السينما التاريخية هي تلك التي تلعب مواضيعها على أمانة الحدث التاريخي، مع قدر من الإمتاع الفني والدرامي وإسقاط الماضي على الحاضر أو العكس حسب رؤية صناع الأفلام وأحيانا أيديولوجيتهم دون تحريف للوثائق، وفي غالبها تستمد مشروعيتها من نصوص أدبية أو صور ووقائع تاريخية.

 

ويرى الناقد السينمائي إبراهيم العريس أن السينما منذ مراحلها الأولى قد التفتت إلى مسرحيات شكسبير التاريخية وبدأت تقتبسها، ثم بعد ذلك جاء دور الكتب التاريخية التي احتوت على أنواع من التأريخ متنوعة وتراوح بين حكايات دينية مأخوذة من الكتب المقدسة ومن سير كبار القوم (زعماء وأبطال ورؤساء وصولا إلى سير فنانين)، ثم بخاصة من قصص الحروب الكبرى والمعارك والغزوات، وكل هذا شكل ما يسمى اليوم بالسينما التاريخية وهو نوع على تعدد ملامحه يكاد يشكل نحو ربع عدد الأفلام التي حققت في تاريخ الفن السابع.

والسينما التاريخية بدت دائما جذابة حتى وإن كان من نواقصها أنها دائما ما أتت غير تشويقية طالما أنها روت دائما أحداثا معروفة، ثم تباطأت قبل أن تصبح ذات طابع تفسيري يعطي الفنان المبدع حرية أو هامشا ما في تعاطيه مع الحدث الموثق والمعروف، كما أنها ركزت أكثر في إعطاء المبدع كامل حريته عندما تناولت شخصية تاريخية وتركت له المقدرة على تخيل تجسيد أبعادها وعمق تناقضاتها مع استخدام الحدث التاريخي وتبديله على هواه حسب ما يفيد الدراما ويجعلها أكثر إمتاعا على شاشة السينما.

ومن الأعمال التاريخية الخالدة في ذاكرة السينما وتشكل حدثا ملفتا ضمن أهم الكلاسيكيات المعروفة في مشوار الفن السابع، ما يسمى بأفلام الثورات والتي لها نصيب جيد من إنتاجيات السينما العالمية، فهناك العديد من الأفلام السينمائية التي تابعت بالتوثيق أو بالدراما العديد من الثورات التاريخية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم ونتوقف أمام بعض منها مثل (سبارتاكوس) الذي قدم عام 1960 بطولة نجوم كبار مثل (كيرك دوجلاس ولورانس أوليفييه)، وهو فيلم تاريخي تدور أحداثه في عصر الجمهورية الرومانية حيث استعباد الرومان للأسرى المجلوبين من اليونان وغيرها، وبرز وسط هؤلاء العبيد قائد وثائر عظيم بدأ ثورة العبيد المشهورة التي أخمدها في النهاية كراسوس بمنتهى القسوة وصلب اسبارتاكوس لكن مثاله ظل خالدا عبر الأجيال للثورة ضد الظلم والاستعباد.

وفيلم (أسد الصحراء) الذي أنتج في عام 1981 من بطولة أنتوني كوين الذي قام بأداء دور القائد الليبي عمر المختار في محاربة جيش موسوليني قبيل الحرب العالمية الثانية، وهو من إخراج السوري مصطفى العقاد وبلغت ميزانيته حوالي 30 مليون دولار أميركي، وتناول قصة عمر المختار المناضل الليبي الذي وقف ضد رجال الاستعمار الإيطالي وأقلق مضاجع جنودهم، ما دفع بالدوتشي الإيطالي موسوليني لإرسال الضابط رودولفو غراتسياني من أجل التصدي للثورة الليبية، إلا أن عمر المختار هاجم مع رجاله القوات الإيطالية، ما أجبر الجنرال العنيد على الاعتراف بالعجز عن مهاجمة رجال المقاومة فطلب المزيد من الدبابات، وتمكن من القبض على عمر المختار بعد معركة شرسة.

ومن أشهر الأعمال التاريخية يأتي فيلم (غاندي) الذي أنتج عام 1982 وهو من نمط الأفلام ذات الإنتاج الضخم حول حياة موهانداس (ماهاتما) غاندي قائد مقاومة اللاعنف ضد حكم بريطانيا العظمى الاستعماري للهند خلال النصف الأول للقرن العشرين، أخرجه ريتشارد أتنبره وأدى دور غاندي الممثل البريطاني بين كنغسلي وقد فاز كلاهما بجائزة الأوسكار على أدائه في الفيلم، كما فاز الفيلم نفسه بجائزة الأوسكار لأحسن فيلم وحصد أيضا ثماني جوائز أوسكار أخرى، ويعتبر من أشهر الأعمال ذات القيمة الإنسانية التي تطرقت للثورات في تاريخ السينما، ربما لعظمة ما قام به مهاتما غاندي من ثورة سلمية كانت تهدف لطرد الاحتلال الأجنبي البريطاني لشبه القارة الهندية، حيث اعتمد غاندي أسلوب مقاطعة كل المنتجات البريطانية لدرجة أنه كان يمشي حافيا، بسبب أن الأحذية كانت في ذلك الوقت من إنتاج مصانع تابعة للإمبراطورية البريطانية.

