة.

 

صناعة السدو

تعتبر (حياكة الصوف) احدى أقدم الحرف التقليدية في شبه الجزيرة العربية، تلك الحرفة التي تعطي صورة صادقة عن جهود الإنسان للتكيف مع بيئته الصحراوية وحسن استغلال مواردها الطبيعية وتطويعها لصالحه، تتميز البداوة بعادات وتقاليد أملتها طبيعة بيئتهم الصحراء، وهي نمط معيشي يعكس كفاح الإنسان للتأقلم مع البيئة القاسية والانتفاع بما تجود به، فمسكن البدوي بيت شَعْر مصنوع من شعر الماعز وصوف اغنامه، وغذاؤه من حليب ولحوم قطيعه. وتمثل الخيمة أو بيت الشعر الملجأ الواقي الذي يرتاح فيه من عناء حياته القاسية، ويمتع نظره بالمنسوجات الزاهية بألوانها ونقوشها، وترتكز أهم النقوش المستعملة على أشكال هندسية، تعتمد على مبدأ التناسب والانتظام، تأثراً بالتناسق العام للجسد الإنساني، وبالتكرار المنتظم في الطبيعة مثل تعاقب الليل والنهار وتوالي الفصول، وفي امتداد افق السهول والرمال.

 

السفافة

هـي نسج خوص النخيـل، وتُعَدُّ من الأشـغال البدوية النسوية، إذ يُنَظف الخـوص ويُشرَّخ، وتُصبغ كل كمية منه بلون، ثم يُنقـع بعد ذلك في الماء لتليينـه وتسهيل جدله، وتجدل النسوة من هذا الخوص جدائل يتم تشبيكها مع بعضها، وتُشـذَّب بقص الزوائد منها لتصبـح «سُـفَّة» جاهزة لتصنيع العديد من الأدوات كالسلة والمَهَـفَّـة والمِـشَبّ والجْـرَاب والحصـير وغيرهـا.

 

صنـاعة الحصـير

تُصنـع من «السُفَّة» المصنـوعة من خوص النخيل، إذ تؤخذ السُفة بطـول عشرين باعاً وتُنقـع بالماء لتليينها وتسـهيل خياطتها، وبالخيط والمسلة «الـدَفْـرَة» تبـدأ المرأة بخيـاطة السُفة مُشَـكَّلَةً نقطة البداية «القلدة الأولـى» التي توضع بين قـدمي المـرأة لتبـدأ تشبيك شـريط السُفَّة بها تباعاً وعينـاً بعين مستخدمة الدفـرة والخوص، ويستمر التشبيك إلى أن تنتهي العشرون باعاً، ثم تُقطـع طولياً بالسكين. وتُثنـى نهـاية السُفَّة «القلدة الثانية»، وتُخاط حواف الحصير بالدفرة والخيط، ثم تُنظف من الشوائب بعـد أن يكون تصنيعها قد اسـتغرق قـرابة الأسـبوع لتغـدو جاهزة لفرشها في أرض البيت.

 

صناعة الشباك البحرية

ترى الصناع تداعب أصابعهم خيوطها في مشهد لا يخلو من الانبهار والتصوير الخيالي، والذوق الإبداعي، لاسيما اذا كانت تلك الأصابع لصناع مهرة عاشوا حياتهم مع البحر والخيوط، حتى اضحت ملامح البحر ترتسم على قسمات وجوههم ومصطلحاته على شفاههم، فهي مهنة لها شروط ومواصفات كأن يكون الصانع صياداً ولديه خبرة كافية بأصناف الأسماك والمهارة في صنع فتحات الشباك التي تستلزم ان تكون ذات قياس واحد.