أذهلنا العام الماضي المخرج الأميركي كريستوفر نولان من خلال إبداعه فيلم (استهلال)، وفكرته الغرائبية عن اختراق عقول البشر في خطوة تفرد، لايزال يتحدث عنها خبراء ونقاد السينما بتقدير بالغ، وفي نقاط تبدو متشابهة مع هذا العمل يأتي فيلم (شفرة المصدر ـ Source Code) الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية، بشكل مشوق يجمع بين الخيال العلمي والأكشن والإثارة، ويعد بمثابة قفزة كبيرة للمخرج الشاب دانكان غونز بعدما شاهدنا له عام 2009 فيلم (القمر)، وفي تجربته الثانية يثبت غونز تمتعه بموهبة كبيرة في فن الإخراج، مع سيناريو كتبه بحرفية عالية بن ربيلي، الذي ينتقل بهذا الفيلم من أعمال الفيديو والتلفزيون إلى عالم السينما بعدما قدم عدداً من الأعمال المهمة مثل (الساعة).

يبدأ الفيلم أحداثه بمشهد داخل قطار ركاب مزدحم في طريقه إلى مدينة شيكاغو الأميركية، وفجأة يستيقظ (كولتر ستيفنز - جاك غلينهال) طيار في الجيش الأميركي تحطمت طائرته في أفغانستان، من خلال مهمة عسكرية، ليجد نفسه في ملابس مدنية وفي جسد شخص آخر لا يعرفه (شون) الذي يعمل مدرسا للتاريخ، وبجواره فتاة شابة (كريستينا -ميشيل موناغان)، التي تؤكد له اقتناعها بآرائه في محاولة للتودد إليه وإثارة إعجابه، وبعد 8 دقائق ينفجر القطار، ليكتشف أن تلك الدقائق التي عايشها تجربة عملية لبرنامج حكومي يهدف إلى تعقب الحوادث الإرهابية، بعد وقوعها للتعرف على مرتكبها، ومحاولة منعه من القيام بعمليات أخرى خطط لها.

يستند الفيلم إلى فرضية علمية - تجعله يقترب في الشبه من خط فيلم كريستوفر نولان - تعتمد على أن مخ الإنسان يظل قادراً على العمل لمدة 8 دقائق بعد وفاته، حيث يقرر أحد العلماء (جيفري رايت) الاستفادة من هذه الفرضية من خلال صنع عالم مواز، يعيش فيه أحد رجال الجيش الأميركي داخل ذاكرة هذا الشخص المتوفى، ليحاول من خلال هذه الدقائق الثمان التعرف على الإرهابي الذي قام بتفجير القطار؛ لمحاولة منعه من تفجير قنبلة أخرى أكثر ضررا في مدينة شيكاغو، وفي كل مرة يفشل فيها الضابط ستيفنز في التعرف على القاتل، يتم إرساله مرة أخرى لمدة ثمان دقائق، مستخدما تكنولوجيا مستقبلية تعرف باسم (شفرة المصدر)، حتى يستطيع أن يتعرف إلى منفذ العملية، ويظل ستيفنز ينتقل في كل مرة، ويتابع أشخاصاً عدة داخل القطار في محاولة لجمع أدلة وتقصي الحقائق وراء الشخص المسؤول عن هذه التفجيرات.

والشيء المقلق الذي يعانيه ستيفنز في هذه التجربة هو حقيقة نفسه، فكل ما هو موجود في ذاكرته فقط تحليقه بطائرته في مهمة رسمية داخل أفغانستان، لكنه الآن يجد نفسه مكبلا على كرسي في إطار بيضاوي حديدي موصولا بأسلاك وأجهزة، يتواصل من خلالها مع إحدى المسؤولات العسكريات (كارول غودين - فيرا فارميغا)، التي تدفع إليه بعد تعاطفها معه (لعلاقته بوالده ومشاعر حبه التي تنشأ مع راكبة القطار كريستينا) ببعض المعلومات التي يستعيد من خلالها ذاكرته وعلاقته بكل ما يحدث حوله، وتستفز فيه شجاعته لإنقاذ الناس خصوصا أن تزامن الانفجار يأتي مع مرور قطار آخر في الاتجاه المعاكس، فيدمر كل الدلائل لكشف خيوط هذا الحادث الإرهابي، وتتم استعادته إلى مقعده مرة أخرى، حيث مغامرة القطار، من اجل فك رموز وشفرات تلك الجريمة التي راح ضحيتها العديد من الأبرياء، في الوقت الذي ترصد به المسؤولة جميع المعلومات والإشارات التي يدلي بها، وهو يعيش التجربة بكل هلعها في محاولة كسب الوقت لإبطال القنبلة الموقوتة والموصولة بجهازي موبايل، والأهم معرفة الشخصية الإرهابية المسببة لتلك الكارثة والمخططة لتدمير آخر ينهي تماما مدينة شيكاغو.ويكسر الفيلم الصورة النمطية للإرهابي في الأفلام الأميركية حول الشخصية العربية، وإن حاول المساس بها من خلال تقديم معلومات عن اللهجات العربية، متمثلة في اللهجة المصرية والشامية والخليجية، لكن الإرهابي يأتي هذه المرة مغايرا لما اعتادت عليه سينما هوليوود، فهو مواطن أميركي يرى أن العالم الذي نعيشه هو الجحيم بعينه، وأن البشر يستطيعون أن يحيوا حياة أفضل من تلك التي يعيشونها في حال اتحادهم من أجل إعادة بناء الحياة، ولكن هذا يستلزم أن يتحول العالم أولا إلى ركام، حتى يستطيع البشر أن يتحدوا من أجل بنائه مرة أخرى.

فكرة قد لا يصدقها العقل تطلبت لياقة فنية عالية الأداء من قبل جاك غيلنهال في تقمص تلك الشخصية، التي تمر بلحظات ومتغيرات تحتاج إلى فلسفة عالية في التقمص، مع مزج مشاعر الحب تجاه كريستينا، حيث نعيش الرومانسية مع لحظات الخطر في وقت واحد، ورغم غرابة ما نراه، لكن الفيلم يتعامل مع كل المواقف بشكل طريف وممتع يجذب اهتمام المشاهد، خصوصا في الإعادة المتوالية التي تذكرنا باستيقاظ أحمد حلمي في فيلم (100 مبروك) ورغم بطء إيقاعها في الفيلم المصري لكننا لا نشعر بالتكرار في الفيلم الأميركي، الذي يقدم في كل مرة معلومة جديدة ترفع من قيمة الدراما والإثارة وتصل بالعمل إلى أعلى مستوياته.

يأسرنا فيلم (شفرة المصدر) إلى عوالمه منذ اللحظة الأولى بمستواه البصري والدرامي، لكن مشاهده النهائية تجعل العقول مزدحمة بالأسئلة حول إمكانية أو حقيقة ما يحدث، مع تكنولوجيا تخلط الواقع بالخيال وتدفع بالإمكان معرفة أسرار تنقذ البشرية من كوارث مستقبلية والحياة بشكل آخر، غير تلك التي نحياها، شطحة قد تكون مقبولة فنيا لكنها تتعارض مع ما نؤمن به وتقره الأديان السماوية.