فضوله الغنيّ نحو كلّ جديد ورغبته في صناعة أشياء فريدة، قادا المصمّم الكوريّ جينسو كيم إلى عالم التصميم الصناعيّ. يقول كيم: «لطالما كانت لديّ رغبةٌ قويّةٌ في تصميم المنتجات التي أستخدمها بنفسي، وقد عملت بكدّ كي أحقّق أحلام طفولتي، لأتمكّن من قيادة سيّارتي التي صمّمتها بنفسي. وعالم التصميم هو أكثر المجالات اتّساعاً وقدرةً على إعطائي المساحة الكافية التي يُمكنني من خلالها أن أشعر بأنّني أنجزت شيئاً ما».
تخرّج جينسو من كليّة التصميم الصناعيّ، بجامعة «كوكمين» في العاصمة الكوريّة الجنوبيّة «سيؤول»، وعمل في مجال تصميم السيّارات من سنة 1997 حتّى 2002، حيث اكتسب خبرة التصميم الداخليّ والخارجيّ للسيّارات، وفي تجربته تلك كوّن مفهومه الخاص عن التصميم للمستهلك. عن تلك التجربة يتحدّث كيم قائلاً: «علّمني التصميم الخارجيّ للسيّارات أن يكون لديّ حسٌّ عالٍ عن الأشكال، والتصميم الداخليّ جعلني أتقن تصميم الأشياء الصغيرة وتوظيف المساحات، وهذه الخبرات تُساعدني كثيراً أثناء وضع الخطوط الأساسيّة لأجهزة الهواتف المحمولة، والعمل على تفاصيلها النهائيّة».
انتقل جينسو للعمل مع شركة «سامسونغ» قسم الهواتف المحمول سنة 2002، وهو الآن المدير الفنّي المسؤول عن تطوير التصاميم الخارجيّة لأجهزة سامسونغ. ولم تكن هذه النقلةُ سهلةً بالنسبة له، إذ يتحدّث عن الفترة الانتقاليّة قائلاً: «استغرقت بعض الوقت كي أُدرك الفرق بيت تصميم السيارات والهواتف المحمولة، وأوّل أعمالي كان هاتف (سامسونغ - إس جي إتش يو 600) الذي بيعت منه 48 مليون قطعة حول العالم، بالإضافة إلى مجموعةٍ كبيرة من موديلات الشركة المعروفة عالميّاً».
يجتهد كيم في عمله ليخرج بأفكارٍ منسوجةٍ على تجربةٍ بشريّةٍ يُمكن للناس بسهولة أن يخوضوها، حيث يستلهم الكثير من أفكاره من فنّ عمارة ونسيج الحضارات الشرقيّة، بالإضافة إلى الخطوط الحديثة التي يعتمدها من عمله السابق في تصميم السيّارات. وفي مثالٍ على هذا الإلهام يُعلّق جينسو: «صمّمت هاتفاً بخطوط حديثة، وقد جاء تصميمي متأثّراً بالخطوط الديناميكيّة لصناعة السيّارات، ولذلك يُعطي التصميم الخارجيّ لذلك الهاتف إحساساً بالسرعة، في حين استلهمتُ تصميم جهازٍ آخر من فنّ العمارة الكوريّ، وكانت النتيجةٌ حجماً لا بأس به بالرغم من خفّة الجهاز».
لا يملك الإنسان القدرة على ملاحظة كافّة التفاصيل التي يمرّ بها في حياته اليوميّة، وبرأي جيم، يُمكن للفنان أن يستقي إلهامه من الكميّة غير المحدودة للأجسام المتحرّكة حوله، كالسيارات أو الأبنية أو حتّى الكتب. يقول كيم: «أستقي إلهامي من العديد من التفاصيل، كالأجزاء الصغيرة في السيّارة وخطوط الأبنية المرتفعة، أو الهدايا الصغيرة التي تصلنا مع مجلّات الأزياء.، وأنا أكتشف الأفكار من انتباهي بكلّ الأشياء المختلفة التي تحيط بي».
التصميم الاستثنائيّ
تُعتبر المقدّمة الممتعة من أهمّ خطوات الكتابة المميّزة، وكذلك العرض والخاتمة. وأيّاً كانت الأفكار المطروحة، تبقى الفكرة الأساسيّة واضحةً ومقروءةً أكثر من غيرها. وهذا المبدأ ينطبق أيضاً على عالم التصميم برأي جينسو كيم، فالإضافات مهمّةٌ جدّاً كي تجعل التصميم استثنائيّاً. ويؤكّد كيم أيضاً أنّ بعض التصاميم تبدو مميّزةً، فقط لأنّ هنالك تصاميم أخرى بعيدة عن كونها جيّدة. ويزيد المصمّم الكوري بتحديد عدّةٍ نقاطٍ يُمكن من خلالها تقييم التصميم الاستثنائيّ، ألا وهي:
أن يكون جديداً بشكلٍ كامل حيث يغيّر أسلوب تفكير مستخدمه.
أن يكون قادراً على خلق نوعٍ من الألفة مع مالكه.
أن يكون قابلاً للاستخدام بشكلٍ عمليّ، وألا يكون صورةً من دون مضمون.
أن يأخذ باعتباره الإنسان الذي سيحمله، وكلّ من حوله.
وبالحديث عن أجهزة الحواسب اللوحيّة كالآي باد وغيرها، يعود جينسو ليذكّر بأن ما يلفت نظر الناس إلى تصميمها، هو النعومة والنحالة، كأن يحمل الإنسان ورقةً بيضاء مزوّدةٌ بشاشة عرض، ويُمكن حملها بيدٍ واحدة، ولا ضير بأن تكون كبيرة نسبيّاً، شريطة أن يتمكّن حاملها من وضعها في الجيب الداخليّ لسُترته. ومن بعض العوامل التي يُمكن أن تضع حدوداً لإبداع المصمّم، يرى جينسو أن الإنترنت، على الرغم من أنّها تفتح أبواباً لتقليعاتٍ جديدة تضع المصمّم في مسار المنافسة العالميّة، تحدّ عامِلَيّ التنوّع والاستثنائيّة. فعندما يُحاول المصمّم أن يحوّل خطوطاً مألوفةً وجيّدة إلى تصاميم يُمكن ملاحظتها بتكلفةٍ بسيطة، لا بدّ عليه من اتّباع الخطّ العام، وبالتالي فقد تميّزه. ومن هنا ابتكر كيم مبدأه الخاص، ألا وهو البحث عن مصادر يستمدّ إلهامه منها، وليس التقصّي عن آخر تصاميم الشركات المنافسة.
منذ أيّام قليلة، تخلّى كيم عن هاتفه المحمول الذي كان يحمله سابقاً، واستبدله بجهاز «غالاكسي تاب»، رغبةً منه في فهم هذا الجهاز، والتعرف إلى نظام التشغيل الذي يعمل عليه، سيّما وأنّه هو الشخص الذي قام بتصميمه. وإلى جانب هذا الجهاز، قام جينسو بشراء مجموعة الأجهزة المُشابهة والمنافسة ليختبرها ويُقارنها بجهازه الخاص.