ومن الأفلام التاريخية ذات القيمة الفنية والفكرية فيلم (القلب الشجاع) الذي قدم في العام 1995 ونال جائزة الأوسكار، وهو من بطولة وإخراج الممثل الأسترالي ميل جيبسون، ويحكي قصة ثورة قائد الاسكتلنديين (وليام والاس) ضد ملك بريطانيا ادوارد الأول، حيث أدت قوانينه التعسفية إلى وفاة والد ويليام والاس وأخيه ثم زوجته التي دفعته إلى الغضب والثورة، وفي لندن حوكم والاس على اقترافه خيانة عظمى وتحمل العواقب وصرح بأنه لم يقبل إدوارد ملكا أبدا، وحكمت المحكمة عليه بالعذاب المطهِر، وبعدها في حديقة لندن، عذب بصلبه وبقر بطنه ونزع أحشائه وأعطاه القاضي حكما بالموت السريع، وخوفا من شجاعة والاس قام اللندنيون بالدعوة بالرحمة لوالاس، وأشار والاس للقاضي أنه يريد أن يقول كلمة أخيرة مستعملا في ذلك ما تبقى من قواه الجسمية وصرخ (الحرية)، وبعد موت والاس استأنف روبرت بروس الحرب حيث واجه القوات الإنجليزية في معركة حقل بانوك بورن وهزم روبرت بروس الإنجليز هاتفا هو والاسكتلنديون باسم والاس وبالحرية.

وقدمت السينما العالمية أيضا فيلم (تشي) من إنتاج عام 2008 ويرصد قصة حقيقية عن الثائر الكوبى تشى جيفارا الذي لعب دوره الممثل بينثيو ديل تورو، حيث يستعرض سيرة الثورة التي قام بها ذلك المناضل والذي قاتل لطرد الأنظمة الإمبريالية الاستعمارية من كوبا وبقية دول قارة أميركا الجنوبية قبل أن يصبح نجما لامعا في الثورة الكوبية اليسارية الاشتراكية، ويصبح رمزا للمقاومة في التاريخ الحديث.

 

 

 

أعمال تؤجج الثورتين المصرية والتونسية

 

من الأفلام المتميزة في الثورات التي ليس لها إرث توثيقي تاريخي فيلم (نادي القتال) وهو من إخراج ديفيد فينشر، ويسلط الضوء على مجموعة من الشباب يقررون إنشاء ناد للقتال ليصل بهم الأمر للتمرد على الكثير من القيم والقوانين المتعلقة بالنظام الرأسمالي، اللافت للنظر أن المخرج قدم هذا العام فيلم (الشبكة الاجتماعية) والذي يسرد فيه قصة مؤسس موقع (فيسبوك) والذي كان له السبب الرئيسي في تأجيج الثورة المصرية والتونسية.

 

سائق تاكسي يثور على نيويورك

 

للثورات الشخصية نصيب في السينما ، حيث قدم مارتن سكورسزي ورفيقه الممثل روبرت دينيرو أحد أفضل الثورات التي قامت بها شخصية تجاه المدينة في السينما الأمريكية من خلال فيلم (سائق التاكسي) الذي يعتبر أحد أفضل الأفلام التي نشرت فضائح مدينة نيويورك والتي كانت تُقدم بشكل ملائكي من قبل صناع السينما الأميركية.

 

زووم

الأسرة المالكة البريطانية أحداث على جناح الأوسكار

 

