اليوم يبدأ عرس السينما في دبي، تخترق أضواء بيضاء عتمة الصالات منبعثة من مكائن البث، خلف نوافذ عالية، فتومض، فوق رؤوسنا المستلقية على ظهور المقاعد، كلما انفجرت قنبلة أو حطت طائرة أو طاف نهر أو هاج بحر. تلك المكائن التي ستهدر اليوم في أكثر من صالة سينمائية، بأحلامنا وخيالاتنا، لن تنقل الينا حصراً تلك الصور الهوليوودية، بل سينما العالم التي يتوق إليها محبو السينما، والباحثون عن ثقافات الشعوب وقضاياها عبر الأفلام. سنلتهم وجبتنا حد التخمة، كما في كل عام، لنصل الى ختام المهرجان وقد حبلت عقولنا ونضحت مخيلتنا بكثير من المشاعر والصور.

نلتهم الأفلام، كتلاميذ يشحذون طاقتهم قبل الدخول الى حصة دراسية عن الرياضيات. الرياضيات هو ما نعيشه في المدينة، قبل موسم السينما وبعد انقضائه! ثمة، ونحن في طور الالتهام، ما نترك من أولّه عشر دقائق، وثمة ما نترك من آخره ربع ساعة، فطقس مغادرة الصالة الى صالة اخرى بعد بداية الفيلم أو قبل نهايته، للاطلاع على أكبر قدر ممكن من الافلام.. هو طقس لا يقل متعة ولا إثارة عن مشاهدة نجوم الأفلام وصناعها في الممرات والصالات ومباغتتهم فجأة، ومن دون استئذان، بأي سؤال يخطر على البال.. بدءا من اشتراكهم بفيلم معاد للعرب، مرورا بدعمهم الحرب على العراق او معارضتها، وصولا الى ميولهم الجنسية. طقس مشاهدة الافلام يحتمل شغفا وجنونا، تماما كما صناعتها.

ثمة ما يفرحني في مهرجان دبي تحديدا، ومما لا أجده في مهرجانات اخرى: أولا، هناك ذلك التنظيم الذي نحتاج اليه، نحن محبي السينما والراغبين بالكتابة والتحدث عنها، فهو محفز ومسهل للمهمات، ويرد السينما الى مفهومها الاساسي كونها فنا ديمقراطيا وشعبيا لا تحتمل الإدعاء ولا التزييف ولا المنع ولا »بورجوازية« حفلات الـ»في آي بي«. السينما حق للجميع وعلى الجميع أن ينهل من هذا الحق ما شاء وكيفما شاء!

ثانيا، وقد يبدو هذا الأمر مستغربا لبعض القراء، هناك عامل المناخ. نعم، المناخ بمعنى درجة الحرارة وسرعة الرياح وليس مجازية التعبير. فحين تتحرك في شوارع برلين، في زمن مهرجانها كل فبراير، مثقلا بأوزان المعاطف وثقل القبعات والشالات والقفازات، تحاول ألا تبتلع الكثير من هواء جلدته حرارة سقطت الى ما تحت الصفر بعشر درجات.. حين تستعيد صورتك وانت تركض، حاملا جهاز الكمبيوتر، على الجليد، متجها من الفندق الى قصر المهرجان، فتتمايل وتتهادى كأنك أحد متسابقي »أميركز باست دانس كرو«!.. وحين تحتاج في كل مرة تدخل فيها الصالة لمشاهدة فيلم الى خلع المعطف وكنزة الصوف والقفازات، كي لا يقتلك التعرق، ثم لتعاود ارتداء كل ذلك مجددا حتى تقطع الطريق الذي يودي بك الى صالة أخرى، كي لا يقتلك البرد.. حين تستحضر كل ذلك عن المناخ الذي يظلل مهرجانات أخرى، لها بالطبع سحرها الآخر ومكانتها، ستقدّر بالتأكيد نعمة الطقس في دبي ومشاهدة الافلام وسط درجة حرارة تعادل.. الثلاث والعشرين.

هكذا، يصير موعد المهرجان، موعدا للملابس الخفيفة جنبا الى جنب مع الأفلام الثقيلة.. ولكنه قبل كل ذلك موسم للفرح!