الطلاق.. ذلك الحلال الوحيد الذى أبغضه الله لتأثيره الكبير ـ ليس على الزوجين ولكن على الأبناء بشكل كبير, فهو ليس نهاية لمشاكل زوجين اختلفا أو لم يتآلفا ولكنه بداية سلسلة طويلة من المشاكل التى تحفر آثارها النفسية العميقة فى نفوس الأبناء وتربي جيلا، للأسف، يمثل شريحة كبيرة من المجتمع نظرا لارتفاع نسب الطلاق بشكل كبير.. تربيه على البغضاء والكراهية وعدم الترابط الأسرى. فهل يعلم الزوجان أن طلاقهما قد يمثل عقبة كبيرة فى مستقبل أبنائهما ، وأن الأبناء يصبحون بسببه غير مقبولين اجتماعيا وإن كان ذلك يتم بشكل ضمني؟ معا سنكتشف الأسباب.
عشرينية جميلة.. بدت شاردة.. حزينة ..واقعها يحكي عن مشكلة زوجية تحاول مواجهتها كي لا تصل الى الطلاق.. إنها هالة التي نشأت في أسرة مفككة، فالأم واجهت مشاكل مادية كبيرة مع زوجها الضابط المتقاعد ففضلت الطلاق، ولأن الطلاق ثمنه غالٍ على المرأة فقد سافرت للعمل بالخارج لتكفل لأبنائها ما يلزمهم ليكملوا حياتهم..
وتحكي هالة كثيرا عن معاناتها في هذه الفترة، فقد تحملت مسئولية أخوتها الذكور وهي في سن صغيرة مما أثر كثيرا على دراستها وجعلها تشعر دائما بالوحدة والحزن فهي بعيدة عن الحياة مع أمها وأبيها, أما نظرة الناس لها فحدث ولا حرج فهي- كما تصف حالها- كانت قد قاربت على اليأس من الزواج وتحقيق حلمها بأن تكون لها أسرتها الصغيرة التي حلمت بأن تعيش هي في كنفها وتبتعد بها عن الإحساس بالوحدة الذي لازمها طويلا ولكن كلما تقدم لها عريس أو تعرفت على شاب مناسب وبدأ الحديث عن الارتباط وجدت الأمر يتراجع بشكل سريع ويتوقف والسبب أنها ابنة عائلة مطلقة فهناك من خشي الدخول في مشاكل عائلية مع أسرتها لأنهم مختلفون ومنفصلون فيما بينهم فكيف سيتعامل هو معهم قائلا «دول كارهين بعض وكارهين أولادهم يبقى هيحبوني أنا إزاي؟!», وآخر لأنه رأى أن انفصال العائلة سيكلفه ماديا أكثر في تكاليف الزواج لأن كلا الطرفين سيتنصل من أعبائه ويلقيها عليه, وثالث خشي من أنها بسبب طلاق والديها ستكون معقدة «وتطلع عقدها عليه»، وستفشل حياتهما معا, ورابع كان له رأي قاس إذ وصل به الأمر إلى التشكيك في سلوكياتها؛ لأنها تربت بعيدة عن أب «يحكمها » والأم قدوتها امرأة مطلقة! فافترض أنها ستكون منفلتة الأخلاق.
لذا عندما قارب هالة العقد الثالث على الرحيل سارعت بالموافقة على اول خاطب تقدم لها وكانت ميزته الوحيدة لديها أنه لم يعايرها بطلاق والديها كسابقيه؛ لذا تغاضت عن انخفاض مستواه الاجتماعي والمادي وزوغان عينيه الذي لم يخجل من مصارحتها به في سبيل الخروج من دائرة الانتظار المفرغة، وبعد الزواج عندما بدأت المشاكل تطل برأسها على حياتها كان عليها أن تصبر على أي شيء حتى الخيانة الزوجية التى ابتلعتها كارهة فى سبيل ألا تصبح مطلقة هي الأخرى فهي لا تريد أن تعيد مأساة أمها الماثلة أمام عينيها التي تعمل مثل الثور في الساقية- على حد تعبيرها كي تلبي طلبات أبنائها.. وليس لها أب يهتم بها ويخاف منه زوجها ويعمل له حسابا, لذا بدا أن حلم الأسرة السعيدة الذي تمنته أصبح سرابا، ودفعت هي ثمن طلاق والديها .
عقدة الأم
أما الحاجة تفيدة فهي سيدة ذات فكر مختلف، فهي رغم أنها لا تطيق حتى سماع اسم زوجها لا أن تقيم معه في منزل واحد فإنها رفضت الطلاق نهائيا وفضلت عليه الانفصال أو الطلاق المقنع فهي تعيش مع أبنائها في بيت منذ سنوات طويلة والزوج في بيت آخر ويحيا كلاهما حياة مستقلة تماما لا تربطهما إلا ورقة الزواج التى لا يتذكرانها إلا في المواقف الرسمية فالأب لا يزور أولاده إلا في الأعياد وبترتيب مسبق كالغرباء.