ليست هي المرة الأولى التي تتجه فيها السينما الإنجليزية إلى رواية أحداث مهمة تتعلق بملوكها ، فمنذ أمد طويل وعن طريق المسرح تعرض كتاب الدراما الإليزابيثية كشكسبير ومارلو وغيرهما إلى سرد الأحداث الدموية التي أحاطت بعائلة وندسور ووصولها إلى سدة الحكم والخلافات والمعارك بين أعضائها، لدرجة جعلت من التراجيديا التي كتبها شكسبير عنهم مثلا ساحة امتلأت بالدماء والأشلاء والرؤوس المقطوعة، وحتى بعد شكسبير حاول الكتاب المعاصرون أن يستلهموا من أحداث المآسي الملكية أعمالا تضج بالموهبة والصراخ وتشهد علي حركة التاريخ وطموح الأبطال، وجاءت السينما لتحذو حذو المسرح ووجد المخرجون السينمائيون في التاريخ الإنجليزي القديم والحديث مادة لا تنضب لأفلامهم السينمائية يضعون من خلال التاريخ رؤاهم المعاصرة ونظرتهم إلى الأحداث، بل إن الأمر تجاوز الآن التاريخ القديم وصراعات آل وندسور وتوجه إلى التاريخ الحديث يستلهم منه المادة السينمائية، ويعيد لنا ذكرى أشخاص أموات أو أحياء مازالت سيرتهم تعيش بيننا متأصلة في ذكرياتنا ورؤانا، وهكذا مثلا رأينا فيلما عن حياة تشرشل وآخر عن حياة الملكة فيكتوريا وثالثا عن شخصية بلير وموقعه التاريخي المريب وكان ذلك واضحا في فيلم (الكاتب الشبح) وإن لم يذكر الفيلم اسم بلير صراحة، وها هو فيلم المبدع ستفن فريرز عن حياة الملكة إليزابيث الثانية والأزمة التي مرت عليها إثر مقتل الأميرة ديانا يحتل مكانا مميزا بين الأفلام السينمائية وينال صاحبه جائزة الأوسكار وممثلته الأولى أوسكار أحسن ممثلة، ويعيد التاريخ نفسه هذا العام ، حيث منحت هوليوود للمرة الثانية تتويجا لفيلم عن حياة الملك جورج السادس واعتلائه العرش تحت عنوان (خطاب الملك) وجعلته يحصد أربع جوائز أوسكار هي الأكثر أهمية (جائزة أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن سيناريو) وتتبع نفس التقليد الذي اتبعته عند منحها جوائزها لفيلم (الملكة) فيعطي جائزة أحسن ممثل للممثل الإنجليزي (كولين فرث) وبذلك تؤكد بقوة هذه الاتجاه للتاريخ المعاصر الذي سلكته السينما الإنجليزية في سرد محطات ووقائع من حياة ملوكها وملكاتها.

 

أخطاء أفلام التاريخ

 

بعض الأفلام التاريخية تعاني عيوبا تفقد المرء متعة متابعتها، حيث يشطح مخرجوها بالخيال ويحرفون التاريخ بغرض دخوله من أوسع أبوابه وذلك بجعله غير قابل للإدراك، فمثلا مخرج فيلم (10,000 قبل الميلاد) رونالد اميريج معروف بمناصرته للواقعية وحرصه على تقديمها في مشاهده ودليل على ذلك المشهد الذي يتم فيه إرسال فيروسات الكمبيوتر إلى المخلوقات الفضائية في فيلم (يوم الاستقلال)، ولكن رغم واقعيته المفرطة أخطأ في حقيقة أن حيوان الماموث لم يستخدم في بناء الأهرامات لأن حيوانات الماموث لم توجد في الصحراء ولو كان الأمر كذلك لما خلقت مغطاة بالصوف، والأدهى من هذا أن الأهرامات لم توجد على الأرض حتى عام 2500 قبل الميلاد.

وفي فيلم (الساموراي الأخير) لا يختلف اثنان على أن اليابانيين في أواخر القرن التاسع عشر قاموا بتعيين مستشارين لتحديث جيوشهم لكن غالبية المستشارين كانوا من الفرنسيين وليس من الأميركان كما جاء في فيلم (الساموراي الأخير)، أما الشخصية المقتبس منها دور (كين واتنابي)ـ أحد أبطال الفيلم هي شخصية (سايجو تاكاموري) الذي أقدم على (السيبوكو) وهو نوع من الانتحار الشعائري والذي يتمثل في تقطيع المعدة مقتصرا على فرسان الساموراي، وقد تم تحوير الأحداث إلى محاولة قتل بوابل من نيران البنادق والتي نجا منها بأعجوبة توم كروز أو (نيثان ألجرين).

بالإضافة إلى ذلك يأتي الخطأ الفادح الذي اقترفه مخرج فيلم (القلب الشجاع) في أمر لبس التنورة الاسكتلندية التي لم تصبح زيا موجودا حتى 300 عام بعد أيام ويليام والاس بطل الفيلم، وننتقل إلى أمر آخر وهو أن ويليام والاس الساحر ذو العينين الزرقاوين والذي أدى دوره ميل جيبسون كان يتمتع بسلطة كبيرة في معركة (فالكيرك) حيث أغوى زوجة الملك إدوارد الثاني (إيزابيلا) فكان ثمرة تلك العلاقة إدوارد الثالث، لكن كتب التاريخ تقول أن إيزابيلا كانت تبلغ من العمر ثلاثة أعوام في الوقت الذي وقعت فيه المعركة وإدوارد الثالث ولد بعد سبعة أعوام من وفاة والاس، وخطأ آخر في فيلم (إليزابيث) الذي دارت أحداثه في عام 1685 حيث كانت الملكة إليزابيث في الثانية والخمسين، في حين أن الممثلة التي لعبت الدور كيت بلانشيت كانت تبلغ السادسة والثلاثين عندما تم تصوير الفيلم.