وعندما سألناها عن سبب هذا الوضع الغريب، قالت :كله في سبيل الأولاد وشكلهم الاجتماعي وسط الناس وكي أستطيع أن أجوزهم خاصة ابنتي التي أحبها كثيرا، فالولد مشكلته أقل حدة ولكن البنت مصيبتها كبيرة لأن فرصتها في الزواج ستقل كثيرا لو حدث الطلاق, فصورتها أمام عريسها وأهله ستكون سيئة. وأشارت الحاجة تفيدة الى أنها أصيبت بعقدة من الزواج ومن الرجال بشكل عام بسبب الخلافات الزوجية؛ لذا فضلت ان تتحمل هي كل الأعباء المادية لأبنائها كأنها مطلقة وفضلت الحياة وحيدة كي تضمن زواجا مستقرا لابنتها، ولكن هل بالفعل سيكون زواج ابنتها مستقرا أم أن عُقد الحاجة تفيدة من الرجال قد أثرت في نفسية ابنتها التي ترفض إلى الآن الارتباط وفسخت خطبتها مرتين من قبل عندما اقترب موعد الزفاف وذلك لخوفها من الزواج؟!
آسفة.. أرفض الزواج
أما دينا فهي وردة متفتحة لم تنه بعد دراستها الجامعية ولكنها أنهت بداخلها أي تفكير في الزواج ولأجل غير مسمى وأسوأ كلمة بالنسبة لها هي (عقبالك) عندما تقولها لها السيدات في أي فرح أو حفلة خطوبة فهي بالنسبة لها دعاء عليها بالتعاسة الأبدية، وعندما سألناها عن هذا الموقف المتشائم قالت: هذا الذي رأيته وعايشته في عائلتي فوالدي لم يكن الأب الحنون وعصبي المزاج بشكل كبير ورغم أنه ثري فإنه كان يضيّق علينا في المصروف كعقاب لأمي على أي خلاف بينهما, ولحظات السعادة في طفولتي كانت قليلة للغاية, والدتي تحملت الكثير وعشنا سنوات في نكد لا ينقطع من كثرة الشجار على أي شيء، وكل شيء إلى أن سقطت أمي مريضة فأهملها؛ لذا أصرت والدتي على الطلاق، ولكن ما مررنا به بعد الطلاق من مشاكل ومحاكم وبهدلة لا يوصف، ورغم أن الوضع استقر منذ عدة سنوات فإننا نعيش في أثر هذا الزلزال الذي دمر أسرتنا حتى الآن، فأبي يستمتع بإذلالنا كل شهر كي يعطينا مصاريف المنزل ومصروفات الدراسة ويتفنن في إسماعنا بأنه يتصدق علينا وأن هذه الفلوس خسارة فينا لأننا لا نعيش معه فهو يعتبرنا أغرابا ورغم أننا طلبنا أن نعيش معه فإنه رفض ولا أصف لك حجم التضييق الذي يمارسه علينا يكفي كمثال أن أقول لك إنه في شركته يوزع أجهزة لاب توب على كل موظف ويحرص على تجديدها بشكل مستمر وأنا منذ ثلاثة أعوام أطلب منه أن يشتري لي لاب توب ولو حتى مستعملا لكنه يرفض وتريدنني أن أفكر في الزواج بعد كل هذا؟؟ لماذا أواجه هذه المشاكل وأنجب أطفالا يدفعون ثمن تعاستي؟ .
الطلاق نعمة
أما نرمين الطالبة بالثانوي فلها رأي مختلف فهي ترى أن طلاق والديها من النعم التي تسعد بها فهي ليس لديها أب يعيش معها ينكد عليها ويضيّق عليها في تحركاتها وأمها منهكة بين العمل وشغل البيت, لذا فهي تشعر بحرية كبيرة تستمتع بها وتقول (إن الشيء الوحيد الذي لا أستطيع فعله هو السهر خارج المنزل عدا ذلك فاليوم أمامي مفتوح أستطيع الخروج مع صديقاتي كيفما شئت خاصة عندما تكون والدتي في العمل وأستطيع أن أصادق من أشاء كما أنني أستطيع الحصول على المال من الطرفين إذ يحاول كل منهما شراء رضائي بالمال، وكلاهما يحاول أن يثبت للآخر أنه الأكثر اهتماما بي، ولكن فعليا أبي مشغول بحياته مع زوجته الجديدة وأبنائه منها وأمي مشغولة بعملها؛ لذا أنا أعيش مع أصدقائي معظم وقتي وهم من يستمعون لي ويحلون مشاكلي وأعيش معهم أحلى أوقاتي) .
فى مصر مطلقة كل 6دقائق
أشارت تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نسب الطلاق فى مصر تعد من النسب المرتفعة عالميا وأن هناك مطلقة كل 6دقائق وهناك قرابة المليونين ونصف المليون مطلقة فى مصر. وتقول عن ذلك د.سعدية بهادر، أستاذ علم نفس الطفل بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، إن المشكلات الزوجية فى العائلة تؤثر سلبيا على الأبناء بشكل خطير فهي تفقدهم الإحساس بالأمان والطمأنينة وتولد لديهم الخوف والقلق من المستقبل وكثيرا ما ينعكس ذلك على سلوكياتهم، مثل التحول إلى العصبية الزائدة والعناد والسرقة أحيانا كرد فعل انتقامي, وقد تتفاقم الحالة إلى حدوث مشاكل نفسية مثل التبول اللاإرادي واضطرابات الأكل والنوم والتهتهة .
القاهرة - دار الإعلام العربية
